يُقصَد بالثقافة التربوية للأُمّ الجوانبُ التربوية التي تكتسبها، وتشكّل تصوُّراتها ومفاهيمها لدورها التربوي تجاه الأبناء. وتتعدد جوانب هذه الثقافة، فمنها ما يتَّصل بالصحَّة وأساليب التغذية السليمة، وما يتَّصل بالتربية الروحية والخُلُقية أو الأساليب التربوية الصحيحة لتربية الأبناء، وغير ذلك مِمَّا يتَّصل بفنون الأمومة ومهاراتها.

ثقافة التغذية والصحَّة

تُعَدُّ ثقافة الغذاء والصحَّة أحد أهَمِّ جوانب الثقافة التربوية للأُمّ. ويكتسب هذا الجانبُ أهمِّيتَه، من أثره المباشر في الجانب الجسمي والصحي للأبناء، “وتمثل هذه الثقافة مكانة خاصة في جميع دول العالم الثالث التي تفتقر إلى البيئة الصِّحِّية السليمة، حيث تغلب الأُمِّيَّة والجهل على أسس الحياة الصِّحِّية والغذائية”(1).

من ثَم يصبح من الضروري رفع مستوى ثقافة الأُمّ في التغذية والصحَّة وإلمامها بعلوم التغذية “التي تهتمّ بعلاقات الغذاء بصِحَّة الإنسان أو المجتمع، وبالعمليات الحيوية التي بواسطتها يستعمل الإنسان الغذاء للمحافظة على حياته ونموِّه وحيويته والفاعليَّة الكاملة لأعضاء جسمه”(2).

يجب على الأُمّ معرفة المكونات الرئيسية للغذاء، والكميات المطلوبة لإحداث النموّ الطبيعي للأبناء في مراحل العمر المختلفة، والإلمام بالقواعد العامة للصِّحَّة والعادات الصِّحِّية التي تُسهِم في الوقاية من المرض، وكيفية التصرُّف السليم في حالة تعرُّض أحد الأبناء للمرض، “وعلى الأُمّ أن تُكسِب الأبناء الطريقة الصحيحة لتناوُل الطعام، والنظافة الشخصية والبيئية، وتكوين عادات النَّوم واليقظة”(3). ولا تستطيع الأُمّ أن تفعل هذا إذا لم تمتلك من الثقافة التربوية ما يؤهِّلها لهذا الدور. ومعرفة الأُمّ بالطاقة أو السعرات الحرارية اللازمة لكل فترة عمرية لها أهميتها، لأن كثيرًا من الأسر يُنفِق الكثير من دخلها على الغذاء، ومع ذلك يُصاب أفرادها بأمراض سوء التغذية، لعدم معرفة ربة المنزل بالشروط الواجب تَوافُرها في الغذاء الصحي، والتي تتمثَّل في “أن يحوي كل العناصر الغذائية الضرورية بكميات كافية، وأن يحوي كمية كافية من السوائل، وأن يكون سهل الهضم، وأن يكون خاليًا من الموادّ الضارة بالصحَّة، وأن يكون متنوِّعًا وفاتحًا للشهِيَّة ومقبولَ الشكل”(4). وتنتشر أمراض سوء التغذية بخاصة بين أطفال الدول النامية، ويعرَّف سوء التغذية بأنه “الحالة الناتجة عن كلٍّ مِن الإفراط والنقص في التغذية لمدة طويلة من الزمن، والنقص في التغذية ينجم عن الحالات الناتجة عن استهلاك غذاء لا يوفي باحتياجات الجسم لمدة طويلة من الزمن، ومن أهَمِّ مظاهرها الهزال والأنيميا والعمى الليلي”(5). وكثير من الآثار يترتَّب على سوء التغذية، الذي يُعَدُّ جهلُ المرأة بعلوم التغذية، السببَ الرئيس في انتشاره بين أفراد الأسرة والأطفال، خصوصًا أنه “من السنة الثالثة حتى السادسة، يؤثِّر سوء التغذية في نموّ الطفل بشكل واضح بحيث يبدو الطفل سليمًا، ولكن وزنه أقل من الوزن الطبيعي لمن هم في نفس سِنِّه، ويبدو جسمه غير متناسق فيكون الرأس كبيرًا بالنسبة إلى الجسم، والساقان نحيفتين، وحجم القفص الصدري صغيرًا بالنسبة إلى البطن”(6).
يجب أن تدرك الأُمّ أيضًا، الأضرارَ التي تسبِّبها الموادُّ الحافظة والألوان على صحة الأفراد، “هناك إضافات متعمدة لأغراض التصنيع والحفظ، مثل إضافة الموادّ الحافظة كالنترات والنيتريت إلى اللحوم ومنتجاتها، والموادّ المضادة للأكسدة إلى الزيوت والدهون لإطالة عمرها التسويقي. وعلى سبيل المثال: “إن استعمال النترات والنيتريت في اللحوم ومنتجاتها، قد يؤدِّي إلى تفاعل النيتريت مع بعض الأحماض الأمينية، ويَنتج عن ذلك مركب النيتروزامين الذي يسبِّب سرطان المعدة”(7). والألوان الصناعية التي تضاف إلى الغِذاء، بخاصة أغذية الأطفال، “تسبِّب حساسية أو تقلِّل قدرة الجسم على احتمال الغذاء”(8). وتتعدد الأخطار الناجمة عن استخدام محسِّنات الطعم واللون والموادّ الحافظة، مِمَّا يستدعي أن يكون لدى الأُمّ ثقافة بهذه الأخطار، كي تحمي أفراد أسرتها من الأمراض الناجمة عن هذه المأكولات.

