في هذه السطور سوف نتجه نحو شمالي غربي تركيا.. ننطلق إلى جامع السليمية الذي يمثل القمة في العمارة العثمانية، والذي أقامه المعماري سنان، أعظم معماري عرفه التاريخ العثماني، على أعلى ربوة بمدينة أدرنه كتاج على رأسها. وقد شهدت هذه المدينة مولد السلطان محمد الفاتح الذي غير مجرى التاريخ بفتح اسطنبول عام 1453. وقال عنها الشاعر العثماني نفعي إنها إحدى جنان السماء الوردية.

 جامع السليمية يشرف على المنطة كلها… يروى أن سنان العظيم ظل يفحص المدينة مدة عامين على ظهر حصانه حتى اختار هذا المكان المرتفع والمهيمن على كافة المدينة.

أدرنة اليوم وإن كان خالية من معظم حدائقها الخضراء التي كانت تزين كل مكان في الماضي، إلا أنها ما زالت منذ تحافظ على هويتها كمتحف مكشوف يعرض للزائرين آثارا خالدة من الحضارات الحية. ومما لا الشك فيه أن أهم أثر فيها هو الذي يحمل ختم المعماري سنان.. ألا وهو “جامع السليمية”، إذ يحتل أبرز نقطة في هذه المدينة. تذكر الروايات أن السطان سليم الثاني رأى في حلمه الرسول عليه الصلاة والسلام يقول له “ابنِ جامعا في أدرنه”.. فأمر ببناء السليمية على الفور. وفي عام 1575 وصلت بشارة انتهاء الجامع إلى السطان، لكنه لم يحظ بافتتاحه ولا بالصلاة فيه حيث توفي بعد فترة وجيزة.

يا له من منظر باهر… جامع السليمية يشرف على المنطة كلها… يروى أن سنان العظيم ظل يفحص المدينة مدة عامين على ظهر حصانه حتى اختار هذا المكان المرتفع والمهيمن على كافة المدينة. ترى الجامع مباشرة عندما تتجه نحو أدرنه وكأنه المكلف الوحيد باستقبال الضيوف والمرحب بهم. يقف الإنسان مدهوشا أمام روعة المشهد ولا يكاد يصدق أنه من صنع بشر.

تقع أدرنة على ممر طرق تجارية مهمة. لذا تم إنشاء خانات وأسواق مسقوفة، بالإضافة إلى الجوامع والأوقاف والمدارس العلمية والدينية.

للجامع أربع مآذن، ولكل مئذنة ثلاث شرفات. تبدو المآذن الأربع من بعض الجهات كأنهن اثنان فقط. وثمة أسرار أخرى.. أربعة مآذن وتدل على التكبيرات الأربعة في الآذان.. اثنى عشرة شرفة وترمز إلى ترتيب السلطان سليم الثاني بين سلاطين آل عثمان.. داخل كل مئذنة ثلاثة سلالم وكل منها ينتهي إلى شرفة مختلفة عن الأخرى. وما عليك إذا أرقك التعب إلا أن تستند باطمئنان إلى إحدى العواميد في باحة الجامع المحاطة بالأروقة وتجيل النظر في معالمه، لاسيما النافورة الرخامية المرصعة باهتمام بالغ.

جامع السليمية لا يبهر الإنسان بمنظره الخارجي فحسب بل بزخارفه الداخلية أيضا. ومن يدخل الجامع بفضول ورغبة يدور تحت القبة بتعجب ولا يعرف من أي نقطة يبدأ النظر. القبة مركبة على ثمانية أقدام فيلة، إلا أن الأقدام لا تخل بأناقة الجامع ويمكن أن ترى كل زاوياه بمجرد نظرة واحدة. ورغم الاحتلال الروسي لأدرنة عام 1878 وقيامه بسلب بعض قطع الخزف العائدة للجامع ظل الأنموذج المثالي بعمالة الرخام وفن الخط وصناعة الخزف. وتجد نفسك فجأة في عالم لا تريد الخروج منه أبدا.

