لابن رشد في تاريخ الفكر الإنساني عامة والفكر العربي الإسلامي خاصة، مكانة ما نحسب أنها كانت لغيره من مفكري الإسلام. وهذا الحكم في حق فيلسوف قرطبة اتفقت بشأنه أكثر الأقوال اختلافًا وأشد الآراء تضاربًا. فهو الذي تقدم لحمل الراية ورفع لواء الحكمة في ديار الغرب الإسلامي، فتعددت اهتماماته الفكرية واتسمت بالطرافة من حيث غنى مضامينها وتنوع مصادرها واختلاف مكوناتها، وتعددت تآلفيه التي تراوحت بين المختصرات والجوامع والتلاخيص والشروح والتعاليق والمقالات والمؤلفات الموضوعة. فتوزعت معارفه من المنطق وصناعة الطب إلى العلم الطبيعي والفلسفة الأولى، ومن الأخلاق والسياسة إلى الفقه والأصول والكلام.
فالسمة الرئيسة التي اتصف بها مذهبه هي السمة العقلانية القائمة على البرهان والنظر والحكمة، كما استند توجهه العلمي إلى التجربة الطبيعية والعضوية. وهذا ما به نفسر اعتماد منهجه على العقل والربط والتعليل والتجربة.. فحامت أعماله حول الشرح والتعليق على كتب المعلم الأول “أرسطو”، لذلك كُني ابن رشد بـ”الشارح الأكبر” و”روح أرسطو وعقله”، وذلك لما كان لشروحه من شأن في ترويج فلسفة أرسطو في الأوساط الفلسفية اللاتينية، في عهد كان الغرب اللاتيني جاهلاً تمامًا بآثار أرسطوطاليس، هذا فضلاً عن تقديمه الأرسطية بثوبها الخالص، خالية من الأخطاء والشوائب التي تعرضت لها. كما تصدى ابن رشد لمشكلات الفلسفة العربية الإسلامية -وهي المشائية والكلامية- بالتعليق والنقد الفلسفي، والتي لم يعرف عصره مثيلاً لها في النضج والإثراء.
وهو من عرف أيضًا بصاحب التقريب بين الحكمة والشريعة، أو منزلة العقل من الإيمان، متصديًا لأخطر قضية خاضها الفكر الإنساني، وهي محاولة التقريب ما بين نواميس الحكمة وأصول العقائد التي أتت بها الأديان؛ فلا تعارض عنده بين هدف الحكمة وهدف الشرع.

نشأته العلمية

ولد ابن رشد في مدينة قرطبة (520هـ/1126م) على أرض الأندلس، في عهد نشطت فيه الحياة الثقافية ونما التفكير الفلسفي تحت أنظار ورعاية الموحدين، وسمي باسم جده، وكني بنفس كنيته، واشتهر في كتب الطبقات بأبي الوليد قاضي الجماعة وبأبي الوليد الفيلسوف، ولقب وعرف بابن رشد الحفيد المعروف عند اللاتين باسم “أفرواس” (Averroes). نشأ في بيت علم وفقه وجاه، فجده كان قاضيًا بالأندلس كلها، وأمير الصلاة بالمسجد الجامع بقرطبة، كما أنه برز في أهم علوم العصر، كعلم التفسير والحديث والدراية والفقه، مما ممكنه أن يصبح عالمًا يتحّلق ويتجمع حوله طلاب العلم ويأخذون عنه.

