الملَكات الإنسانية وبناؤها

تمثل الملَكات الإنسانية ركيزة أساسية في صناعة الحضارة وتحريك عجلة العمران، وهي من أوضح الدلائل على ما خُصَّ به الإنسان من أهلية للاستخلاف في الأرض. فمن خلالها تتجسد طاقات العقل، وتتأصل المهارات في النفس، وتتحول الممارسات المتكررة إلى قدرات تُمكِّن صاحبها من أداء الأعمال المختلفة بعفوية وإتقان، بعيدًا عن العناء والتكلف. نرى هذا واضحًا فيما أنتجته الحضارات المتعاقبة من أعمال كُتِب لها البقاء، وحارت دونها العقول، لتكون خير شاهد على ما وصل إليه العقل الإنساني من توفيق وهداية. وإننا إذا نظرنا إلى واقع التربية في عالمنا المعاصر، نجد تركيزًا كبيرًا على نقل المعرفة وتكديس المعلومات، في مقابل ضعف واضح في بناء المَلَكات، ولا سيما مع انتشار الذكاء الاصطناعي وتطوراته في شتى مجالات الحياة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إحياء مفهوم عميق أصيل في تراثنا التربوي، وهو مفهوم “بناء الملَكات”.

الـملَكات في التصور الإسلامي

الملَكة في اللغة العربية مأخوذة من “مَلَكَ”، فيقال: فلان يملك نفسه عند الغضب، أي يقدر على منعها من السقوط فيه، وهذا دليل قوة وصحة بلا شك.

واصطلاحًا، هي صفة أو هيئة راسخة في النفس، تحصل بسبب فعل من الأفعال. وتسمّى “كيفية” أو “حالة” ما دامت سريعة الزوال، فإذا تكررت ومارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها وصارت بطيئة الزوال، فتصير مَلَكة.

وجاء في المعجم الوسيط أنها “صفة راسخة في النفس أو استعداد عقلي خاص لتناول أعمال معينة بحذق ومهارة، مثل الملكة العددية والملكة اللغوية”. وهذا المصطلح، وإن أُعيدت صياغته حديثًا بمصطلحات متعددة مثل “بناء العادات” أو “بناء الكفايات” أو غير ذلك، إلا أن جذوره العميقة تمتد في الفكر الإسلامي، وتتجلى بوضوح في المنهج النبوي في التربية.

ويُعد عبد الرحمن بن خلدون (ت 808هـ) من أوضح من صاغ مفهوم “المَلَكة” في الفكر الإسلامي، فقد أكثر من استعماله في مقدمته، ولا سيما في البابين الخامس والسادس. ويمكن تصنيفها عنده إلى مجموعتين:

المجموعة الأولى: تصف حالة المَلَكة وتغيراتها، فيصفها بالحاصلة أو التامة أو القاصرة أو الراسخة أو المنافية أو المطلوبة أو النافعة أو الناشئة ..إلخ.

المجموعة الثانية: تحيل على مجالات المَلَكة المتعددة، ومنها ملكة الصنائع والآداب، وملكة اللسان، وملكة علم من العلوم، وملكة التصرف.. والذي يظهر مما سبق، أن الملَكة تختص بثلاث خصائص:

الأولى: أنها صفة موجودة في النفس.

الثانية: أنها صفة راسخة تبدأ ضعيفة ثم تتقوى وتترسخ في النفس.

الثالثة: أنها قد تكون فطرية بالموهبة يُولد بها الإنسان، وقد تكون مكتسبة بالممارسة والدُّربة والتعليم. فالملكة تجمع بين الأمرين، فهي هِبة من الله تعالى تنمو وتزداد بالاكتساب. فقد رُوي عن الإمام مالك -رحمه الله- أنه قال: “ليس الفقه بكثرة المسائل، ولكن الفقه نور يؤتيه الله من يشاء من خلقه”. ولما وقعت عين الإمام مالك -رحمه الله- لأول مرة على الإمام الشافعي -رحمه الله- وهو في أوائل الطلب، قال له الإمام مالك: “إن الله عز وجل قد ألقى على قلبك نورًا فلا تُطفئه بالمعصية”.

