يقول الدكتور محمد عمارة في كتاب أزمة الفكر الإسلامي المعاصر: “اليوم لا نغالي إذا قلنا إن إجماعًا يكاد ينعقد على أن الفكر الإسلامي يعيش في أزمة، وأن هذه الأزمة الفكرية، قد أوقعت هذا الفكر في مأزق حضاري، فأهل الفكر بتياراتهم المختلفة يسلمون بذلك، مع اختلافهم في تحديد أسباب هذه الأزمة وفي تعيين سبل الخروج منها”(1).

إن الفكر الإسلامي يحتاج إلى وصفات علاجية يتعافى بها من أزمته وترشده إلى معالم التفكير المنهجي التي دعا إليها الإسلام والتزم به علماؤه الأوائل في مختلف الحقول الفكرية المعرفية، فشيدوا حضارة امتزجت فيها الروح بالمادة وفق الرؤية الشمولية المتوازنة التي كانت سمة مميزة للفكر الإسلامي في عصور الأمة الإسلامية الزاهية.

ومن أبرز مظاهر الخلل نجد خللاً في التعامل مع مصادر وأدوات الفكر الإسلامي، إذ يلاحظ انفصال في عناصر البنية المعرفية الإسلامية مما أدى الجمود والتقليد، وعدم تجديد أدوات العمل.

ويعتبر كتاب “منهجية التكامل المعرفي مقدمات في المنهجية الإسلامية” للدكتور فتحي ملكاوي مشروعًا فكريًّا هامًا شخص ملامح الأزمة وحدد منطلقات النهوض نظريًّا وتطبيقيًّا وفق الرؤية الإسلامية الكونية، معتبًرا أن الأزمة بالأساس أزمة منهجية فكرية، داعيًا إلى بناء منهجية معرفية إسلامية تقينا من التشوهات والانحرافات التي يعاني منها الفكر الإسلامي.

فما هي إذن أبرز مظاهر الأزمة؟ وإلى أي حد نستطيع بناء وعي منهجي كفيل بإيجاد حلول ناجعة لمعالجة أزمات الفكر الإسلامي المعاصر؟

لعل مظاهر التخلف المتعددة في واقع الأمة المسلمة يشهد على كثير من الخلل المنهجي في التفكير والبحث والسلوك، لذلك فالمنهجية الإسلامية تعد محورًا أساسيًّا في الأزمة الفكرية التي تعاني منها الأمة، وقاعدة أساسية في المشروع الحضاري الإسلامي.

 ومن أبرز مظاهر الخلل نجد خللاً في التعامل مع مصادر وأدوات الفكر الإسلامي، إذ يلاحظ انفصال في عناصر البنية المعرفية الإسلامية مما أدى الجمود والتقليد، وعدم تجديد أدوات العمل، والتقيد بالحرفية في التعامل مع النص، وعدم مساءلة المعرفة الإسلامية والتعامل معها بنوع من التقديس والتسليم، وغياب التكامل المعرفي والتجزئة المستمرة للعلوم، وهو ما أفرز أزمة في التعامل مع الأصول والتراث والواقع، وتتجلى بعض من مظاهرها في القرآن والسنة: أزمة التعامل مع القرآن كنص، وتغليب النظرة التجزيئية، وتغييب النظرة الكلية، وجمود التجديد في علوم القرآن، ناهيك عن الفصل بين القرآن والسنة واعتبار هذه الأخيرة مصدرًا ثانٍ للتشريع في حين أن المصدر واحد والسنة بيان وتفسير.

في الجانب التراثي يبدو أننا سقطنا في خلل منهجي عندما حاولنا التوفيق بين مرجعيتين مختلفتين، مما أدى إلى بروز اختلافات استعصى حلها، كما تضخم الفقه بكثرة الفتاوى والابتعاد عن فقه المجتمع والواقع، مما أدى إلى الكسل والخمول في إنتاج معرفة جديدة، فنشأ التعصب الفقهي والمذهبي والتقليد بين الأئمة والدعوة إلى الاجتهاد داخل المذهب الواحد، كما اقترن الفقه بالسلطان وتبني السلطة السياسية لمذهب فقهي معين.

 تضخم الفقه بكثرة الفتاوى والابتعاد عن فقه المجتمع والواقع، مما أدى إلى الكسل والخمول في إنتاج معرفة جديدة.

ومن مظاهر الخلل المنهجي في واقع الأمة: الخلل في تكوين الشخصية الإسلامية المعاصرة في الجانب العقلي أو الفكري، ويتمثل في الرؤية الكونية الكلية التي تحدد تصورات المسلمين عن الكون والحياة والإنسان. فقد اختلطت هذه الرؤية وأصابها الغبش والعجز والقصور في جوانب عديدة. والجانب الآخر هو الجانب النفسي المتمثل في ضعف الإرادة والعجز عن المبادرة والافتقار إلى الجرأة والشجاعة.