فلسفته ومنهجه

إن ابن رشد قد استحق بجدارة لقب” الشارح الأكبر” لفلسفة أرسطو، وبلغت دقته غايتها في العصر الوسيط، حيث كان الشرح عنده يعني التحقيق والتمحيص بالرجوع إلى الأشياء ذاتها، واعتبارها مقياسًا لصدق القول المشروح، أو بالرجوع إلى الأساليب البرهانية وأنواعها. لا يعني الشرح -إذن- التبعية المطلقة، بل يعني مراجعة النص الأرسطي ومعرفة مذهبه. فقد كان ابن رشد يفكر مع أرسطو ويعيد التفكير معه مبينًا أشكال القياس التي اتبعها وأنواع البراهين التي استدل بها، محاولاً إيجاد البراهين الصحيحة.. فكانت مهمته فهم النص وتمثله، ثم اكتشاف بنائه العقلي وتأسيس المعرفة. فاكتملت بذلك أدواته الضرورية لممارسة قراءة خاصة تروم تقديم إسهام جديد في حقل الفلسفة العربية الإسلامية، وأعطى هذه الفلسفة زخمًا من التلاخيص والشروح والتعليقات والمقالات والمؤلفات الموضوعية.
فتناول بالدرس والنقد مذاهب المتكلمين، وأفرد أعمالاً للرد على الفلاسفة الذين تقدموه كالفارابي الملقب بـ”فيلسوف العرب” و”المعلم الثاني” بعد أرسطو، وابن سينا الملقب “بالشيخ الرئيس”، وبخاصة تلك المعركة الفكرية التي وجهها للإمام الغزالي في مؤلفه “تهافت التهافت”، والتي لم يعرف عصره مثيلاً لها في الخصومة والنضج.
هذا التراكم المعرفي الذي استوعبه ابن رشد، ازداد دعامة بمعارفه كفيلسوف وفقيه وطبيب جعلت منه أكبر حكماء القرون الوسطى. وبدون ريب فهو مؤسس الفكر الحر، كما يبدو الاتجاه النقدي جليًّا في كتاباته، فهو يتناول الآراء مبينًا أصولها وغاياتها بشكل تحليلي منطقي، مشيدًا نظامه الفلسفي انطلاقًا من نظرة نقدية للتيارات الفلسفية التي سبقته كاشفًا الغطاء عن المغالطات التي وقعت فيها الفلسفة المشائية العربية.
وباستثناء شروحه لأرسطو، نجد مؤلفاته عبارة عن مقالات في المنهج، فكتابه “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال” عبارة عن مقال منهجي أثار فيه الخطوط العامة التي يجب أن تقوم بين الشريعة والحكمة. أما كتابه “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة” فإنه نقد منهجي لآراء المتكلمين على عقائد الشريعة. وأما “تهافت التهافت” فهو مقال مفصّل في المنهج، فيه يعرض ابن رشد الأدلة التي عارض فيها الغزالي الفلاسفة، والأدلة التي سردها عن ابن سينا، والتي لا ترقى إلى مرتبة اليقين.
فالنزعة العقلية عند ابن رشد هي نظام وترتيب ومنهجية في التفكير، إنها تتمثل في نشاط العقل الذي يعيد بناء الواقع انطلاقًا من الواقع ذاته حتى يتسنى للإنسان إدراكه عقلانيًّا عن طريق المعقولات التي يصنعها العقل اعتمادًا على المعطيات الحسية الواردة عليه من الخارج. والعقل عند ابن رشد منفتح على كل العوالم، سواء كانت معقولات العلوم الطبيعية أو معقولات عالم ما بعد الطبيعة، كما أنه فهم قدرة العقل الشاملة بالإحالة إلى العالم؛ فلا بد للعالم من العقل ولا مناص للعقل من العالم، فهما أمران متضايفان لا يوجد أحدهما إلا بوجود الآخر في استقلال متبادل وتبعية مشتركة.
ومن جانب آخر، أسهم المفهوم الرشدي للعقل بقسط كبير في تأسيس الرشدية اللاتينية كحركة فلسفية غربية. وليس من غرابة القول “أن الفكر الديني اللاتيني ظل يستفيد منه طيلة قرون حتى مثل بالنسبة إليهم منطلقًا ومنعطفًا في بلورة مفهوم جديد للعقل ينزع نحو المعنى الكلي، والقاسم المشترك، ولا يفاضل بين الشعوب. ومن هنا تميزت فلسفته بالنزعة الإنسانية والعقلانية التي اعتمد عليها، للكشف عن قيمة الإنسان من الوجهة الاجتماعية والأخلاقية والنفسية”.
ولا شك أن من يتعمق في دراسة فلسفة ابن رشد، يجدها تشتمل على مفاهيم علمية وفلسفية لا غنى عنها في كل العصور، مثل اهتمامه الشديد بمفهوم السببية ومحاولته إرساءه على أسس علمية وفلسفية، ومعالجته لمشكلة الحرية الإنسانية معالجة طبيعية أقرب إلى الفهم العلمي الحديث، واحتفائه ببناء أدلة عقلية موضوعية على وجود الله تعالى، ومحاولته الناجحة للتوفيق بين الدين والفلسفة أو العقل والنقل أو الحكمة والشريعة، وتحقيقه لمفهوم الموضوعية العلمية الذي تجلى من خلال شروحه على مؤلفات أرسطو، التي أزال عنها كل التشويهات التي لحقت بها، وتقديمه لها في صورة علمية صحيحة، جعلته جديرًا بلقب “الشارح الأكبر”.

