في ظلّ التقدّم العلمي المتسارع في شتّى مجالات الحياة العلمية والمهنية والخدمية، وما يتبعه من تطورات تكنولوجية في الأنظمة الآلية، يأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمة هذه التحوّلات؛ إذ يُعد تجسيدًا واقعيًّا لهذا التقدّم العلمي. وإذا أُحسن استخدام الذكاء الاصطناعي، فإنه يُعد من وسائل إعمار الأرض والإصلاح فيها، قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾، كما أن حسن استثماره يُعد مدعاة لشكر الله على نعمه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
والذكاء في اللغة مأخوذ من مادة “ذكى”، وهو تمام الفطنة؛ يُقال: ذكت النار إذا تمّ اشتعالها، وسُمّيت الشمس ذكاءً لتمام نورها. أما “الاصطناعي” فمأخوذ من مادة “صنع”، يُقال: صنع يصنع صنعًا واصطناعًا، وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
والذكاء الاصطناعي فرع من فروع علم الحاسوب، يمكنه أداء أعمال تُشبه السلوك الإنساني، من خلال تغذية أجهزة الحاسوب بالبيانات والمهام التي تُحاكي هذا السلوك، إلا أنها تصدر آليًّا؛ فهو ليس أصيلاً، بل مكتسب من خلال التجارب الحياتية المختلفة في شتّى المجالات والعلوم والمعارف. ويُعد أول من صرّح بمصطلح الذكاء الاصطناعي وصاغه كمفهوم نظري هو آلان تورنج (Alan Turing)، ثم تبعه العالم الأمريكي جون ماكارثي، الذي أراد به علم وهندسة صناعة الآلات الذكية.
وتتعدد مجالات الذكاء الاصطناعي وتتنوع؛ إذ أصبح لا غنى عنه في تسيير الأعمال اليومية في المجالات التعليمية والطبية والتجارية والزراعية والصناعية والقضائية والإفتائية والعسكرية… إلخ.
وفي مجال الطب: يُعد الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة للطبيب في إجراء العمليات الجراحية، وتشخيص حالات المرضى، ووصف الأدوية، وتحديد الأوقات المناسبة لإجراء الفحوصات الطبية، وتقديم مختلف أشكال الرعاية والعناية بالمرضى. ومن هنا، يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي أن تُسهم في الإجراءات الآتية:
1- التشخيص الطبي:
يمكن للذكاء الاصطناعي تشخيص الحالة الصحية للمريض بدقة وجودة عالية، من خلال تحليل الصور الشعاعية والمقطعية، مما يُمكّن الطبيب من التعرّف على الأمراض وطرق التعامل معها، واتخاذ الإجراءات الطبية المناسبة للتصدي لها قبل تفاقمها.
2- التوقّع والتشخيص المبكر للأمراض:
تُستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات المرضى، والتعرّف على الأمراض المزمنة، وأمراض القلب والسرطان، وتحديد أسبابها والعوامل المؤثرة في الإصابة بها، مما يساعد على التشخيص المبكر والوقاية من آثارها السلبية.
3- مجال الرعاية الطبية:
يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا كبيرًا في رعاية المرضى، من خلال تقديم الخدمات الطبية بيسر ومرونة، وبلغة سهلة ومبسطة. ومع التطور المتسارع في مجال الرعاية الصحية، وزيادة حجم البيانات والتحديات المرتبطة بالتكلفة ونتائج العلاج، أصبح الطبيب بحاجة إلى أدوات مساعدة، وهو ما توفره تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تسريع تنفيذ المهام الطبية والتخفيف عن المرضى.
4- مجال الرعاية الصحية:
أسهمت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحقيق نتائج عالية الجودة، حتى أصبحت ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها؛ إذ كان الطبيب في السابق يستغرق وقتًا طويلاً لإجراء الفحوصات والتعرّف على طبيعة المرض، بينما تتيح هذه التقنيات سرعة جمع البيانات وتحليلها، مما يساعد على تقديم علاج مناسب لكل حالة بدقة وفاعلية.
5- علم الجينوم في الرعاية الصحية:
يُستخدم الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الجينية المرتبطة بالمريض، مما يمنح الطبيب قدرة أكبر على فهم الحالة المرضية بدقة، ويُسهم في تقديم رعاية صحية أكثر تخصيصًا وكفاءة.
