مشاهد تمثيلية من عالم الحيوان

يزخر عالم الحيوان بالكثير من العجائب والطرائف التي تستوقف علماء السلوك الحيواني. ومن أطرف الدراسات في هذا المجال دراسة غريزة التمثيل لدى الحيوانات، حيث خلص علماء السلوك الحيواني إلى أن بعض الحيوانات تستخدم أساليب تشبه تلك التي يستخدمها الممثلون من البشر على شاشات السينما وخشبة المسرح. فقد تبين أن الحيوانات والبشر يستخدمون الألوان الزاهية أو الحركات المباغتة بهدف لفت الانتباه إليهم، غير أن الفرق يكمن في أن الإنسان يختار تغيير طريقة تصرفه بإرادته، في حين يحدث ذلك في عالم الحيوان بصورة تلقائية تعتمد بدرجة أكبر على الحدس، كما أن طريقة تصرفها تختلف باختلاف من يراقبها.

والآن، هيا بنا لمشاهدة هذه الصور التمثيلية، مع عدم نسيان أن أبطالها ينتمون إلى عالم غير عالم البشر، وهو عالم الحيوان.

مشاهد أكشن من عالم الحيوان

على غرار مشاهد الأكشن التي نراها على شاشات السينما، يقابلنا أبطال ونجوم أكشن من عالم الحيوان، يقومون بمطاردات ومعارك تمثيلية لا تخلو من الإثارة والإبهار.

ومن أشهر هذه المشاهد ما نراه في مطاردات القطط، وهي تتربص بعضها ببعض، وتهاجم خلسة أو تتغالب فيما بينها، وقد تأهبت جميعها لفكرة القتال؛ فينتفش الذيل، ويقف الشعر، وتكشف عن أنيابها، ثم تلتحم في قتال ضارٍ، تضاربًا بالمخالب وعضًّا من كل جانب. والمثير للعجب أن كل ذلك يتم بطريقة تمثيلية بارعة، دون إيقاع أذى حقيقي أو إصابات بالغة.

وكذلك المعركة الحامية الوطيس التي تجري بين تيسين يتناطحان على سبيل الشغب والمرح، فنراقب اشتباكهما ونسمع صوت الصدمة العنيفة بين قرنيهما، الذي يشبه قرع الناقوس إيذانًا بالخطر. غير أن الأمر المثير في هذا المشهد أنهما يتباعدان بعد ذلك دون أن يجرح أحدهما الآخر، ثم يعودان إلى ما كان بينهما من المناوشات المرحة، وكأنها مبارزة بين لاعبين بالسيف، لا يريد أحدهما قتل صاحبه، وإنما يقصدان تمضية الوقت واللهو.

ونستمر مع هذه الصور التمثيلية لنرى هذه المرة مشاهد أكشن تقوم على التخويف والاصطناع والافتعال، دون إلحاق أي أذى بالخصم؛ كمشهد الأفاعي السامة وهي تتصارع فيما بينها دون أن تستخدم أنيابها، أو القردة التي تهز أغصان الأشجار وهي تصرخ وتحرك أيديها في مشاهد تمثيلية هدفها التخويف دون الدخول في قتال فعلي.

كما تؤدي بعض السحالي عروضًا تهديدية، فتنفخ الطية الجلدية الموجودة في عنقها لتبدو أكبر حجمًا وأكثر خطورة. وكذلك الصراع التمثيلي الذي يجري بين مجموعات من النمل، والذي لا أثر فيه للتجريح أو لإفراز السم، فكل هذه الأنماط تمثل نوعًا من الاقتتال التمثيلي الذي يعود بفوائد على المنتصر كما على الخاسر، ويذكرنا في الوقت نفسه بمشاهد الأكشن التي نراها على شاشات السينما.

كوميديا القط والفأر

لا يقتصر عالم التمثيل عند الحيوان على تقديم مشاهد الأكشن، بل نجد عروضًا كوميدية تأخذنا إلى عالم المرح، وتُظهر بوضوح تنوع غريزة التمثيل لدى بعض الحيوانات.

ومن أشهر هذه العروض الكوميدية ذلك المشهد الطريف للفأر وهو في قبضة الهرة؛ إذ تدعه يفلت من يدها، ثم تنقض عليه في طرفة عين، ثم تدعه يفلت ثانية، وهكذا.

