الأسرة هي المؤسسة الكبرى التي يُسقى منها الفرد حظَّه من العاطفة والرعاية والحماية والتوجيـه والتعليم الاجتماعي لمنظومة القيم الاجتمـاعية، وفيها يرتبط ذكرٌ بأنثى ويتقاربان انطلاقًا من إعجاب أحدهما بالآخر. وقد حدد الإسلام الحنيف عامل الدين والأخلاق باعتبارهما شرطين أساسيين لاختيار كل من المرأة والرجل لبعضهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: “تُنكح المرأة لأربع: لِمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك” (رواه البخاري)، كما أكد الإسلام على جمال العلم. وتعدّ هذه الصفات العتبة الأولى لإنجاح الزواج، وتيسير الحياة تحت سقف واحد تملؤه المودة والرحمة. فكلما كانت مرجعيتهما الدينية واحدة، وتطبيقهما لأحكامها وتوجيهاتها فاعلة، تمكنَا من وضع اللبنة الصلبة لأسرتهما، وخلافًا لذلك تبدو بوادر الفشل والهدم. والواقع يتطلب قسطًا كبيرًا من الوعي، والإلمام الشامل بعلم التواصل حتى يضبطا مجموعة من التكتيكات والإستراتيجيات التي ستعمل على تذويب الخلاف وتحقيـق طموحاتهما.
ويمكن اقتراح خمس إستراتيجيات للتواصل داخل الأسرة كالتالي:
1- وضع أهداف مشروع الزواج في الاعتبار أثناء كل سلوك: لا أحد يماري في أن الغاية من الزواج لا تنحصر في العفة والسكن والفضل والـرزق وتلبيـة رغبـات الـجسد المشروعة فحسب، وإنما يسخر هذا كله لأجل بناء أمة ذات عزة وحضارة، تنعم تحت ظلها البشريـةُ، وذلك ترجمة لما يحمله الإسلام من رحمة للعالمين، الأمر الذي يتطلب نموذجًا من الأسر ذات الجودة العالية، كي ينمو في مناخها جيل قادم لبناء غد أفضل، وهذا لا يتأتى بالضـرورة إلا إذا كـان المؤسسان للأسرة، نموذجين ناجحين في تمكنهما من الرضوخ إلى المرجعية بالتطبيق السليم والصحيح دون حرج؛ فتخلو نفساهما من كل عائق أو هوى، فلا يكون همهما محدودًا عند الجسد وحطام الحياة اليومية ومستلزماتها، ولا يدخلان في صراعات وخلافات من أجلها، حتى لا يصيرا رمزين للهزيمة فيؤسسان أسرة مليئة بالأحقاد والضغائن، يترعرع وسطها أبناء لا يزيدون المسلمين إلا خبالاً، ولا يملكون من الأمر شيئًا سوى الإفساد في الأرض والانحراف.
ولقد أدركت جميع الشعوب أن الكنز الحقيقي يتمثل في أبنائها، وإعداد جيل جديد يرفع من تطورها ونمو حضارتها ويحقق أحلامها. وهو ما دعا إليه الإسلام لتحقيق العدل والإخاء والسلام والحب بين البشر، ومن ثم تغدو مسؤولية الزوجين ورسالتهما مشروعًا شرعيًّا، به ينالان رضا الله ويفوزان بالجنة.
2- القبول بالآخر والحذر من إقصائه: لا أحد يجادل في أن الطبع والتربية يختلفان من شخص لآخر، فكل من الزوجة والزوج يتلقى تربية خاصة في أسرته السالفة، كما أن كلاًّ منهما ينفرد بطبع ومزاج وعادات تختلف عن الآخر. فهما إذن مدعوان إلى قبول كل منهما بصاحبه بعد اتفاقهما على المبادئ العليا لمرجعيتهما، واحترام خصوصياتهما التي قد تكون متباينة ومختلفة بينهما، وإدراك أن هذا الاختلاف ثراء للأسرة، وتنوع داخل الوحدة يجدر بهما توظيفه واستغلاله استغلالاً حسنًا حتى يقطفا ثماره الطيبة؛ لتصبح بذلك خصوصيات أفراد الأسرة الجديدة يتجاوزان بها التصورات البالية، والتقاليد المتخلفة التي تعم مرافق المجتمع، فيعملا معًا على السمو بعلاقتهما نحو الحب والإخاء والصحبة الراشدة. إن هذا القبول المطلوب ليس سوى العمل على احتواء كل منهما للآخر، واحترام خصوصياته ورعايتها رعاية التقدير ترفع من مقامهما وتضمن كرامتهما معًا. فتربة الحياة الأسرية خصبة لنمو بعض الأمراض والعقد التي تعكر صفوها وتفتك بعراها. فالزوجان مدعوان لأخذ الحيطة والحذر، وعدم السماح لإحدى هذه الأمراض بالتسلل إلى حياتهما الزوجية، وإدراك أن كلاًّ منهما يكمل الآخر، فلا تفاضل بينهما إذن، وهما سواسية في الحقوق والواجبات كما أكد على ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “ألا إن لكم على نسائكم حقًّا ولنسائكم عليكم حقًّا” (رواه الترمذي).
