كانت دراسة النباتات والحشائش تحتل في العصور الوسطى مكانة هامة في البحوث الطبية، وإليها ترتكز معظم الجهود في تركيب الأدوية والعقاقير الطبية. وقد بدأت هذه الدراسات في عصر مبكر، وكان أستاذها الأول “ديسقوريدس” اليوناني الذي عاش في القرن الأول للميلاد، واشتهر بكتابه عن “الحشائش الطبية” ومركبات الأدوية، وكان يعتبر طوال العصور الوسطى أنفس المراجع من نوعه، حتى إن القيصر السابع حينما أرسل سفارته الشهيرة إلى عبد الرحمن الناصر عام 336هـ/948م، لم يجد أنفس من نسخة مصورة من كتاب “ديسقوريدس” هدية يهديها إلى الخليفة.

وقد عني العلماء المسلمون عناية خاصة بدراسة الحشائش والنباتات، وتصنيفها ودراسة خواصها العلاجية، واشتهر بالأخص عالمان أندلسيان بلغا في هذا الميدان ذروة التفوق والنبوغ، هما أبو العباس بن الرومية الإشبيلي، وتلميذه النجيب ابن البيطار المالقي.

المسلمون وعلم النبات

لا ننسى أن المسلمين قبل عصر هذين العلَمين الكبيرين أخذوا معلوماتهم الأولى عن النبات، من مصادر مختلفة هندية ويونانية وفارسية ونبطية.. ثم ترجموا كتب ديسقوريدس وجالينوس في علم النبات، ولم يكن عملهم في هذه الكتب فحسب، بل كانوا يضيفون إلى ذلك الشروح والتعليقات، ويقتبسون منها ومن غيرها ما يرونه مفيدًا لتطوير زراعة أراضيهم، وبذلك نوعوا ثمراتها بإدخال أصناف جديدة، وزادوا في غلاتها، واستغلوا معرفتهم الجديدة بإدخال عقاقير ذات أصل نباتي لم تكن معروفة عند من نقلوا منهم من اليونانيين، مثل التمر الهندي، والكافور، والزعفران، والراوند، والسناميكة، والإهليلج وخيار الشنبر.

ونقلوا ثمار بعض النباتات الطبية من الهند كالأترج المدور الذي زرعوه في عمان، وجاءوا بالبرتقال من أوربا من بلاد الغال، إضافة إلى أن المسلمين حين فتحوا مختلف المدن والأمصار، عمدوا إلى إصلاح وسائل الري وتنظيمها ببناء السدود وحفر القنوات وإقامة الجسور والقناطر، وباستغلال الأراضي الزراعية باستنبات النبات المناسب في التربة الصالحة له. ووقفوا على خصائص أنواع التربة فاعتنوا بتسميدها، كما جلبوا من البلدان الجديدة أشجارًا ونباتات جديدة؛ كالأرز، وقصب السكر، والزيتون، والمشمش التي أدخلوها إلى أوروبا، كما نقلوا إلي أوروبا نباتات وأعشاب طبية وعطرية كثيرة.

وقد بدأ اهتمام المسلمين بالنبات من الوجهة العلمية، في مطلع العصر العباسي مع بداية حركة الترجمة، إذ ترجموا كتب الأقرباذين والنباتات التي استفادوا منها كثيرًا. ولما ارتقى علم النبات  لديهم، ظهر بينهم من اشتهر بدقته في البحث والوصف؛ كرشيد الدين الصوري، وابن البيطار الذي يورد ما لا يقل عن 1400 عقار بين نباتي وحيواني ومعدني، من بينها 300 عقار جديد لم يسبقه إليها أحد، وقد بين فوائدها الطبية وكيفية استخدامها غذاء ودواء.

لقد استفاد ابن البيطار من أستاذه ابن الرومية طرُق البحث والوصف والاستقصاء في عالم العقاقير والنباتات، فكان رائد عصره في معرفة النبات وتحقيقه واختباره والمواضع التي ينبت فيها. وكان يجمعها ويبحث فيها، ويحقق في خواصها ومفعولها. ونظرًا لتمكنه من علمه في الأدوية التي تتخذ من الأعشاب عيّنه الملك الكامل رئيسًا للعشابين.

ابن الرومية وحياته العلمية

أبو العباس بن الرومية الإشبيلي، يعتبر أعظم النباتيين المسلمين في بلاد الأندلس، وقد اشتهر بالنباتي وبالعشّاب. ينتمي ابن الرومية إلى أسرة قرطبية من موالي بني أمية، نبغ فيها أطباء ونباتيون، ونزحت فيما بعد إلى إشبيلية. وفي إشبيلية ولد أبو العباس عام 561هـ/1165م، وكانت إشبيلية يومئذ قاعدة الحكومة الموحّدية بالأندلس، وقد غدت في ظل الموحدين مركز العلوم والآداب بعد أن ضاقت هيبة قرطبة السياسية والأدبية.

