من أجل أن ينشأ الطفل نشأةً صحيحة، سليمَ العقل قويَّ البدن، نافعًا لنفسه ولوطنه، ينبغي أن يُعرَف حقُّه على والديه ومجتمعه في كل ما يُفضي إلى المحافظة على جسمه قويًّا معافًى؛ وذلك من خلال برامج التوعية والتثقيف، وتزويده بالمعلومات والخبرات الصحية التي يسير عليها في بيته ومدرسته، فيتعرّف على النظافة الشخصية في تقليم أظافره، والاستحمام اليومي صباحًا ومساءً، والتطيّب، ونظافة ملابسه، وتعليمه المحافظة على نظافة غرفته بشكل يجعله يشعر بالراحة والانسجام أثناء تحصيل دروسه اليومية.
والعناية بنظافة الطفل من أهم ما يساعد على حفظ صحته من الأمراض وتقوية جسمه، فقد قيل: “الجسم السليم في العقل السليم”. ونظافة الطفل وقايةٌ له من الأمراض التي قد تصيبه سُنّة متبعة، فقد رُوي عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرني رسول الله مرة أن أغسل وجه أسامة بن زيد يومًا وهو صبي، وقالت: “وما ولدتُ، ولا أعرف كيف يُغسل وجه الصبيان”، قالت: فأخذه فغسله غسلاً ليس بذاك، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسله، وقال له: “لو كنتِ جاريةً لحلّيتك، وأعطيتك وكسوتك”.
والمحافظة على نظافة الجسم مما علق به من الأتربة والغبار والعرق يجعل الطفل هادئ النفس، سعيدًا مسرورًا. وقد أوجب الإسلام إزالة ما علق بالفم والأسنان من بقايا الطعام حفاظًا على صحة الفم؛ فبعد تناول الطفل وجبته الغذائية يجب أن يتجه إلى غسل فمه كأنه يتوضأ، ويغسل فمه وأسنانَه؛ فإن أكثر الأمراض التي تصيب الطفل تكون عن طريق الفم، وعدم المحافظة على نظافة الأسنان. وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تسوّكوا؛ فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب” (رواه ابن ماجة).
وعلى المربي أن يوفّر للطفل ما يجعله نظيفًا في هيئته ومظهره؛ كأن يقرأ عليه القصص والروايات التي تحثه على النظافة، والألوان والصور التي تشرح أجزاء الجسم والتي يجب تنظيفها على الدوام والاستمرار؛ لأجل إزالة الأوساخ العالقة به. ففي الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملآن – أو تملأ – ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها” (أخرجه البخاري).
ومما هو جدير بالذكر في هذا المقام أنه يجب على المربي أن يدفع بالطفل إلى ممارسة الرياضة بعد تناول الطعام، وفي أوقات محددة في يومه؛ لأنه كما هو مطلوب منه ممارسة الرياضة، مطلوب منه استذكار دروسه. يقول ابن سينا: “إذا انتبه الطفل من نومه؛ فالأحرى أن يستحم، ثم يُخلّى بينه وبين اللعب ساعة، ثم يُطعم شيئًا يسيرًا، ثم يُطلق له اللعب الأطول، ثم يستحم، ثم يُغذّى”.
وفي استحمام الطفل يوميًّا وبصفة دورية دفعٌ له إلى النشاط والحيوية؛ مما ينعكس إيجابًا على قوة تركيزه وسرعة تحصيله لدروسه. ولأهمية الرياضة لصحة الطفل يقول ابن القيم: “إن الحركة الرياضية للجسم تخلّص الجسم من رواسب وفضلات بشكل طبيعي، وتعود البدن الخفة والنشاط، وتجعله قابلًا للغذاء، وتحميه من تصلّب المفاصل، وتقوّي الأوتار والرباطات، وتؤمّن الجسم من جميع الأمراض الجسدية وأكثر الأمراض المزاجية”.
وكما حرصت الشريعة الإسلامية على صحة الطفل جسديًّا ليبقى معافًى في بدنه وعقله، حرصت كذلك على صحته النفسية؛ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ترك الأطفال يسيرون في الأماكن الموحشة والأوقات المتأخرة من الليل. ففي الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهبت ساعة من الليل فخلوهم، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله؛ فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا” (أخرجه البخاري).