رغم أهمية ثقافة الغذاء والصحَّة للأُمّ للقيام بدورها تجاه الأبناء، فإن هناك الكثير من العوامل التي تؤثر في هذا الدور مثل: المستوى التعليمي للأُمّ، ومستوى دَخْل الأسرة، والعادات المجتمعية المتعلقة بالغذاء.

الثقافة الدينية والخُلُقية

إلمام الأُمّ بالثقافة الدينية والتربية الخُلُقية له أهميته، فإن “تنمية القيم الخُلُقية والتوجهات الدينية بشكل معتدل بعيدًا عن التعصُّب، من أهم الجوانب التي يجب اتباعها في تربية الأبناء”(9). يرى البعض الدينَ “ظاهرة اجتماعية تدخل في علاقة تفاعلية مع الوحدات الاجتماعية الأخرى المكونة للمجتمع”(10)، وهذه الرؤية تؤكِّد الوجه الاجتماعي للدين، وهي رؤية صحيحة، لأن أيّ دين يدخل في تفاعلات مع عادات وتقاليد المجتمع، بخاصة في المناسبات الاجتماعية كالزفاف والوفاة وغيرها، ويدخل في تفاعلات مع قيم المجتمع ويؤثر فيها. لهذا فإن الدين يمثل “حاجة ضرورية للإنسان يتحقَّق بقضائها معرفته حقيقة مكانته في هذه الحياة، ورسالته ودوره الذي يجب أن يؤدِّيه مع أي إنسان آخر”(11)، كما أن للدين وظائف عديدة في المجتمع، “فالدين منذ القدم شامل للثقافة، وهو ذو وظيفة جوهرية للمجتمع الإنساني، وإن كان الأفراد يختلفون في ما بينهم في درجة تعلقهم بالدين”(12).

من هنا تأتي أهمية الدين، ومن ثم التربية الدينية والثقافة الدينية لدى الأُمّ، لتربِّي الأبناء تربية دينية صحيحة، ولا تتوقف عند تعليمهم تأدية العبادات فحسب.

