دور التوازن البيئي في استقرار الحياة على الأرض

التوازن في اللغة مأخوذ من مادة “وزن”، والوزن في جانبه المادي هو تساوي الكفتين بين الشيء الموزون وما يقابله من مقادير الوزن؛ فالمِلِّي وزن، والجرام وزن، والكيلو وزن.

أما البيئة في اللغة فهي مأخوذة من مادة “بوأ”، وهي كل ما يحيط بالإنسان من ماء، وهواء، وتربة، وطاقة، وحيوان، ونبات، وشمس، وقمر، ونجوم، وكواكب، يؤثر فيها وتتأثر به.

ولتحقيق التوازن البيئي، لا بد من بقاء الموجودات كما خلقها الله عز وجل، تؤدي مهمتها في حفظ هذا التوازن؛ فالماء ينبغي أن يبقى نظيفًا كما أنزله الله تعالى من السماء طهورًا، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾(الفرقان: 48). كما ينبغي أن يظل الهواء نقيًّا، والتربة صالحة للزراعة، بعيدًا عن الملوثات التي تفقدها خصوبتها وقدرتها على الإنبات، وأن يكون استخدام الطاقة قائمًا على الاقتصاد والترشيد، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(الأعراف: 31). وكذلك ينبغي المحافظة على الحيوان بعدم إبادته أو التسبب في انقراض أنواعه، وصون الطيور من القضاء عليها، والمحافظة على النباتات بعدم قطع الأشجار قطعًا جائرًا أو تحويل المساحات الخضراء إلى كتل خرسانية أو أراضٍ بور.

والتوازن البيئي عملية ديناميكية تمثل حالة من الاستقرار بين الكائنات الحية في تفاعلها مع بعضها بعضًا، دون خلل يعطلها عن أداء دورها في الدورة البيئية، خدمةً للإنسان، حتى يتمكن من أداء ما كلفه الله به من عبادته، وإعمار الأرض، وإصلاحها.

وقد أبرز القرآن الكريم جانبًا مهمًّا في حفظ التوازن البيئي، وصيانة الموارد الطبيعية والكائنات الحية على كوكب الأرض؛ فنبي الله نوح عليه السلام، عندما حمل من كل زوجين اثنين، كان ذلك خشية أن يقضي الطوفان على الحيوانات، فتفنى أنواعها، فأمره الله سبحانه بصيانة البيئة من هذا الفناء، بأن يحمل منها أزواجًا تكون بذورًا تتكاثر وتنمو بعد الطوفان، فتعود للبيئة توازنها، قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾(الأعراف: 31).

وفي ذلك تعليم إلهي لبني آدم أن يحافظوا على بيئتهم من كل ضرر، وأن يصونوا مواردها التي تمثل مقومات حياتهم، وأن يتعاملوا معها بالقدر الذي يحتاجون إليه، دون إسراف أو تبذير، حتى يتحقق الانسجام بين الإنسان وبيئته.

وللأسف، يتعامل بعض الناس مع بعض الحيوانات والكائنات الحية بنفور، فيظنون أن قتلها أمر طبيعي؛ لأنها قد تؤذي في بعض الأحيان، أو لأنهم يعتقدون أن فائدتها محدودة مقارنة بأضرارها، فيتسلطون عليها بالقتل والإفناء، دون إدراك لأهميتها في حفظ التوازن البيئي.

ومن هذه الحيوانات الكلاب، فقد نهى النبي ﷺ عن قتلها؛ لأنها أمة من الأمم، أي نوع من الأنواع المكونة للبيئة، ولها دور بيئي تؤديه. ولو أُبيدت واختفت من البيئات، لأدى ذلك إلى خلل في التوازن البيئي، يترتب عليه أضرار تمس الحياة الإنسانية على كوكب الأرض. ففي الحديث عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم» (سنن أبي داود).

وعندما كان النبي ﷺ في منى، خرجت حية، فأسرع الصحابة إلى قتلها، لكنها استطاعت أن تنسل بين الصخور هاربة منهم. ففي الحديث عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في غار، وقد أُنزلت عليه سورة ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، ونحن نتلقاها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية، فقال: «اقتلوها»، فابتدرناها لنقتلها، فسبقتنا، فقال رسول الله ﷺ: «وقاها الله شركم، كما وقاكم شرها» (صحيح مسلم).