وفي رواية: “خمّروا الآنية، وأوكوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، واحبسوا صبيانكم عند العشاء؛ فإن للجن انتشارًا وخطفة، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد؛ فإن الفويسقة ربما اجترّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت” (أخرجه البخاري).
إن انتشار دوابّ الأرض من الحيات والهوام يكثر في أول الليل، ويؤيد ذلك ما رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أقلّوا الخروج بعد هدأة الرجل، فإن لله دوابّ في الأرض في تلك الساعة” (رواه أبو داود).
وهذه الدواب تتراءى للعين في هذا الوقت، حيث يختلط النور بالظلام، فلا تتمكن العين من الرؤية الدقيقة للأشخاص، فيختلط الأمر على الناظر؛ فيقع في قلبه ما يدفعه إلى الخوف، في وقت أدعى للخوف حيث الظلام؛ فيظن الأطفال والنساء أنها شياطين أو غيلان فيخافون منها.
ومما يدفع بسلامة الطفل جسديًّا ونفسيًّا قبل سن التمييز وبعده، تعليمه المداومة على الصلاة؛ لما فيها من الاغتسال والوضوء خمس مرات في اليوم والليلة، ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: “لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات، أيبقى من درنه شيء؟” قالوا: لا، لا يبقى من درنه شيء. قال: “فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا” (أخرجه البخاري).
وقد يتعرض الطفل للحسد؛ فيصاب بتعب جسدي لا يُعرف سببه، فقد يكون ذلك راجعًا إلى حسد حاسد. فعلى الوالدين في هذه الحالة أن يرقيا طفلهما، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرقي الحسن والحسين، ومما جاء في هذا الأمر من الرقى المشروعة الإكثار من قراءة المعوذتين، وسورة الفاتحة، وآية الكرسي، وما أُثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند الرقية: “أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة” (أخرجه البخاري).
وقد صح أن سيدنا جبريل عليه السلام رقى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فقال: “باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك”.
وورد في الصحيحين حكاية رقية الرجل سيد الحي الذي رقاه المسلمون بفاتحة الكتاب، وذلك عندما كانوا في سفر، فمروا بحيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فقالوا لهم: هل فيكم من راقٍ؟ إن سيد الحي لديغ أو مصاب. فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شيء من الماء أو الغنم، فبرأ بإذن الله، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: أخذتَ على كتاب الله أجرًا. حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله”. ثم قرأ عليه الفاتحة فبرأ الرجل، فأُعطي قطيعًا من الغنم..” (أخرجه مسلم).
ونفس الراقي تتأثر بنفس المرقى؛ فيقع بينهما تأثير وتأثر، وفعل وانفعال. يقول عطية صقر: “جعل الله سبحانه وتعالى لكل داء دواء، ولكل شيء ضدًّا، ونفس الراقي تفعل في نفس المرقى فيقع بين نفسيهما فعل وانفعال، كما يقع بين الداء والدواء في جانبه المادي، فتقوى نفس الراقي وقوته بالرقية على ذلك الداء، فيدفعه بإذن الله، ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال”.
وعلى ما تقضي به الشريعة الإسلامية في حرصها على سلامة الطفل جسديًّا وعقليًّا، فقد نصّت المادة السابعة عشرة من إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام على الآتي: “لكل إنسان الحق في أن يعيش في بيئة نظيفة من المفاسد والأوبئة الأخلاقية، تمكّن ذاته معنويًّا، وعلى المجتمع والدولة أن يوفر له هذا الحق، ولكل إنسان في مجتمعه ودولته حق الرعاية الصحية والاجتماعية، بتهيئة جميع المرافق العامة التي يحتاج إليها في حدود الإمكانات المتاحة”.
ومن خلال ما سبق يتبين أن الشريعة الإسلامية تحرص كل الحرص على أن يعيش الطفل حياة سعيدة مستقرة بصحة وعافية، وذلك بتعريفه برامجها التثقيفية والتربوية في الأسرة والمؤسسة الصحية والإعلامية.
المراجع:
– الإمام الشعراني (ت973 هجرية): كشف الغمة عن جميع الأمة.
– د/ محمد عقلة، تربية الأولاد في الإسلام.
– ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد.