التربية الدينية للأطفال من أهمِّ عوامل نجاحهم في حياتهم المستقبلية، وهي التي سوف تميزهم من غيرهم، بخاصة في وقت “بدأت فيه قوة الدين تضعف تدريجيًّا في أوروبا نتيجة ازدهار المادِّية ونمائها، الأمر الذي أطلق العنان للأنانية والحقد واستغلال النفوذ والكراهية”(13).

“وإن ما أصاب المجتمعات الغربية -من انتشار المخدِّرات والرذائل، وضَعْف الروابط الأسرية وشعور الفرد في تلك المجتمعات بالغربة والضياع، مِمَّا أدَّى إلى ارتفاع نسبة الانتحار- هو نتيجة لغياب الجانب الرُّوحِي والخُلُقي في التربية بهذه المجتمعات. وإن مصيرًا مثل هذا متوقَّع للمجتمعات الإسلامية إذا ما جرفها تيار استيراد الأفكار والنظريات الاجتماعية والتربوية، ومفاهيم الغرب ومضامينه تحت اسم العصرية والحداثة”(14). إن للتربية الخُلُقية أهميتها لأنها لا تنفصل عن الدين، وهي تميِّز المجتمع، حتى شبَّهَها دوركايم بالزِّيّ المميّز: “إن الأنظمة الخُلُقية للمجتمعات، من أكثر الأنظمة التي تميز المجتمع من غيره، لأنها بالنسبة إلى المجتمع تشبه السُّتْرة المميّزة”(15). إلا أن البعض يرى أن “التربية الخُلُقية مُهمَلة في البيت، ومُهمَلة في المدرسة، ومُهمَلة في المجتمع، في الوقت الذي يرى فيه المُرَبُّون والمُصلحون أن سعادة الأمم لا تتوقف على كثرة دَخْلها، ولا على قوة حصونها أو جمال مبانيها، ولكنها تتوقف على عدد المهذّبين من أبنائها”(16).

قد حدَثت تغييرات في المجتمع نتيجة عديد من العوامل التي أثرت في بنية المجتمع وقيمه الخُلُقية، ومن بين الظواهر المنافية للقيم الخُلُقية، ظاهرة الغِشّ التي لفتت أنظار بعضٍ من الباحثين، وترى نادية رضوان “أن بعض الأفراد يلجؤون إلى الغِشّ وسيلةً للحصول على أشياء معيَّنة دون ما يلزم من جهد، إذ يبغون الوصول إلى ما يريدون بأسهل الطرق وأقلِّها جهدًا. فالغش هو محاولة الحصول على شيء ما بوسائل غير مشروعة، وتبدأ العلامات الأُولَى لهذه الظاهرة السلبية التي يلجأ إليها الأطفال أحيانًا من تحايل على الآباء، كأن يدَّعِي الطفل أنه قد أنهى واجباته المدرسية حتى يُسمَح له باللعب أو مشاهدة التلفاز، أو أن يلجأ إلى الغِشِّ في الامتحانات مع علم الأسرة، التي قد تستخفّ بذلك الاتجاه بزَعْم أن بعض التلاميذ الأقلّ مستوى من طفلهم يحصلون على درجات أكثر عن طريق الغش”(17)، وهذا الأسلوب من الأسرة يُعَدُّ هدْمًا للقيم الخُلُقية.
بعض التصرُّفات الخاطئة من الأُمّ يؤثُّر في أخلاق الأبناء، ومنها:

أ- من التصرُّفات غير الخُلُقية التي تصدر من الأُمّ إنْ رنّ الهاتف وهي مُجهَدة أو لا تريد محادثة المتصلة بها، أن تطلب من أبنائها أن يقولوا إنها نائمة أو غير موجودة، وبهذا تعلِّم الأبناء الكذب، “والكذب من أقبح الظواهر في نظر الإسلام، وعلى المربِّين أن ينفِّروا أبناءهم منه وينهوهم عنه، ويكشفوا لهم مضارَّه وأخطاره”(18).