فضلاً عن الخلل في رؤية العالم وفقدان الرؤية الكلية الشمولية، ويتحقق الخلل المنهجي في هذا السياق عندما يقصر الأمر على جانب من القضية وعلى قليل من معطياتها وعلى الظاهر من أمرها. ويتمثل هذا الخلل أحيانا في البحث عن الحقيقة في حيز ضيق ومحدود من مجالات المعرفة بالاقتصار على التراث دون المستجدات التي تفضي إلى فقدان الرؤية الصحيحة، وبالتالي تشكل عائقًا في سبيل الإقلاع الحضاري المنشود.

ينضاف إلى ذلك، الخلل في فهم الواقع بالاعتماد على التصور الذهني المجرد عن الواقع سواء تجريدًا عقليًّا أو تجريدًا روحيًّا، كالزهد الديني الذي يهمل واقع ومتطلبات علم الاجتماع البشري، وعزلة النخبة المثقفة عن هموم العامة، والتشبت بالمثال السلفي في كل معالجة للواقع، واعتماد الواقع الغربي مثالاً للنهوض والتقدم. كما يمكن أن نسجل خللاً في ربط الأسباب بالنتائج، ويتمثل الخللفهم الأسباب والتعامل معها بعدم الأخذ بالأسباب بحجة التوكل على الله، أو الظن بأن اعتماد الأسباب يطعن في العقيدة لأن الله سبحانه هو الفاعل الوحيد، أو الظن بأن الأسباب هي الفاعلة بذاتها في النتائج دون أن يكون للقيوميّة الإلهية دخل في ذلك.(2) وهذا الخلل هو عرض عام يعبر عن ضعف الحس السببي تجاه مظاهر الطبيعة وظواهر الاجتماع، وضعف عقلية البحث العلمي المتمثلة في الخطوات المنطقية في التحليل والترتيب والتصنيف المنهجي المتمثل في فهم مبادئ الواقعية والسببية والشمولية في واقع المسلمين الفكري والعملي يعد عائقًا مهمًا في سبيل الإقلاع الحضاري الإسلامي المنشود.

إن الفكر الإسلامي يحتاج إلى وصفات علاجية يتعافى بها من أزمته وترشده إلى معالم التفكير المنهجي التي دعا إليها الإسلام والتزم به علماؤه الأوائل في مختلف الحقول الفكرية المعرفية.

إذا كانت هذه الأزمات ذات طبيعة منهجية بالأساس فإن البحث في سبل معالجتها يفترض بالضرورة أن يكون منهجيًا كذلك. وأول خطوة في بناء الوعي المنهجي هو التوعية بأهمية فهم المنهج وممارسته أي بناء التفكير والبحث والسلوك المنهجي، إضافة إلى تعميق الوعي المنهجي ودعوة فئات الأمة عامةوالقيادات الفكرية خاصة إلى التمكن من أدوات التفكير المنهجي، والوعي بالإمكانات الغربية المتاحة ومراجعتها، والوعي أيضا بالتطبيق المنهجي وبصعوباته وكيفية تجاوزه، ومن ثمة الوصول إلى حالة من الوعي الكلي الذي تحكمه رؤية كلية للعالم.

وعندما نبني وعيّا منهجيًّا محكمًا سنتمكن من جعل المنهجية تقوم بوظائفها بشكل سليم، وهكذا يمكن تجديد النظر في أصول المعرفة الإسلامية وتراثها وواقعها من خلال استيعاب شامل لأدوات الفهم التي أنتجها علماء المسلمين الأوائل وإعادة إعمالها، وبالتالي إنتاج أدوات عمل جديدة للمعرفة في إطار التكامل بين علوم الوحي وعلوم العمران، والانسجام بين العقل والحس، وبالتالي تحقيق معادلة التكامل المعرفي والتي ستحكمها منظومة القيم العليا كمبادئ كلية وحاكمة لهذه المعادلة، هي في حاجة إلى النظر المنهجي واستكمال تأصيلها ودعمها بمزيد من الدراسات والأبحاث ونقلها من مجال الدعوة والموعظة إلى مجال التأسيس للعلوم الإنسانية والاجتماعية وتطبيقاتها.

إجمالاً يمكن القول بأن مظاهر الأزمة في الفكر الإسلامي متعددة وترجع في نهاية المطاف إلى إشكال منهجي حقيقي، لذا ينبغي تجاوز المنهجيات التقليدية التي عجزت عن حل عدد من القضايا الهامة للأمة، وركنت إلى الجمود والتقليد، كما يجب الحذر من المنهجيات الهدامة التي حاولت إرساء قطيعة مع أصول الدين وتراث الأمة التي مارسها مفكرون معاصرون باسم العلمانية والحداثة، إننا في حاجة إلى وعي منهجي يسدد منهجيتنا في التفكير والتعامل الإيجابي مع مصادرنا وأدواتنا في سياق الرؤية الإسلامية الكونية.

المصادر والمراجع:

  • فتحي حسن ملكاوي، منهجية التكامل المعرفي مقدمات في المنهجية الإسلامية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، طوب بريس الرباط، 2012.
  • محمد عمارة، أزمة الفكر الإسلامي المعاصر، دار الشرق الأوسط للنشر، 1990.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.