غير أن أكثر ما يبعث على الابتسام أن الفأر، في المرة الثانية التي تطلقه فيها الهرة، يبقى في موضعه كالجثة الهامدة، ممتنعًا عن الحركة والتنفس، مؤديًا ببراعة دور الميت.

وفي المقابل، تؤدي الهرة دورها هي الأخرى، فتتظاهر بالإعراض عن الفأر المتماوت، وتجثو على مسافة منه، منشغلة بتنظيف شعرها بلسانها وتمشيطه، وهي تتلفت يمنة ويسرة في تظاهر واضح بعدم الاكتراث.

وحين يطمئن الفأر إلى هذه الغفلة المصطنعة، ينتهز الفرصة فيقفز هاربًا، فتندفع الهرة نحوه بسرعة خاطفة، إذ كانت ترقبه طوال الوقت رغم تظاهرها بالتغافل.

لقد كان كل منهما ممثلاً بارعًا في مشهد كوميدي لطيف يبعث على الابتسام.

استعراضات راقصة

أما العروض الراقصة، فهي كثيرة ومتنوعة في عالم الحيوان، حتى إنها تذكرنا بالاستعراضات التي يقدمها كبار فناني الرقص.

فهناك من الحشرات من يؤدي رقصات تشبه “الجيرك”، ومنها ما يؤدي “الرومبا”، ومنها ما يحاكي “الروك آند رول”. كما توجد طيور تؤدي حركات أقرب إلى رقص الباليه.

وفي اليابان يوجد نوع من الفئران يعرف بـ”فأر راقص الفالس”، إذ يجري دائمًا في دوائر متبخترًا بطريقة دقيقة ورشيقة.

وهناك أيضًا نوع من النمل يعرف باسم “نمل الأكروبات”، واسمه العلمي كريماتوجاستر (Crematogaster)، لا يكاد يُرى إلا وهو يؤدي حركات أكروباتية عجيبة، إذ يرفع بطنه فوق رأسه بطريقة لافتة.

ولا ننسى كذلك عروض الدلافين التمثيلية الرائعة، التي تقوم على أداء فني متميز، حتى أصبحت عروضها البهلوانية من أمتع العروض في عالم الحيوان.

وهيا بنا الآن لمشاهدة هذا الاستعراض الراقص الذي تؤديه مجموعة من الطيور، والذي يذكرنا بأضخم العروض الاستعراضية في الأفلام الفنية.

ويصف هذا العرض عالم الطبيعة وليم هنري هدسن في كتابه The Naturalist in La Plata بقوله: “من أنواع الرقص عند الإنسان ما ينفرد به راقص واحد، بينما يقف بقية الجماعة يشاهدون أداءه، ثم يتناوب غيره الرقص بعده، كل واحد بدوره. وهذا بعينه يُشاهد عند أنواع متعددة من الطيور.

ومن أعجب الأمثلة على ذلك طيور تعرف باسم “ديكة الصخور”، تعيش في المناطق الاستوائية بأمريكا الجنوبية. ويختار الطير لذلك العرض بقعة مستوية من الأرض يكسوها الطحلب، وتحيط بها الأشجار الكثيفة، ثم يظل ينظفها بعناية حتى تصبح ملساء خالية من الحصى.

وحول هذه البقعة تتجمع الطيور في حلقة، ثم يتقدم أحد الديكة إلى وسطها، وقد بدا ريشه وإكليله يتألقان بلونهما البرتقالي الزاهي، ناشرًا جناحيه وذيله، ليبدأ أداء حركات تشبه رقصة “المنويت”.

ثم يستولي عليه النشاط والطرب، فيقفز ويدور بحركات مدهشة تكاد لا تُصدق، حتى إذا نال منه التعب، تنحى جانبًا، ليحل محله راقص آخر، وهكذا يتوالى الأداء، حتى يخيل إلينا أننا نشاهد عرضًا راقصًا على خشبة مسرح في أحد الأفلام الاستعراضية”.

دراما الموت

تلجأ بعض الحيوانات إلى تمثيل أدوار الموت بإتقان وبراعة شديدين، وهو أحد الأساليب الخداعية للدفاع عن النفس وتفادي المخاطر؛ إذ تقبع هذه الحيوانات ساكنةً عند سماعها أيَّ صوتٍ ينمُّ عن الخطر، فيصعب اكتشافها، فتظل بلا حراك مدةً قد تقارب الساعة في هذا المشهد التمثيلي التراجيدي.