وقد أظهرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي قدرتها على إحداث تحوّل نوعي في مجال الرعاية الصحية، من خلال تحسين كفاءة العمل الطبي، وزيادة دقته، وتخصيص العلاج بما يتناسب مع حالة كل مريض، مما يساعد الأطباء على فهم الأمراض والصفات الوراثية بشكل أعمق.
الحكم الشرعي للذكاء الاصطناعي
فالأصل في الأشياء الإباحة، والذكاء الاصطناعي من جملة هذه الأشياء، قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وفي الحديث عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام».
وعليه، فإن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات الطبية، تحت إشراف الطبيب، يُعد ضرورة ملحّة لا يُستغنى عنها في علاج المرضى، والتخفيف عنهم، وتحقيق راحتهم، سواء في تشخيص الحالات الصحية أو في إجراء العمليات الجراحية باستخدام الروبوتات.
ومع ذلك، يؤكد بعض الباحثين أن الروبوتات الجراحية تعمل تحت إشراف الطبيب، ولا يمكن أن تحلّ محلّه؛ نظرًا لاحتمال وقوع الأخطاء، فهي أداة مساعدة لا بديلاً عنه. إذ يرى هؤلاء أن الجراحة الروبوتية لا يمكن أن تستبدل الطبيب الجراح، بل تُعزّز مهاراته؛ حيث يتحكم الطبيب في الأدوات عبر أذرع روبوتية تُوجَّه من خلال وحدة تحكم، فالروبوت لا يتخذ قرارات مستقلة، ولا يفكّر بذاته، بل يستجيب بدقة عالية لحركات يد الجراح وأصابعه، فهو في الحقيقة ترجمة لحركة الطبيب، ولكن بدرجة أعلى من التحكم والدقة.
القيم الأخلاقية الضابطة لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي
تتمثل القيم الأخلاقية الضابطة لحركة الذكاء الاصطناعي في الوضوح والشفافية، وسرية البيانات، والصدق، والأمانة، والرحمة عند التعامل مع المرضى، وتجنب الكذب والخيانة، وكل ما يدفع إلى النزاع والشقاق والكراهية. والذكاء الاصطناعي، بهذا المعنى، سلاح ذو حدين؛ يمكن توجيهه فيما ينفع ويدفع، أو فيما يضر بالإنسان إذا استُخدم بشكل خاطئ.
فالروبوتات الذكية في مجال الطب -مثلاً- التي تتم برمجتها سلفًا لأداء مهمة من المهمات، تأخذ حكمها الشرعي من طبيعة المهمة التي صُنعت لها؛ فإذا كانت لمنفعة الناس فبها ونعمت، أما إذا كانت لغرض غير مشروع، فإنها تكون محرمة، ولا يجوز استخدامها. وهذا ما ينطبق على جميع استخدامات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي يجب أن يكون هدفها تحقيق مصالح الإنسانية، ودفع المضار والمفاسد، واحترام العقائد والكرامة الإنسانية، مع مراعاة أن تظل الآلات والتقنيات تحت سيطرة الإنسان، لا العكس.
والذكاء الاصطناعي لا يحل محل الطبيب؛ لأن مهنة الطب عمل إنساني قائم على القيم الأخلاقية وحقوق الإنسان. ويقول المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس: “إنه على غرار كل تكنولوجيا جديدة، يشتمل الذكاء الاصطناعي على إمكانات ضخمة تؤهله لتحسين صحة ملايين الأفراد في العالم، وفي الوقت نفسه قد يُساء استخدامه، وقد يتسبب في إلحاق الضرر، شأنه شأن كل تكنولوجيا”.
ولكي يؤدي الذكاء الاصطناعي مهامه في مجال الطب كأداة مساعدة للطبيب، ينبغي مراعاة القيم الأخلاقية الضابطة لعمل هذه التقنيات الحديثة، وفق اتفاق يقع بين الشركات المصنعة والمبرمجين والمستخدمين، وبين القادة الدينيين والسياسيين، في إطار تعاون يحقق لتطبيقات الذكاء الاصطناعي منافعها، تجنبًا للاستخدام الخاطئ، ووقاية للبشرية من شروره.