فكم هو جميل أن تعتبر العشرة الزوجية فرصة ثمينة كي يتمكن الزوجان من ضبط أخطائهما، وما يعتري شخصيتهما من العُقد والطبائع الشاذة مما أفسدته التربية السالفة وأفسده الدهر، وتقويم ما اعوج من الخصال. وهذا هو المسار الذي يجب أن ينخرط ضمنه الزوجان، ويبحثا معًا عن الصور والمظاهر التي تجعل كليهما ينمي حبه ورضاه بالآخر، وذلك بالسلوك الحسن والاهتمام بالمظهر، وملء كل منهما عين الآخر، وبعث الاطمئنان والرضا في قلبه، والرفع من مكانته، خاصة أثناء نصحه أو معاتبته أو مجادلته أو مخالفته، وكل ذلك يقتضي نوعًا من الحكمة والرزانة وعدم التسرع والتهور.
ولأن النفس البشرية ضعيفة، ودرجة تحملها تتفاوت من شخص إلى آخر، فالأمر يدعو إلى شدة الحذر حتى لا يقصي أحدهما صاحبه عن قصد أو عن غير قصد، وذلك في كل السياقات السلوكية.
3- التعاون وتطبيق مقولة مَنْ ومتى وكيف وأين: تتسم الحياة على هذه البسيطة بالصعوبة والمشقة والمنعطفات الحاملة للمنغصات والآلام، ولذلك يحتاج الفرد فيها إلى مُعين قريب يستأنس به ويقاسمه حياته حلوها ومرّها، ويساعده على مواكبة الحياة ومغالبة صعابها وتخطي أزماتها، ولن يجد الفرد من هو أهل لهذه المكانة إلا فيمن قال فيهما الله سبحانه: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)(البقرة:187). الزوجان معا هما من سينجب ثمرات حبهما التي تتجلى في الأطفال زينة الحياة الدنيا، وسيشاركان الحياة تحت ظلٍّ واحد، وسيقاومان أمواج الحياة العاتية بقاربهما الصغير ذي المجدافين النحيفين، وعلى درب المودة والرحمة والصحبة الراشدة سيبذل كل منهما الغالي والنفيس لإسعاد الآخر؛ إيمانًا منه أنه يسعد بذلك نفسه لينال رضا الله، فيزداد تسلحًا بالصبر والتضحية في السراء والضراء وحين البأس. وذلك كله بعذوبة الصحبة على المحجة البيضاء، فيحتل بذلك التعاون بينهما -في أمور الدين والأخلاق والعلم- صدارة القضايا جميعها، ويضعان برنامجًا لجدولة ما يتعلق بالتربية الروحية، مصداقًا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)(التحريم:6)، بقصد الحوار البناء والبحث عن العوائق التي تعترض كل أعضاء الأسرة، ليقوّموها جميعًا ويبدوا أسبابها ونتائجها والحلول قصد تجاوزها.
هنا يجب أن ينتبه الزوجان إلى أهمية مراعاة مقولة من ومتى وأين وكيف، التي نعتبرها في اعتقادنا من أهم الإستراتيجيات التي تعمل على إنجاح المشروع التواصلي، كما تحقق مبدأ التعاون، وتكسر أغلب العوائق التي تحول دون قبول التوجيه والنصح والتذكير، ذلك أن طبيعة البشر تتقلب ولا تستقر على حال واحدة تبعًا لتكوينها النفسي، وموقعها الاجتماعي، والظرف الزمني الذي يرافقها، والفضاء والسياق اللذين يلازمانها.