التأصيل النبوي لبناء الـملَكات

الناظر في السنة النبوية يجدها قد جسّدت مفهوم “الملَكات” عمليًّا بأوضح صورة. فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما العلمُ بالتعلُّم، وإنما الحِلمُ بالتحلُّم” (أخرجه الدارقطني). وفي رواية من حديث معاوية رضي الله عنه: “والفقهُ بالتفقُّه”. وهذا نص تأسيسي في التربية، يقرر أن الصفات لا تُولد مكتملة، بل تُكتسب عبر الممارسة المتكررة حتى تتحول إلى ملَكات.

ولعل الحديث الشريف الذي ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أَحَبُّ الأعمال إلى الله تعالى أدْوَمها وإنْ قلَّ” (رواه البخاري)، يشير إلى هذا أيضًا، حيث يوضح أن القيمة التربوية ليست في كثرة العمل، بل في استمراره، لأن الاستمرار هو الذي يصنع الملكة الراسخة. ولم يكن هذا مجرد توجيه نظري، بل كان منهجًا عمليًّا. فالتربية النبوية تقوم دائمًا وأبدًا على الممارسة والاقتداء، لا على التلقين المجرد.

وإن من أهم الإشكالات في التربية المعاصرة، الخلط بين المعرفة والمهارة والملَكة. فالمعرفة، إدراك ذهني يمثل الجانب النظري. والمهارة، قدرة على الأداء تحتاج إلى تدريب وممارسة، وتمثل الجانب التطبيقي. وأما الملَكة فهي أعلى درجات المهارة، ترسّخت حتى أصبحت جزءًا من الشخصية. فقد يعرف الإنسان قيمة الصدق، لكنه لا يمارسه، وقد يمارسه أحيانًا، لكنه لا يتحول عنده إلى طبع ثابت. ولأجل هذا، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يكتفي بتعليم القيم، بل كان يصوغها في نفوس أصحابه حتى تتحول إلى ملَكات، فصارت الأخلاق طبعًا وسجية، ومنهج حياة لا ينفك عنهم بأي حال.

آليات بناء الـملَكات

يمكن -مما سبق- وضع آلية موجزة لبناء الملَكات تتمثل في خمسة أمور:

1- التكرار: كما سبق، فإن التكرار هو الأساس في بناء الملَكات، لكنه ليس تكرارًا آليًّا، بل تكرار موجه واعٍ مصحوب بالتصحيح. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر الكلمة ثلاثًا لتُفهم عنه، وهو أسلوب تربوي عميق. وتؤكد الدراسات الحديثة أن تكوين العادات يحتاج إلى زمن من الممارسة المنتظمة، حيث تشير الدراسات إلى أن متوسط تكوين العادة يبلغ نحو 66 يومًا.

2- القدوة: لا تُبنى الملَكات بالكلام فحسب، بل بالمشاهدة والقدوة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم النموذج العملي الذي تجسدت فيه القيم بشكل عملي. فهو صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة، فكان “خُلُقه القرآن” كما تقول السيدة عائشة رضي الله عنها. وهذا ما تؤكده نظرية التعلم الاجتماعي عند “ألبرت باندورا”، حيث يكتسب الإنسان السلوك من خلال الملاحظة، وقد أثبتت الدراسات أن التأثر بالنماذج السلوكية قد يتجاوز 70%.

3- البيئة: وقد أكد الإسلام على قضية أثر البيئة في التربية في مواضع كثيرة، ومنها ما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما مِن مَولودٍ إلا يولَدُ على الفِطرةِ، فأبَواه يُهَوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه أو يُمَجِّسانِه، كما تُنتَجُ البَهيمةُ بَهيمةً جَمعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها مِن جَدعاءَ؟” ثم يقول أبو هريرة: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ)(الروم:30). وهذا يضع مسؤولية كبرى على البيئة في تشكيل الملَكات، فالإنسان ليس كيانًا معزولاً، بل هو نتاج سياق اجتماعي وثقافي.

4- التدرج: من الأخطاء التربوية محاولة بناء الملَكات دفعة واحدة. وقد كان المنهج النبوي قائمًا على التدرج، وهو ما أشار إليه ابن خلدون حين انتقد الشدة في التعليم، لا سيما في أصاغر الولد، وعدّها مفسدة للملَكات؛ حيث عنون الفصل الأربعين من الباب السادس، في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم.