وعلى الأُمّ أن تعرف أن عدم تطابُق العمل مع السلوك يؤدِّي إلى فشل محاولاتها في التربية الخُلُقية، فالطفل يحتاج إلى قدوة يتأسى بها في القيم الخُلُقية، وليس في حاجة إلى الوعظ والنصح والإرشاد.

ب- لجوء الأُمّ إلى الثواب والعقاب لإحداث تربية خلقية؛ “إن الثواب والعقاب لا يكفيان وحدهما، فهناك قدر كبير لا يُكتسب عن هذا الطريق، بل عن طريق الملاحظة لسلوك الآخرين”(19). فالقدوة الحسنة هي طريق إحداث تربية خُلُقية.

ج- تسعى الأُمّ إلى إتاحة الفرصة لأبنائها -بخاصة البنات- للحديث عن أسرار الزملاء والأصدقاء، اعتقادًا منها أنها وسيلة لتوجيههم للابتعاد عن السيئ من هؤلاء الزملاء والأصدقاء، ولكن الحقيقة أنها تدفع بهم إلى عادة سيئة هي إفشاء السرّ؛ “وهو منهيّ عنه، لما فيه من الإيذاء والتهاوُن في حق المعارف والأصدقاء؛ قال النَّبيّ -صلّى الله عليه وسلم-: “إذا حدّث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة” (رواه الترمذي)، وقال: “الحديث بينكم أمانة”.

د- من الأساليب الخاطئة في التربية الخُلُقية التي تتبعها الأمهات مع الأطفال، التهديد والترهيب بالله، كأن تقول لطفلها: إن كذبتَ، يدخلك ربنا النار.. وفي هذه الفترة العمرية، يجب الابتعاد عن هذا الأسلوب لأن نتائجه عكسية، إذ سيرى الطفل في الله صورة تجعله لا يقترب من الله، بل يبتعد عنه.. والواجب أن نربط الطفل بخالقه عن طريق الوعد لا الوعيد.

يتضح مِمَّا سبق أن الثقافة الدينية والخُلُقية للأُمّ، لها ضرورتها في تربية الأبناء دينيًّا وخُلُقِيًّا، ومن ثَمَّ تصبح ضرورة لتثقيف المرأة تربويًّا، حتى تستطيع أداء دورها في تربية الأبناء.

مِمَّا سبق يتضح أن الثقافة التربوية للأُمّ لها ضرورتها من أجل تربية سوية للأبناء، تنعكس آثارها في المجتمع وتُسهُم في تقدمه.

(*) أستاذ مساعد أصول تربية / مصر.

الهوامش

(1) فاطمة علي جمعة، 2004، ص:19.

(2) مجدي محب الدين، 1999، ص:11.

(3) فاطمة علي جمعة، 2004، ص:21-22.

(4) منظمة الصحَّة العالمية، 2005، ص:81.

(5) مجدي محب الدين، 1999، ص:11.

(6) منظمة الصحَّة العالمية، 2005، ص:224.

(7) محمود محمد مصطفى، وشاكر شحاتة رزق، 2007، ص:15-16.

(8) محمود محمد مصطفى، وشاكر شحاتة رزق، 2007، ص:24.

(9) عبد اللطيف محمد خليفة، 1992، ص:168.

(10) محمد أحمد بيومي، 1997، ص:88.

(11) عبد الله الخريجي، د.ت، ص 37.

(12) Richard T. Schaefer andRobert P.Lamm, 1995, p:396

(13) مولاي محمد علي، د.ت، ص:12.

(14) أحمد مختار مكي، 2006، ص:29.

(15) Cuff. C & Others, 1994, p:33

(16) محمد عطية الأبراشي، 2003، ص:69-70.

(17) نادية رضوان، 1997، ص:73.

(18) مواهب عياد، وليلي الحضري، 1995، ص:68.

(19) محمد عماد الدين إسماعيل، 1986، ص:254.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

FACEBOOK
TWITTER
YOUTUBE