أمين القراء.. الشيخ محمد صديق المنشاوي

هو ابن مدينة المنشأة بمحافظة سوهاج، في جنوب مصر على بُعد نحو 500 كم من القاهرة، وهو أول قارئ للقرآن الكريم تنتقل إليه الإذاعة لتسجل له تلاوته في مكان وجوده. وقد رفض – رحمه الله – في البداية طلب الإذاعة الاعتماد بها قارئًا رسميًّا. وكان لا يكف عن قراءة القرآن، يتلوه في كل أحواله.

ويتفق المؤرخون على أن المائة سنة الأخيرة شهدت مدارس صوتية تُعد الأفضل عبر عقود طويلة في فن التلاوة، ومن بينها مدرسة آل المنشاوي القرآنية، وهي مدرسة صوتية ذات طابع مميز ومسحة حزن عميقة، توارثها الأبناء عن الجد ثابت المنشاوي وتناقلها الأحفاد. وقد عُرف أفراد هذه المدرسة بإجادتهم التلاوة على مقام الصبا، وهو المقام المعروف بالحزن، وكأن تلاوتهم منغمسة في الدموع.

وُلد الشيخ محمد صديق المنشاوي عام 1920 في أسرة حملت رسالة تعليم القرآن الكريم وتحفيظه وتلاوته على عاتقها. فوالده هو القارئ الشيخ صديق المنشاوي، الذي ذاع صيته في مصر والوجه القبلي معلمًا وقارئًا ومجودًا.

التحق الشيخ محمد بكُتّاب القرية وهو في الرابعة من عمره، ولاحظ شيخه أبو مسلم سرعة حفظه وحلاوة صوته، فرأى فيه خيرًا كثيرًا، فكان يشجعه ويوليه عناية خاصة. وقد أتم حفظ القرآن الكريم قبل أن يبلغ الثامنة من عمره. ثم اصطحبه عمه إلى القاهرة ليتعلم القراءات وعلوم القرآن على يد الشيخ محمد مسعود، الذي انبهر بنبوغه المبكر، فأخذ يقدمه للناس في السهرات والليالي القرآنية.

وظل الصبي محمد صديق على هذا الحال حتى بلغ الخامسة عشرة، فاستقل عن شيخه ووالده بعد أن ذاع صيته في محافظات الوجه القبلي بصفة عامة، وفي محافظة سوهاج بصفة خاصة.

وظل يقرأ في المساجد والمحافل حتى اشتهر أمره، وصار قارئًا معتمدًا لدى الإذاعة المحلية، حاملاً لقب «مقرئ الجمهورية العربية المتحدة»، كما قدمه المذيع من مسجد لالا مصطفى باشا بدمشق، حين قرأ أوائل سورة يوسف. فكان مقرئ الجمهورية العربية المتحدة في زمنه، ومقرئ مصر والعالم في كل زمن قادم.

بداية الشهرة

ولما بلغ صيته الآفاق، وعلم المسؤولون في الإذاعة بهذه الموهبة الفريدة، أرسلوا إليه يطلبون منه أن يتقدم بطلب إلى الإذاعة ليُعقد له اختبار، فإن اجتازه اعتمد قارئًا بها. إلا أن الشيخ رفض وقال: «لا أريد القراءة في الإذاعة، فلست بحاجة إلى شهرتها، ولا أقبل أن يُعقد لي هذا الامتحان أبدًا».

فما كان من الإذاعة آنذاك إلا أن انتقلت إليه حيث كان يقرأ، إذ كان – رحمه الله – يحيي حفلاً رمضانيًّا في مدينة إسنا بمحافظة الأقصر حاليًا، في دار أحد أثريائها من آل حزين. وبالفعل سجلت له تلاوته هناك.

وفي الوقت نفسه كانت جولة أخرى من الإذاعة قد جاءت لتسجيل قراءة والده الشيخ صديق المنشاوي، الذي كان يقرأ في قرية العسيرات بمحافظة سوهاج، في بيت الحاج أحمد أبو رحاب. وقد كانت تلك التسجيلات بغرض تقييم صوتيهما، وكانت أول حادثة من نوعها في تاريخ الإذاعة، أن تنتقل بمعداتها والعاملين بها ومهندسي التسجيل إلى القارئ لتسجيل تلاوته.