وقد درس أبو العباس على جمهرة من أكابر العلماء في عصره، وبرز بالأخص في علم الحديث، حتى غدا فيها إمامًا حافظًا لا يبارى في ذكر تواريخ المحدثين وأنسابهم وتجريحهم وتعديلهم. وشغف في الوقت نفسه بدراسة النبات وخصائص الأعشاب الطبية، وتجول من أجل ذلك في ربوع الأندلس والمغرب وشمال إفريقيا ومصر والشام والعراق والحجاز، ووصل في هذا الميدان -من تحقيق أصول الأعشاب المختلفة وخواصها وتمييزها- إلى ما لم يصل إليه أحد من قبل.

وهنا تبرز تلك الجامعة الغريبة المشتركة بين علم الحديث وعلم النبات، وقد وجدنا الوزير ابن الخطيب يوضح كنه هذه الجامعة بين الصناعتين خلال حديثه عن ابن الرومية، فهو يقول  مشيرًا إليه: “عجيب نوع الإنسان في عصره وما قبله وما بعده، في معرفة علم النبات وتمييز الأعشاب وتحليلها وإثبات أعيانها على اختلاف أطوار منابتها بمشرق أو بمغرب، حسًّا ومشاهدة وتحقيقًا.. لا مدافع له في ذلك ولا منازع، حجة لا ترد ولا تدفع، قام على الصنعتين لوجود القدر المشترك بينهما وهما الحديث والنبات، إذ مواردهما الرحلة والتقييد، وتصحيح الأصول وتحقيق المشكلات اللفظية، وحفظ الأديان والأبدان، وغير ذلك”.

ويحدثنا الدكتور محمد عبد الله عنان في كتابه “تراجم إسلامية” عن هذه الظاهرة في الجمع بين الحديث والعلوم البحتة، حيث تبدو في أحياء كثير من العلماء المسلمين؛ فإننا نجد مثلاً عميد بني زهر (عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر) أبرع أطباء الأندلس في عصره، وولده أبو العلاء بن زهر المتوفى عام 525هـ، ثم حفيده أبو مروان عبد الملك بن زهر أعظم طبيب في العصور الوسطى، أو على قول تلميذه ابن رشد “أعظم طبيب بعد جالينوس”. نجد هؤلاء جميعًا من أئمة الحديث وأكابر الحفاظ، وهم في الوقت نفسه من أعظم عباقرة الطب والكيمياء.

وكذلك نجد ابن أبي أصيبعة في كتابه “عيون الأنباء في طبقات الأطباء” يقول عن ابن الرومية: “وله الذكر الشائع والسمعة الحسنة، كثير الخير، موصوف بالديانة، محقق للأمور الطبية، قد شرف نفسه بالفضائل، وسمع من علم الحديث شيئًا كثيرًا عن ابن حزم وغيره”. ويبدو أن أبا العباس كانت له ميول لدراسة الشريعة والأحاديث النبوية، مسيطرة عليه في أول حياته، وكان التكوين العلمي الديني القوي يستغرق بدايات طفولة وشباب العلماء المسلمين في أول حياتهم، قبل أن تتضح لهم علوم يتخصصون فيها ويتعمقون مسائلها وحقائقها.. ولكنه رأى معاملة الأطباء والصيادلة للفقراء والمساكين، فاندفع لدراسة علمَي النبات والطب، حيث برز فيهما، فثقافته الإسلامية جعلت منه عالمًا فذًّا، مدركًا لما يحتاج إليه الناس وينفعهم خاصة العامة.

وقد قضى ابن الرومية في رحلاته الدراسية التي كان معروفًا بها في شمال إفريقيا وبلاد المشرق مذ بدأها عام 580هـ بقليل، زهاء ثلاثين عامًا، وأدى فريضة الحج في عام 613هـ، ولقي خلال تجواله جمهرة كبيرة من العلماء المشارقة بمصر والشام، والعراق ومكة، وأخذ وروى عنهم، ثم عاد إلى الأندلس بعد طول التجوال واستقر ببلده إشبيلية، وافتتح بها متجرًا للنباتات الطبية، فكان مقصد الأطباء والنباتيين وطلاب العلاج من سائر الأنحاء. وهنالك وفد عليه معاصره الفقيه المؤرخ  والشاعر ابن الآبار القضاعي غير مرة، حسبما يذكر لنا ذلك في ترجمته في كتاب “التكملة”.

قال ابن عبد الملك المراكشي في “الذيل والتكملة”، يصف ابن الرومية ورحلاته وبحوثه: “إمام المغرب قاطبة فيما كان بسبيله، جال بالأندلس ومغرب العدوة، ورحل إلى المشرق، فاستوعب المشهور من إفريقيا ومصره وشامه وعراقه وحجازه، وعاين الكثير مما ليس بالمغرب، وعارض كثيرًا فيه كل ما أمكنه، ولم يزل باحثًا عن حقائقه، كاشفًا عن غوامضه، حتى وقف منه ما لم يقف عليه غيره ممن تقدم في الملة الإسلامية، فصار واحد عصره  فردًا لا يجاريه فيه أحد بإجماع أهل ذلك الشأن”.