ومن أشهر هذه الحيوانات التي تتقن تمثيل أدوار الموت حيوان الإبوسوم، إذ يتظاهر بالموت عند استشعار الخطر، فيستلقي مسترخيًا على جانبه، مغمضًا عينيه، ومدليًا لسانه، دون أن يقوم بأي حركة. ويُعد الإبوسوم الأشهر في هذه الحيلة الذكية؛ إذ يخرج من فمه لعابًا، إلى جانب سائل مخضر تفرزه غدة تقع بالقرب من فتحة الإخراج، ذي رائحة كريهة، تنفر منه الحيوانات المفترسة.

وكذلك يفعل الثعلب؛ إذ يمثل دور الموت ليتمكن من صيد فرائسه، أو لخداع الصيادين عند الإحساس بالخطر.

ومن المشاهد التراجيدية الطريفة في التظاهر بالموت، ما يقوم به عنكبوت «الشباك الحاضنة»؛ إذ يقدم للأنثى هدية عبارة عن حشرة اصطادها بشباكه، فإذا التهمتها الأنثى، علم الذكر أنها علامة قبول للتزاوج، أما إذا رفضت التهامها، لجأ إلى هذا المشهد التمثيلي، متظاهرًا بالموت؛ خوفًا من انقضاض الأنثى عليه والتهمه.

أوبرا القرود

من المعروف أن فن الأوبرا من أرقى أنواع الفنون التمثيلية. ومن المشاهد التي تنم عن وجود هذا الفن في عالم الحيوان، ما رصده العالم الألماني كارل جروس عن وجود بذور هذا الفن لدى القردة المعروفة باسم «الجيبون».

ففي فصل الصيف، ومع بدء سطوع أشعة الشمس الأولى، تغادر هذه القردة الأشجار الوارفة التي باتت في كنفها، وبعد أن تتناول ما يسد رمقها، تغتنم ما يتبقى لها من وقت فراغ قبل اشتداد حر الظهيرة. ولما كان هذا النوع من القردة دائم الاحتفاظ بالرزانة والجد، فإن تسليته بعيدة عن العبث الذي نشاهده في لهو سائر القردة.

فنرى أفواج الجيبون تتوافد إلى دوحة عظيمة في الغابة، كثيرة الفروع، حيث يستأثر كبير القردة بأحد الفروع الضخمة الممتدة، بينما تتحلق بقية القردة حوله. وهناك يبدأ العرض الأوبرالي؛ إذ يردد كبير القردة أصواتًا هادئة قصيرة، كأنه يختبر حالة رئتيه، وهذه الأصوات ناتجة عن حركة متتابعة من الشهيق والزفير وفق نسق متعمد.

ثم لا تلبث هذه الأصوات أن تزداد عمقًا وسرعةً مع ازدياد انفعال صاحبها واهتياجه، حتى إذا بلغ الأمر ذروته، أصبحت حركة الصوت أشبه بهدير الموج. وعندئذ تشترك جميع هذه القردة، ذكورًا وإناثًا، في إصدار الأصوات مدة تقارب ربع دقيقة، فيتردد صدى صوتها الجماعي الجهير، ممزقًا في تلك اللحظة الخاطفة سكون الغابة.

ثم تلوذ المجموعة بالصمت، ويعاود كبير الفرقة نشيده الانفرادي. ويقرر في النهاية العلامة جروس أن أصوات هذه الفرقة من القردة حادة، ولكنها موسيقية، وأنها في ارتفاعها وانخفاضها صحيحة المقامات، وهي بالجملة مما يمكن العازف محاكاته على الكمان.

إنه عالم عجيب، فيه من الدلالات والأسرار والجمال الشيء الكثير، لكل متفكر متدبر في خلق الله عز وجل.


المصادر:

(1) الحب والفن عند الحيوان، د. كمال شرقاوي، سلسلة «اقرأ»، دار المعارف، مصر.

(2) حيوانات تمثل كما يمثل الإنسان، عبدالرحمن صدقي، مجلة الهلال المصرية، عدد يناير 1960م.

(3) سلوك الحيوان، أحمد محمد غندور، مجلة الفيصل، المملكة العربية السعودية، العدد (24).

(4) الحيوانات تستخدم استراتيجية البشر في التمثيل، الباحثة الألمانية سيلكا، جريدة الرأي، العدد الصادر بتاريخ 6 مارس 2009م.

(5) أخلاقيات القتال في عالم الحيوان، د. محمد المخزنجي، مجلة الإنساني، العدد (66)، خريف/شتاء 2019م.

(6) موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية.