(حراء أونلاين) في مطلع ستينيات القرن الماضي، ظهر مصطلح “السايبورج” لأول مرة، ويعني دمج أجهزة اصطناعية في الجسد البشري؛ بهدف تعزيز قدراته وتحسين وظائفه للعمل في البيئات المختلفة.

ومنذ ذلك الحين، مثَّلَ توصيل الأجهزة الاصطناعية بالأنسجة البشرية تحدِّيًا كبيرًا؛ إذ إن المواد التي تُستخدم بشكل تقليدي في تلك المهمة -كالذهب والسيليكون والحديد- تُسبب ظهور التهابات وندبات تشوِّهُ الجسد عند زرعها، كما أنها تعوق أيضًا تدفق الإشارات الكهربائية بين أجهزة التحكم -كالكمبيوتر- والعضلات أو أنسجة المخ.

غير أن فريقًا من الباحثين من جامعة “ديلاور” الأمريكية تمكن من التغلُّب على تلك المشكلة عن طريق استخدام بعض الأنواع من البوليمرات، وفق دراسة جرى نشرها خلال المؤتمر الافتراضي للجمعية الأمريكية للكيمياء.

ووفق الدراسة التي تم نشرها خلال المؤتمر الافتراضي للجمعية الأمريكية للكيمياء، فقد اكتشف العلماء مادةً حيويةً اصطناعية رائدة، يزعمون إمكانية استخدامها لدمج الذكاء الاصطناعي مع الدماغ البشري، وتُعد تلك المادة “خطوة رئيسية” لدمج الإلكترونيات مع الجسم البشري لإنشاء “سايبورج” بشري.

بدأت الفكرة عندما حاول الباحثون ربط أقطاب كهربائية بالدماغ، واستخدموا مجموعةً من المواد الصلبة العضوية، إلا أنهم فشلوا فشلًا تامًّا؛ لكون المخ يتكون في الأساس من مواد عضوية مالحة وحيوية.

وحين فشل الباحثون في توصيل تلك الأقطاب، بدأوا في البحث عن مواد إلكترونية عضوية تُستخدم في الأجهزة غير البيولوجية. ليجدوا نوعًا من البوليمرات، المعروفة باسم “بيدوت” وتُستخدم في الأساس في صناعة طلاء مضاد للكهرباء الساكنة، تُطلى به الشاشات الإلكترونية.

ووجد الباحثون أن تلك المادة مستقرة كيميائيًّا، ولا تسبب حدوث ندبات. ما يعني إمكانية استخدامها في الغرسات الطبية والأجهزة التكميلية بشكل جيد.

والبيدوت PEDOT هو نوع من البوليمرات المترافقة. أي أنه يتكون من خليط من البوليمرات يكوِّنان معًا جزيئين أساسين يختلفان في الشحنة الكهربائية، أولهما مادة موجبة الشحنة تُسمى البوليسترينسلفونات، أما الثاني فهو مادة موجبة الشحنة تُسمى البولي ثيوفين.

تقول الدراسة إن تلك المادة تتمتع بخصائص تؤهلها للاستخدام المتعدد. إذ إن لها قدرة كبيرة على تخزين الطاقة وتوصيل الكهرباء واختراق المواد المسامية، كما يُمكن استخدامها أيضًا كمحفز لنمو الأوعية الدموية، وللمساعدة في الإحساس، وعلاج اضطرابات الدماغ والجهاز العصبي. كما يُمكن ربطها أيضًا بالأجسام المضادة والحمض النووي.

من جهته، يقول “ديفيد مارتن” -أستاذ الهندسة الطبية الحيوية، وعميد مشارك البحوث وريادة الأعمال بجامعة ديلاور، والمؤلف الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ”للعلم”: إن تلك المادة يُمكنها العمل بالكهرباء مثل المعادن، وتتمتع بموصلية أيونية مثل الماء المالح. كما يمكن تعديل تلك المادة كيميائيًّا لتكون هياكل وخصائص تشبه إلى حدٍّ كبير المواد البيولوجية الموجودة في النظم الطبيعية.

يضيف “مارتن”: تلك المادة لها أنسجة تشبه المواد البيولوجية من حيث النعومة والرطوبة. ولهذا يُمكن استخدامها أيضًا في مجموعة من الأجهزة الحالية والناشئة، مثل غرسات القوقعة الصناعية (لاستعادة السمع)، وغرسات الشبكية (الرؤية)، وأجهزة تحفيز ومراقبة القلب (لأمراض القلب)، والغرسات العصبية (للدماغ أو الأطراف).

وتعمل العديد من الشركات والمؤسسات البحثية بالفعل على التكنولوجيا لربط الأدمغة بأجهزة الكمبيوتر، وربما يكون الأقرب إلى تحقيق منتج تجاري هو رجل الأعمال الشهير “إيلون ماسك” من خلال شركته الرائدة نيورولينك، التي تخطط للإعلان عن تفاصيل حول رقائق الدماغ التي يُمكن زرعها في الدماغ للمساعدة على تدفُّق البيانات والاحتفاظ بها.

يحتوي ذلك البوليمر على نواقل عصبية يُمكن أن تكون مفيدةً يومًا ما في دمج الذكاء الاصطناعي مع الدماغ البشري.

يقول “مارتن”: لطالما كنت مفتونًا بدمج الأنظمة البيولوجية والمكونات المُهندَسة. وحلمي هو استخدام البوليمرات الطبيعية المترافقة -كمادة الميلانين التي توجد في الشعر وبعض الأنسجة النشطة أيونيًّا مثل الأذن والدماغ- مع البوليمرات المُهندَسة -كالبيدوت- لجعل أجسادنا تعمل بشكل أفضل.

ويتابع: إن العلاقة بين الكيمياء والبنية الجسدية وخصائص المواد سيكون لها آثار عميقة في المستقبل، والسايبورج العصبي لم يعد حلمًا بعيد المنال على الإطلاق.

بقلم: محمد منصور

المصدر: موقع للعم