وفي هذا الحديث يلفت الرسول الكريم ﷺ أنظارنا إلى أهمية وجود هذه الكائنات، وإن كانت تنفر منها النفوس، فهي لم تُخلق عبثًا، وإنما خُلقت لأداء دورها في حفظ التوازن البيئي، الذي يحفظ للإنسان بقاءه واستقرار حياته على الأرض، وأن الاعتداء على الكائنات الحية، الموجودة بقدر وحساب دقيق، يؤدي إلى الإضرار بالإنسان وبالتوازن البيئي معًا.

ومن أجل ذلك جاءت فكرة المحميات البيئية، وقد أشار إليها القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾(المائدة: 95).

وفي هذا النهي عن قتل الصيد للمحرم، مع أن الصيد مباح في غير الإحرام، إشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتسلط على الكائنات الحية بالإبادة لأي سبب، لأنها تؤدي دورًا أساسيًّا في حفظ التوازن البيئي، وأن القضاء على الأنواع وإحداث الانقراض يضر بالتوازن البيئي، ويهدد استمرار الحياة الإنسانية على كوكب الأرض.

ومن أجل المحافظة على هذا التوازن أيضًا، جاء النهي عن الإبادة الجماعية لفصائل النباتات والأشجار، لما تؤديه من دور في تنقية الهواء من الملوثات، وكونها تمثل مرشحًا طبيعيًّا آمنًا للغازات والأتربة العالقة في الجو، فضلاً عن كونها مصدرًا مهمًّا لغذاء الحيوانات في أوقات الجدب.

ففي الحديث عن عبد الله بن حبشي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قطع سدرة صوَّب الله رأسه في النار» (سنن أبي داود).

وفي السياق نفسه، يعترض وزير البيئة البرازيلي على القطع الجائر لغابات الأمازون، فيقول: “عندما تُباد تلك النباتات التي تُستنزف، يؤول الكثير منها إلى أكوام من الأوراق تشبه الجبال، ولا تحمل إلا ضروبًا من توافه الصور والكتابات الترفيهية، ويذهب جزء منها في صناعة سلال لوضع القمامة، وضروب من الأثاث الرخيص”.

والاستنزاف الذي تتعرض له الكائنات الحيوانية لا يقل عن ذلك الذي تتعرض له الكائنات النباتية، بل هو أشد، سواء فيما يتعلق بالمخزون البروتيني أو الحيواني، الذي يتعرض لتقلص كبير نتيجة إهماله والاستعاضة عنه بالبروتين النباتي، الأسهل إنتاجًا والأقل تكلفة. ومن جهة أخرى، تحولت كثير من المزارع المنتجة للألبان إلى وحدات سكنية وكتل خرسانية، كما أن ارتفاع تكلفة تربية الماشية جعل كثيرًا من الناس يعزفون عن تربيتها، معتمدين على شراء السلع الغذائية، ولو بأسعار مرتفعة، لتلبية احتياجاتهم من البروتين الحيواني. ويمثل ذلك ضررًا بالتوازن البيئي من ناحيتين: الأولى، انخفاض المخزون الاستراتيجي من البروتين الحيواني، والثانية، ندرة أعداد الحيوانات التي تتغذى على بقايا الطعام، مما يترتب عليه تزايد المخلفات العضوية التي تسبب أمراضًا وملوثات تضر بالجهاز التنفسي للإنسان.

وقد نتج عن هذا الاختلال في التوازن البيئي ظاهرة الاحتباس الحراري، وتهتك طبقة الأوزون التي تمثل درعًا واقيًا ومناعة بيئية؛ فالقطع الجائر للأشجار، والتعدي على البيئة، يؤديان بالضرورة إلى انخفاض كمية امتصاص ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الصناعات والغازات المنتشرة، مما أحدث خللاً في التوازن البيئي، فلم يعد هذا الغلاف، بما له من سمك وكثافة، قادرًا على تحمل هذه الكميات الهائلة من الملوثات والغازات السامة، وهو ما أدَّى إلى ظهور ثقوب في طبقة الأوزون.

وعلى الرغم من أن الأوزون غاز سام في ذاته، بحيث لو تسرب إلى سطح الأرض لأضر بالحياة عليها، فإن الله تعالى جعله لحماية كوكب الأرض من الأشعة فوق البنفسجية الضارة، التي لو اخترقت طبقة الأوزون لألحقت أضرارًا بالغة بالكائنات الحية. وقد أدى التهتك الذي أصاب طبقة الأوزون إلى تمكين الأشعة فوق البنفسجية من اختراق الغلاف الجوي عبر ثقوب ظهرت في مناطق متفرقة من العالم، كما هو الحال في المنطقة القطبية الجنوبية، وتنذر الأوضاع بظهور ثقوب أخرى إذا استمر الإنسان يفكر في رفاهيته، دون أن يفكر، ولو للحظة، في الحفاظ على بيئته.