ومما هو جدير بالذكر أن انتهاك الخصوصية، وعدم سرية البيانات الخاصة بالمريض، والعمل على اختراقها لاستخدامها بشكل غير مشروع، يهدد سلامة المريض، كما أن إدخال بيانات ناقصة –نظرًا لقلة الوعي أو عدم الدراية الكاملة بطرق متابعة المريض عن طريق تطبيقات الذكاء الاصطناعي– قد يضر بحالته الصحية. وكل ذلك يجعل لهذه التقنية جوانب سلبية يجب التنبه لها.
الأخطاء الناجمة عن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الطب
قد ينجم عن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي أخطاء، وهنا يُطرح السؤال: على من تقع المسؤولية؟
تقع المسؤولية على المصنع، أو المنتج، أو المستخدم لهذه التقنية؛ فالطبيب يتحمل مسؤولية الخطأ إذا كان هو سببه. وإذا وقع خطأ عند التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتم إدخال بيانات غير صحيحة عن المريض بسبب عيوب فنية، وأُجريت العملية الخاطئة، وترتب على ذلك أضرار أدت إلى موت المريض أو تلف عضو من أعضائه، فالضمان على الشركة المصنعة، إذا ثبت بالأدلة والقرائن أن الخطأ وقع بسبب عيوب فنية. أما إذا كان التقصير من الطبيب، بسبب عدم معرفته الكافية بإدارة هذه التقنية، وأجرى العملية فتسبب في موت المريض أو تلف عضو من أعضائه، فالضمان عليه؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «من تطبب، ولم يُعلم منه طب، فهو ضامن».
وأما إذا كان الطبيب حاذقًا معروفًا بإتقانه وأمانته، بشهادة الأطباء وذوي الخبرة، وأخطأ في المعالجة والتداوي، فمات المريض أو تلف عضو من أعضائه، فلا ضمان عليه إذا لم يكن متعديًا.
وفي الربط قياسًا بين خطأ الروبوت والنصوص الواردة في جنايات البهائم، هل يمكن تنزيلها على البهائم العجماء؟ فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». والعجماء: البهيمة، وجبار: هدر، بمعنى لا مؤاخذة عليها. فالبهيمة إذا انفلتت بنفسها، ولم يكن هناك تقصير من صاحبها، فلا ضمان عليه. وفي هذا يقول الإمام السرخسي: “والدابة التي انفلتت من غير أن يسيرها صاحبها، إذا وطئت إنسانًا، فدمه هدر”.
وبناءً على ذلك، يمكن قياس أخطاء تطبيقات الذكاء الاصطناعي على جنايات البهائم العجماء؛ فيكون انفلات الروبوت بنفسه من غير تعدٍّ أو تقصير من أحد -سواء أكان من المصنع أم من المبرمج أم من المستخدم- جنايته هدرًا لا توجب الضمان. أما إذا ثبت التعدي أو التفريط من الشركة المصنعة، أو من المبرمج، أو المستخدم، فالمسؤولية تقع عليه؛ لأن أهلية الضمان تكون على من له أهلية التحمل، وله ذمة تُوجب حقوقًا وواجبات.
فالضمان إذن يقع على الشركات والمؤسسات التي تستخدم هذه التقنية، وما يقع منها من أخطاء لا تتحمله الحواسيب والآلات؛ لأنها لا أهلية لها، وإنما تتحملها الجهات المسؤولة عنها، إذا ثبت بالأدلة والقرائن، وبشهادة أهل الخبرة، أن الأخطاء ناتجة عن عيوب فنية في تلك الأجهزة.
وعلى هذا، فإن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مهنة الطب مباح لما يترتب عليه من منافع، إذا استُخدم وفق الضوابط الشرعية والقيم الأخلاقية، وبمعرفة كافية بطرق التعامل معه، بما يجعله يؤدي مهمته كأداة معاونة للطبيب ومعاونيه. أما إذا استُخدم بشكل خاطئ وأدى إلى إلحاق الضرر بالمريض، فإن الضمان يقع على المتسبب في الخطأ، سواء أكان المصنع، أم المبرمج، أم المستخدم.