أ- مقولة مَنْ؟

يقتضي تطبيق هذه المقولة تعرّف كل منهما على الآخر، التعرف على من يكون؟ ما هو طبعه؟ مزاجه؟ معلومات عن ماضيه التربوي، الظروف التي نشأ فيها، تعليمه، كل هذا سيساعدهما على فهم كل منهما للآخر ويتواصل معه بشكل موضوعي، وسيعرفان حدود طاقتهما وقدر تحملهما، فهناك من هو عصبي المزاج، والمتسم بالعناد، والانفعالي.. وهكذا يصعب تحديد أنماط الأشخاص، كما يصعب ضبط تداخلات الحالات.

بـ- مقولة متى؟ وأين؟

جل الأشياء والقضايا والمواقف مرتبطة بالزمن والفضاء فلا شيء يخرج عنهما، وما يصلح في هذا الوقت قد لا يصلح بالضرورة في آخر، وما يجدي في هذا السياق وذاك الفضاء قد لا يجدي في غيرهما.
فمتى يتدخل أحد الزوجين؟ ومتى يعقّب؟ ومتى يسأل؟ ومتى يجيب؟ ومتى يعلّق أحدهما على الآخر؟
كل ذلك يخضع لزمنه الخاص، إذ لا بد لهما أن يراعيا اللحظة الزمنية والسياق المناسب حتى يتجنبا أيّ إشكال في التواصل، أو أي صراع قد يقحم الأسرة في نفق من الضياع والنزاع والتبعثر، وكل تهور منهما يمكن أن يعرّض حلمهما للتلاشي، وأبناءهما للضياع. ويعد تطبيق مقولة “متى وأين” من سمات الحكمة، التي يجب أن يتصف بها الزوجان حتى يقطفا ثمار ما يصبوان إليه. فالاحتفاظ بالهدوء والصمت خاصة عند المفاجآت، أمر يجعل المرء يفكر التفكير الصحيح والسليم، ويأخذ الوقت الكافي للتمعن في المسائل والقضايا.

جـ- مقولة كيف؟

تلعب الطريقة دورًا فعّالاً وناجعًا لضمان الوصول إلى النتائج المرجوة، وهي الكيفية اللائقة والصالحة، على كل من الزوجين إتقانها واختيار أنسب الوسائل والأساليب والإمكانيات. ويعد اللين والكلمة الطيبة والرفق والتمهل من الوسائل الهامة التي يعتمد عليها الكثير من أصحاب التجارب، الذين يجنون بها ما لا يُحصى من الفوائد، ويجتنبون ما يمكن من الصدامات والخلافات.
4- فن التنازل والمزيد من الثقة: يعرّف بعض السياسيين السياسة بكونها إتقان لعبة “فن التنازل”، هكذا تلعب هذه الإستراتيجية دورًا وقائيًّا للزوجين، وتعمل على إنشاء أجواء مريحة تسمح لكل سجيّة أو فضيلة بالترعرع والنمو للمساهمة في بناء جانب مهم من الشخصية.
وتعني هذه الإستراتيجية التحلي بالمرونة والحكمة البالغة، وامتلاك الشجاعة والسيطرة على الذات، وانفعالاتها لجر الخطوة إلى الوراء، والتراجع عن الجدال العقيم أو الصدام ولو كان الحق حليف صاحبه، وذلك حفاظًا على سفينة الأسرة من الاهتزاز، الأمر الذي يتطلب قسطًا وافرًا من البصيرة، وبعد النظر والروية والذكاء النافذ.
فإذا حدث أن دبّ خلاف أو نقاش بين الزوجين في أمر ما، فما على أحدهما إلا أن يهرع مسرعًا نحو التنازل، ومبديًا بساطة حجم الموضوع دون تضخيمه، متجاهلاً كل الخلافات بينهما وقبول آراء صاحبه بتسامح وافر في تجاوز ما قد يصدر عن الآخر من هفوات وانفعالات، وباحثًا عن حلول ناجعة تفضي إلى استقرار الأسرة والوصول إلى بر الأمان.
وهنا ندعو الزوجين إلى مزيد من الحلم والتواضع ولين الجانب ليمتلك كل منهما الآخر، وأن يشد بينهما الحب والتقدير ودوام المودة والعشرة، وأن يوشحا نفسيهما بقيمتَي الصدق والأمانة.. فيتمكنان بذلك -وبشكل طوعي- من التنازل وقبول احتمال الخطأ في سلوكيهما، وبالتالي العمل على تصحيحه وتقويمه بشجاعة وجرأة فريدتين، دون الإحساس بالحرج أو الضجر أو السخط أو الكراهية.
5- احترام الموقع وتعظيم شعائر الله: يمثل مفهوم الموقع داخل علم التواصل أحد آلياته الإجرائية، فكل من الزوجة والزوج يختص بموقع مغاير للآخر، وبموجب هذا الموقع يمتلك كل منهما خصوصيات تتميز عن خصوصيات صاحبه.