ابن رشد الطبيب

لقد اشتهر ابن رشد بانشغاله بالطب، فكانت تآليفه متعددة في هذا المجال، فصناعة الطب عنده “تتسلم كثيرًا من مبادئها عن صنائع أخرى بعضها نظرية وهي العلم الطبيعي والقياس، وبعضها عملية، ومنها صناعة الطب التجريبية وصناعة التشريح”. فابن رشد يؤكد على علاقة الطب بالفلسفة وتلازمهما وترابطهما. فصناعة الطب لا تنال دون أن يكون صاحبها عارفًا بصناعة المنطق: “فالطبيب الفاضل هو فيلسوف بالضرورة”.
فالطب عنده صناعة فاعلة وهذه الصناعة -أي الطب- لا يقصد منها شفاء الأمراض بطريق مباشر، لكون الجسم الإنساني في نظر ابن رشد منظومة نسقية، إذا اختل فيها التوازن في حالة المرض جاء الطب، لا ليعيد هذا التوازن بنفسه، بل ليساعد الجسم على أن يستعيد بنفسه توازنه الذاتي. فصناعة الطب عنده إذن “ليست غايتها أن تبرئ، بل أن تفعل ما يجب بالمقدار الذي يجب وفي الوقت الذي يجب، ثم ينتظر حصول غايتها، كالحال في صناعة الملاحة وقود الجيوش”.
ويمكننا أن ندرك علاقة الطب بالفلسفة بالعلاقة الخاصة التي كانت تربطه بالطبيب المشهور في عصره أبو مروان بن زهر صاحب كتاب “التيسير في المداواة والتدبير”، حتى أن الكثيرين قد أشاروا إلى أن كتاب “التيسير” هو تكملة أو تذييل لكتاب ابن رشد الطبي المسمى بـ”الكليات”.
ولإدراك أهمية الطب عند ابن رشد، نجده في نكبته آخر حياته والتي انتهت بحبسه، قد أمر بحرق جميع كتبه ما عدا كتبه في الحساب والفلك والطب، لأنها كانت من الكتب المعول عليها في هذه المجالات، كما أنها لم تكن محل نقد ومهاجمة من خصوم ابن رشد من المتكلمين والفقهاء، بل كانت كتبًا لاقت إعجاب العلماء في هذه المجالات.