5- الممارسة: لا تتحول المعرفة إلى ملَكة إلا إذا مُورست. ولهذا كان التعليم النبوي قائمًا على التطبيق المباشر، كما في الصلاة والحج وسائر العبادات.

مراحل بناء الـملَكات

يمكن تقسيم المراحل التي يمر بها الإنسان في بناء الملَكات إلى ثلاث مراحل بحسب العمر، تبدأ بالتشكل وهي الطفولة، ثم التثبيت والتوجيه في الشباب، ثم الرسوخ والمراجعة في سن الرشد وما بعده، وفيما يلي عرض موجز لهذه المراحل:

أ- مرحلة التشكل (الطفولة): في هذه المرحلة يكون الطفل شديد القابلية لاكتساب الملَكات. وقد وجّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى تعويده على الصلاة منذ سن مبكرة، وهو تدريب تدريجي على بناء ملَكة الانضباط. يقول صلى الله عليه وسلم: “مُرُوا الصبيَّ بالصلاة إذا بلَغ سَبْعَ سِنين” (رواه أبو داود).

بـ- مرحلة التثبيت والتوجيه (الشباب): تتميز هذه المرحلة بطاقة عالية، ولذلك وجّه النبي صلى الله عليه وسلم الشباب إلى ضبط الشهوة وبناء المسؤولية، وهي ملَكات مركزية في تكوين الشخصية. يقول صلى الله عليه وسلم: “يا معشَر الشباب، مَن استطاع منكم الباءةَ فلْيتزوَّجْ، ومَن لم يستطعْ فعليه بالصَّوم، فإنه له وِجاءٌ” (رواه البخاري).

جـ- مرحلة الرسوخ والمراجعة (الرشد): في هذه المرحلة يكون التركيز على تثبيت الملَكات وتصحيح الانحرافات. يقول صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تَعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإنّ لو تفتح عمل الشيطان” (رواه البخاري). وهي دعوة لبناء القوة الشاملة التي تشمل الملَكات النفسية والسلوكية.

بيداغوجيا الـملَكات في الفكر التربوي الحديث

شهد الفكر التربوي المعاصر تحولاً من “التعليم” إلى “التكوين”، ومن نقل المعرفة إلى بناء الملَكات. ويرى باحثون مثل “محمد الدريج” و”جميل حمداوي”، أن الهدف من التربية هو بناء ملَكات ثلاث:

أولاً: ملَكات أساسية في الحياة، مثل ملَكة اللغة والتواصل، وملَكة الحساب والتعداد، والملَكات المعرفية والمنطقية، والملَكات العلمية والاجتماعية.

ثانيًا: ملَكات أكاديمية في التعليم، مثل ملَكات في علوم دنيوية، كالرياضيات والتاريخ والفلسفة والمنطق وغيرها، وملَكات في علوم شرعية، كالفقه والتفسير والحديث وغيرها.

ثالثًا: ملَكات مهنية في الصناعة، مثل الفلاحة والحدادة والنجارة والخياطة وغيرها. كما تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إلى أن التعليم القائم على الملَكات، يحقق فهمًا أعمق بنسبة تصل إلى 25% مقارنة بالتعليم التقليدي الذي يركز على الحفظ والتلقين.

هذا ويتضح من هذا العرض، أن بناء الملَكات هو جوهر العملية التربوية، وأنه يمثل الحلقة المفقودة في كثير من النظم التعليمية المعاصرة. وقد قدّم التراث الإسلامي، والسنة النبوية على وجه الخصوص، نموذجًا متكاملاً في هذا المجال، يقوم على التكرار والقدوة والبيئة والتدرج والممارسة. كما أكدت الدراسات الحديثة -بلغة الأرقام والتجارب- أن الإنسان يُبنى حقيقيًّا من خلال ما يكرره، لا من خلال ما يعرفه فحسب. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي في التربية، ليس في أن نتعلم ماذا نفكر، بل في أن نبني في أنفسنا كيف نعيش ونحيا، وكيف تتحول القيم والمعارف إلى طبائع وملَكات. فالمستقبل لا تصنعه العقول المليئة بالمعلومات وحدها، بل أيضًا النفوس الراسخة بالملَكات.

(*) كاتب وباحث مصري.