حينما تنتهي من زيارة جامع السليمية عليك أن تتجه نحو السوق المجاورة له، سوق أدرنة، لتتجول وتشتري بعضا من الهدايا الخاصة بالمدينة. مدينة أدرنه تشتمل على أهم نماذج العمارة العثمانية التي تمثل عهد الازدهار. فسكان أدرنه يتباهون بهذه الآثار الخالدة، باب الشرفات الثلاث، وكتابة الجامع العتيق، والسليمية. لقد تم تشييد الجامع العتيق من قبل السلطان محمد الأول، وهو أقدم أثر عثماني في أدرنه. فالآيات القرآنية المنقوشة على الجدران الداخلية تزيد المسجد بهاء وروعة. جامع الشرفات الثلاث مشهور ببابه الفريد وقبته الواسعة،ومآذنه المتعرجة. فهو آية من آيات الجمال والفن الإسلامي. واسم الجامع مأخوذ من مئذنته ذات الشرفات الثلاث حيث يصعد لكل منها من سلم مختلف. الأمر الذي نراه في جامع السليمية أيضا.

للجامع السليمية أربع مآذن، ولكل مئذنة ثلاث شرفات. تبدو المآذن الأربع من بعض الجهات كأنهن اثنان فقط. وثمة أسرار أخرى..

تقع أدرنة على ممر طرق تجارية مهمة. لذا تم إنشاء خانات وأسواق مسقوفة، بالإضافة إلى الجوامع والأوقاف والمدارس العلمية والدينية. يقع السوق المسقوف الشهير والذي يعتبر الشريان الاقتصادي للمدينة إلى جانب الجامع العتيق. ومن آثار المعماري سنان أيضا سوق علي باشا المؤلف من 133 حانوتا حيث تعجز الكلمات في التعبير عن الدهاء المعماري الفذ.

تشتهر أدرنه أيضا بمهرجان مصارعة قرقبينار الذي يقام كل عام بمشاركة مئات المصارعين من جميع أنحاء تركيا. وما يميز هذه المصارعة أن المصارع يلبس بنطالا مصنوعا من جلد الجاموس يمسى “كيسبت” ويترك أعلاه عاريا ثم يقوم بغسل جميع جسده بزيت الزيتون حتى تصبح كل نقطة منه منزلقة. وهكذا يتصارع الرجال لمدة ثلاثة أيام حيث يحصل الفائز بالمسابقات على حزام ذهبي. وإذا تمكن نفس البطل من الفوز ثلاث سنوات على التوالي صار الحزام ملكا له. ويتدفق الآلاف من شتى أنحاء تركيا لمشاهدة تلك المسابقات. أما الحديث عن منشأ هذا النوع من المصارعة فندعه إلى فرصة أخرى. فله قصة شيقة ترجع إلى بدايات الدولة العثمانية.

قبل مغادرة أدرنة لا بد أن نزور كلية بيازيد ولا سيما دار الشفاء التي كانت الأمراض العقلية تعالج فيها بالموسيقى وخرير الماء وروائح الأزهار حتى أواخر العهد العثماني. وأن نزور كذلك جامع مرادية، الأنموزج المثالي لفن الزخرفة العثمانية للقرن الخامس عشر، ونهري المريج وطونجه وما عليهما من جسور عثمانية. إذا صدف أن وقع طريقك إلى تركيا فتعال إلى أدرنه.. مدينة التراث العثماني.. مدينة السليمية. فأنا متأكد أنك لن تستطيع مغادرتها بسهولة. وعندما تلتفت إلى الوراء من نافذة السيارة سترى جامع السليمية يودعك بالابتسامة التي قابلك بها… وتبتعد عن هذه المدينة بذكريات لطيفة ولحظات ممتعة لن تنساها طوال حياتك.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.