أهم كتب ابن رشد الطبية

1- الكليات في الطب: وهو أهم مؤلفات ابن رشد الطبية ألفه حوالي عام (557هـ/116م)، وقد ترجم إلى العبرية ومنها إلى اللاتينية تحت عنوان (Colliget)، وقد اقتصر فيه على المبادئ العامة في الطب، دون أن يتطرق إلى التفاصيل والجزئيات، تاركًا لصديقه أبي مروان الأمور الجزئية لتكون جملة كتابيهما كتابًا شاملاً في صناعة الطب. وقد حرص ابن رشد على أن يكون الكتاب توطئة لصناعة الطب، وهو ما يظهر من مقدمته للكتاب، وهو ما يذكرنا بمقدمة “المختصر في المنطق” الذي اعتبره أيضا مدخلاً لصناعة المنطق، ولكن صاحب “الكليات” لم يكن يروم فحسب إنقاذ ما هو ضروري من صناعة الطب كما فعل في المنطق وغيره؛ بل كان يطمح فضلاً عن ذلك إلى تصحيح القول الطبي، وفق الأصول الطبيعية ومحددات القول العلمي، كما تضعها صناعة المنطق مستلهمًا في ذلك أعمال جالينوس الطبية، ومضيفًا إلى ذلك بعض التحفظات والانتقادات لآراء جالينوس.
فكان الهدف الأول من الكتاب هو نقل النظر الطبي من الإغراق في الجزئيات إلى الإمساك بالكليات التي تنير تلك الجزئيات، وتعمل على تنظيمها وضبطها، فإن المهمة الضرورية العاجلة التي تنتظر الطبيب الفيلسوف هي رفع هذه الصناعة إلى مستوى الكليات.
2- شرح ابن رشد على الأرجوزة المنسوبة لابن سينا في الطب: فقد اعتبرها أفضل من كثير من المداخل التي وضعت في الطب، مع ما اختصت به من النظم الميسر للحفظ، والمنشط للنفس، وقد ألفت شروح متعددة لهذه الأرجوزة في اللغة العربية، وترجم شرح الأرجوزة (Canti Cum) إلى اللغة اللاتينية عام (1284م) من قبل ارمنقود (Armengaud de Blaise)، وطبعت بمدينة البندقية عام (1884م) ونشرت بعد ذلك عدة مرات.
وقد اتبع ابن رشد في شرحه طريقة الأرجوزة في عرض الأصول النظرية والعملية التي ذهب إليها ابن سينا في علم الطب من المبادئ والمشاهدات والنصائح الغذائية والعلاجية، وختمها بالجزء العملي الخاص بالجراحة وآلياتها، وهي في الأصل خلاصة مكثفة لكتاب “القانون في الطب”.
ويتبين من شرحه للأرجوزة أنه يفرق بين مذهب الفلاسفة في صناعة الطب ومذهب الأطباء، فهو قد فصل القول في بيان مذاهب الفلاسفة والأطباء في تكوين الجسم أو في مادة تركيبه. فذكر مذهب أبقراط وجالينوس، وذكر اختلاف الفلاسفة والأطباء في العناصر التي تتكون منها الأجسام المادية، هل هي أربعة أم اثنان أم واحد، وهل هي ذرات غير منقسمة وذات طبيعة واحدة، وهل هي أساس العناصر الأربعة ذاتها وسائر الموجودات.
3- كتاب الترياق في الطب: هذا الكتاب يتحدث فيه ابن رشد عن وظيفة الأدوية، فيفرق بينها وبين الترياق، ويعرض لفعل كل منهما في الجسم، وشروط تركيب الدواء وملاءمته لأجسام دون أجسام، ويعتبر الترياق من أقوى المستحضرات الصيدلية التي ظهرت في الأزمنة السابقة فعالية. لذلك كان على ابن رشد أن يعطي لهذا الصنف من “إكسير الحياة” اهتمامه الخاص كطبيب مباشر، فقد أطلع على كتب الأوائل ودوّن لنا ما كتبوه عن الترياق، وفي كيفية استعماله الصحيح في حفظ الصحة من دون حدوث الأمراض الكبار.
وفي مجال استخدامه في العلاج لبعض الأمراض، حدد ابن رشد الأمراض التي يمكن أن يعالجها الترياق، ووضع شروحًا لأسباب استخدامه، بينما نجده قد حذر من استخدامه في علاج البعض الآخر، ذاكرًا الأسباب التي دعته إلى هذا التنبيه والتحذير. ويشدد أيضًا على ضرورة الحرص عند وصف الترياق وجرعته ألا يعتمد على القياس، بل يجب أن تكون التجربة أساسًا لوصفه وتحديد جرعاته.

(*) كاتب وباحث وأكاديمي / مصر.
المراجع
(1) الرسائل الطبية، ابن رشد، تحقيق: جورج شحاتة قنواتي ود. سعيد زايد.
(2) الكليات في الطب، ابن رشد، تحقيق وتعليق د. سعيد شيبان، ود. عمار الطالبي.
(3) الترياق، ابن رشد، دراسة د. عبد الحميد محمد البسيوني، ود. أحمد رجائي الجندي، ضمن ندوة الكويت عام 1995م.
(4) شرح أرجوزة ابن سينا، ابن رشد، مخطوطة المكتبة الوطنية بالجزائر.
(5) ابن رشد فيلسوفًا معاصرًا، الدكتور بركات محمد مراد.