وتُعد طبقة الستراتوسفير إحدى طبقات الغلاف الجوي، وتعرف بطبقة الأوزونوسفير؛ لأنها غنية بغاز الأوزون، ويبلغ سمكها نحو أربعين كيلومترًا، وتمثل وجود طبقة الأوزون عاملاً أساسيًّا لاستمرار الحياة على كوكب الأرض؛ إذ تشكل حزامًا واقيًا ودرعًا حاميًا من الأشعة فوق البنفسجية، كما أن الأوزون الموجود في الغلاف الجوي يكون في حالة توازن ديناميكي، إذ يتعرض لعمليتي البناء والهدم بصورة متوازنة ومتساوية في المقدار، بما يضمن استقرار الحياة على الأرض.

ونتج عن الاحتباس الحراري أيضًا أن بعض الكائنات الحية لم تعد قادرة على التكيف مع الظروف البيئية الجديدة، مما يؤدي إلى فقدانها القدرة على البقاء، ويترتب على ذلك خلل في التوازن البيئي يمثل تهديدًا لحياة الإنسان على كوكب الأرض.

وبناءً على ارتفاع درجات الحرارة، سينتج عن ذلك دمار بيئي تنبأ علماء البيئة ببعض مظاهره، في حين لا يزال كثير منها مجهولاً حتى يفاجئ البشرية بآثار مدمرة؛ إذ إن الجبال الجليدية في القطبين ستذوب بفعل ارتفاع درجات الحرارة، مما يؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه المحيطات، وغمر أجزاء واسعة من اليابسة، وهذا الخلل في التوازن البيئي ستكون له آثار مدمرة على الحضارة الحديثة، لا يمكن تصور حجمها.

ومن ثم، ينبغي الحفاظ على الموارد كما خلقها الله عز وجل، وعدم التعدي عليها أو الإسراف في استخدامها؛ حفاظًا على التوازن البيئي، واستمرار الدورة البيئية في أداء وظائفها، من تنقية الهواء، والمحافظة على التربة، وحماية المياه من التلوث، وضمان تكاثر الكائنات الحية بالقدر الذي يحقق استقرار الحياة على الأرض، ويضمن استمرار وجود الإنسان عليها.

وعلى هذا، فإذا كانت هناك مادة للتربية الدينية تُدرَّس في المدارس والجامعات، فلا مانع من تدريس مادة التربية البيئية، لتعريف الطالب بواجبه نحو بيئته الكبرى التي يعيش فيها، والتي تقوم عليها مقومات حياته، والتي لا بديل له عنها؛ إذ ليس للإنسان سوى هذا الكوكب الذي يعيش عليه، ويسكن فيه، ويجد فيه طعامه، وشرابه، ودواءه، وكساءه. ومن ثم أصبح الحفاظ عليه مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع سكانه، حتى يظل بمنأى عن أي خلل في دورته البيئية التي تكفل بقاء الإنسان وراحته على الأرض.

وقد بين النبي ﷺ هذا المقصد، وأكد هذه المسؤولية، ففي الحديث الشريف قال ﷺ: “مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا” (صحيح البخاري).

فأي خلل يصيب الدورة البيئية يمثل خرقًا في النظام البيئي، والضرر الناتج عن هذا الخرق يُعد تهديدًا لجميع سكان كوكب الأرض؛ فالتوازن البيئي مسؤولية مشتركة يتحملها كل من يعيش على هذا الكوكب، فالذي يسكن في شمال الكرة الأرضية، كالذي يسكن في جنوبها، والذي يسكن في شرقها، كالذي يسكن في غربها.

المراجع:

– البيئة: مشاكلها وقضاياها، محمد عبد القادر الفقي، مكتبة ابن سينا، القاهرة، 1993م ، ص166.

– البيئة في الإسلام، تراث ومعاصرة، سيد عاشور أحمد، الطبعة الأولى 1431/2010. ص197.

– البيئة: مشاكلها وقضاياها، محمد عبد القادر الفقي، مكتبة ابن سينا، القاهرة، 1993م ، ص166.

– البيئة في الإسلام، تراث ومعاصرة، سيد عاشور أحمد، الطبعة الأولى 1431/2010. ص197.