وبينما كان ابن الرومية في مصر زائرًا للإسكندرية التي كانت حينئذ معقلاً من معاقل العلم والمعرفة، سمع الملكُ العادل أبو بكر بن أيوب عن فضله وجودة علمه بالنبات والطب وعلم الحديث، فاستدعاه من الإسكندرية لزيارة القاهرة، وعرض عليه وظيفة مغرية ليبقى في مصر، فاعتذر بحجة أنه يريد أن يذهب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، فاقتنع الملك العادل وقدّره واحتفى به.

مؤلفات أبي العباس

اهتم أبو العباس بن الرومية في التصنيف اهتمامًا بالغًا، فألف في علم النبات وتفنن فيه، حتى صارت مؤلفاته في هذا الحقل مرجعًا يرجع إليها العلماء ليقتبسوا منها المعلومات المفيدة والنادرة والبناءة.. أورد أنور الرفاعي في كتابه “الإسلام في حضارته ونظمه” قائمة، فيها تفسير أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس (أو شرح حشائش ديسقوريدس)، ومقال في تركيب الأدوية، والرحلة النباتية، وأدوية جالينوس والتنبيه على أوهام ترجمتها، والتنبيه على أخطاء الغافقي، والرحلة المستدركة.

عندما ننظر إلى مصنفات أبي العباس بن الرومية في علم النبات، نجد أنها قليلة مقارنة بالعلماء الذين سبقوه، ولكنه يمتاز بمنهجه الفريد وطريقته الخاصة في الكتابة، حيث كان يسهب بالشرح والأمثلة أحيانًا عندما يرى أن الموضوع صعب ويحتاج للإطالة، لكي يستوعب القارئ الموضوع على الوجه الأكمل والمرجو منه، ويوجز في بعض الأحيان عندما يشعر أن المسألة التي يتكلم عنها سبق وأن تطرق لها في أحد مؤلفاته، أو ورد ذكرها في مصنفات أحد علماء العرب والمسلمين، ففي هذه الحالة يذكرها لتوثيق ما يتحدث عنه فقط.

ومن الملاحظ أنه كان يكره التشهير عندما ينتقد عالمًا من العلماء، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، بل كان يحاول تعديل الخطأ وبطريقة هادفة وبناءة. إن إنتاج ابن الرومية في علم النبات، جعلت المستشرق “مايرهوف” الألماني يندهش منه ويعجب به، وينوه عنه بكل صراحة أنه من النادر، بل من الصعب جدا على أي متخصص بعلم النبات، أن ينتج مثل كتابه “الرحلة النباتية” الذي كان يشتمل على معلومات كثيرة، وإحاطة واسعة لمعرفة أسماء النباتات وفوائدها الطبية والغذائية، واعتبره من فطاحل علماء العصر الوسيط.

ولذلك يقول الدكتور علي عبد الله الدفاع في كتابه “إسهام علماء العرب والمسلمين في علم النبات”: “إن ابن الرومية عبقرية علمية بارزة في علم النبات والحديث، كان تأثيره رحمه الله واضحًا وجليًّا، ليس فقط على علماء العلوم الطبيعية في المعمورة، ولكن أيضًا على علماء الحديث في العالم الإسلامي. كان رحمه الله عندما يتكلم عن نوع من أنواع النبات، لا يكتفي بما كتبه عنه العلماء السابقون له من علماء العرب والمسلمين أو الإغريق، بل كان يدرسه بنفسه ويعمل عليه التجارب، لكي يتسنى له بوضوح ما يريد أن يكتب عن هذه النباتات، لذا نجد أنه ربط ملاحظاته على أسس علمية جديدة. فهو باحث يجب أن يكون مضاهيًا لابن جعفر محمد بن أحمد الغافقي الذي نال شهرة واسعة وعظيمة في كتابه “الأدوية المفردة”، بعلمه وأخلاقه واستقصائه للحقائق العلمية.

أما مؤلفاته الأخرى الهامة التي تدل على صفة الموسوعية التي كان يتصف بها علماء ذلك الزمان، والتي تدل على مدى اتساع آفاقهم العلمية، فنجد له في الحديث كتاب “رجالة المعلم بزوائد البخاري على مسلم”، وكتاب “اختصار حديث مالك للدارقطني”، وكتاب “نظم الدراري فيما تفرد به مسلم عن البخاري”، وكتاب “الحافل في تذليل الكامل” وغيرها. وقد توفي ابن الرومية بعد حياة علمية حافلة بإشبيلية في شهر ربيع الآخر عام637هـ/ 1239م، قبل سقوطها في أيدي القشتاليين بنحو تسعة أعوام فقط