وينطلق تحديد الموقع من المرجعيات الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والقانونية. فموقع الزوجة والزوج له في هذه المرجعيات مكانة سامية ومقدسة، وقد خص له الدين الإسلامي مقامًا فريدًا منوهًا به في الكثير من آي القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وموقع الزوجة يشمل العديد من الصفات؛ فهي الزوجة والأم والأخت والبنت والمواطنة في سائر الحقوق والواجبات العامة في الحياة. وهي بذلك، المقام السامي، لما تبذله من عطاء وتضحية ونكران للذات داخل الأسرة وخارجها في مهامها الاجتماعية والثقافية والسياسية، وما تحمله من هموم المجتمع انطلاقًا من موقعها الخاص.. وذلك تبعًا لخصوصياتها المغايرة لخصوصيات الرجل، والتي لم يكن من قبيل العبث، أن رفع الله مقام النساء في العديد من سياقات القرآن العظيم، وطلب من الرجال معاشرتهن بالمعروف: (وعاشروهن بمعروف)، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الرجال بقوله: “واستوصوا بالنساء خيرًا” (رواه مسلم). كل هذا وغيره استوجب على الرجل احترام موقع المرأة وتوقيره، واعتبر ذلك أمرًا شرعيًّا لا هوادة فيه.
كما أن موقع الزوج يشمل بدوره الكثير من الصفات؛ فهو الزوج والأب والأخ والابن والمواطن في سائر الحقوق والواجبات العامة في الحياة، مثله في ذلك مثل الزوجة، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما النساء شقائق الرجال”.
ولذلك لا يقبل أي تعسف أو مسّ بأي موقع منهما، فكل من الموقعين يخول لهما حقوقًا وواجبات يجب مراعاتها واحترامها والرفع من قيمتها وهيبتها بشكل متبادل، واعتبار أن أي إساءة إلى أحد الموقعين، ما هي إلا إساءة لكلا الموقعين دون استثناء.
ومن ثم يجدر بهما التسلح بالعقل والنظر البعيد لمعالجة أي شطط قد يتخلل تصرفاتهما، واحتمال الخطأ من الطرفين دون اللجوء إلى نقد غير مُجدٍ أو غير بناء قد يعصف بالأسرة ويجعلها عرضة للتلاشي والضياع.
أما تعظيم شعائر الله، فتكمن أهميتها في كونها تضمن الحفاظ على التوجيهات الربانية في سلوك البشر، لأن تقديس المرجعية الدينية لدى المسلمين، وتحريم الاستهتار بأحكام الدين الإسلامي وأوامره، وتوجيهاته في الحقوق والواجبات -سواء في العقيدة أو الشريعة أو العبادات أو الأخلاق- أمر يجعل عرى الأسرة قوية. كما يمكّن الزوجين من التمسك بأحكام الله والاستسلام له في كل الأحوال، والرضوخ لأوامره سبحانه، بدلاً من الغطس في بحر السخرية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دون وعي، أو عن طبع جاهلي موروث.
وكيفما كانت الإستراتيجيات التواصلية الهادفة إلى إنجاح مشروع الزواج، فعلى الزوجين أن يدركا أنهما يؤسسان لمستقبل الأمة جمعاء. وهو ما يتطلب منهما ترسيخ مناخ نظيف داخل البيت حتى تنمو داخله الأجيال القادمة، فيستنشقوا عبير ما شيّده الأبوان، ويترعرعوا في فضاء تملؤه القيم النبيلة التي تعمل على تشكيلهم وتكوينهم على أفضل وجه، فهم تاريخ الغد ومستقبل الأمة وأحلامها.
فلينظر كل من الزوجين أي سعي يختاران، فإما سعيًا مشكورًا؛ وهو ما يتمثل في رفع راية الإسلام والعمل على تحقيق الهدف الأسمى لبناء تاريخ أمة تحيا بنور ربها وتنعم برضاه صلى الله عليه وسلم، فيكونا بذلك رمزين للنصر والفوز بالدنيا والآخرة.
وإما أن يكون سعيهما سعيًا مدحورًا؛ وهو ما يترجم خذلانهما وضياع رسالتهما، بل وخيانتهما للأمانة الكبرى. ولن يصدر عن هذه الخيانة سوى أمة مخذولة ترزح تحت وطأة التخلف والقهر والذل والهوان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) باحث وأكاديمي / المغرب.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.