وعندما قيّم المسؤولون في الإذاعة الشريطين اللذين سُجلا للشيخ محمد ووالده، أرسلوا إليهما خطاب الاعتماد، إلا أنهما رفضا مرة أخرى.

وقد أثار هذا الموقف غضب المسؤولين في الإذاعة، وكادت أن تنشأ مشكلة كبيرة، إلا أن أحد المقربين من الشيخ محمد صديق، وكان ضابطًا كبيرًا برتبة لواء يُدعى عبد الفتاح الباشا، تدخل في الأمر، موضحًا للشيخ أن هذا الرفض لا مبرر له، ولا يليق به، خاصة أن الإذاعة قد أرسلت إليه مهندسيها وفنييها لتسجيل تلاوته بعد رفضه. وطالما أن المسؤولين قد أعطوه حقه وقدّروه، فلا مبرر للاستمرار في الرفض، بل ينبغي أن يحسن معاملتهم كما أحسنوا معاملته.

وبعد إلحاح شديد ذهب الشيخ محمد صديق إلى الإذاعة، واستكمل تسجيلاته، وظل قارئًا بها منذ ذلك الوقت حتى توفاه الله.

أما والده الشيخ صديق المنشاوي فقال: «يكفي الإذاعة من عائلة المنشاوي ولدي محمد». ولهذا السبب أيضًا سجل لإذاعتي سوريا ولندن بعض الشرائط، ويُقال إن عددها خمس شرائط.

محاولة قتله بالسم

روى الشيخ هذه القصة لبعض المقربين منه، حين حاول بعض الحاقدين عليه قتله بالسم بعد إحدى سهراته القرآنية. فقد دعاه أحدهم إلى العشاء بعد انتهاء السهرة، وأوصى الطباخ أن يضع له السم في الطعام، غير أن الطباخ أخبر الشيخ بالأمر، وطلب منه ألا يفشي سره حتى لا ينقطع رزقه، فنجاه الله من تلك المكيدة.

وتفاصيل القصة أن الشيخ كان مدعوًا في إحدى السهرات عام 1963م، وبعد انتهاء التلاوة دعاه صاحب الدعوة لتناول الطعام مع أهل بيته تبركًا به، فاعتذر في البداية، ثم ألحوا عليه فوافق. وقبل أن يبدأ في تناول الطعام اقترب منه الطباخ وهو يرتجف من الخوف، وهمس في أذنه قائلاً: «يا شيخ محمد، سأطلعك على أمر خطير، وأرجو ألا تفضح أمري فينقطع رزقي في هذا البيت».
فسأله الشيخ عما به، فقال: «أوصاني أحد الأشخاص بأن أضع لك السم في طعامك، وقد وضعته في طبق سيُقدّم إليك بعد قليل، فلا تقترب من هذا الطبق. وقد استيقظ ضميري فجئت لأحذرك، فأنا لا أستطيع عدم تقديمه إليك، لأن أصحاب السهرة أوصوني بتقديمه لك خصيصًا تكريمًا لك، وهم لا يعلمون ما فيه. ولكن فلانًا أعطاني مبلغًا من المال لأدس لك السم في هذا الطبق دون علمهم، ففعلت، فأرجو ألا تبوح بذلك».

ولما وُضع الطبق المسموم عرفه الشيخ كما وصفه له الطباخ، فتظاهر ببعض الإعياء أمام أصحاب الدعوة، لكنهم أقسموا عليه أن يأكل شيئًا، فأخذ كسرة خبز كانت أمامه وقال: «هذا يبرّ يمينكم»،ثم ترك المكان وانصرف.

وفاته

أصيب الشيخ في سن مبكرة بمرض دوالي المريء، فتوفي دون أن يبلغ الخمسين من عمره. ففي عام 1966م أصيب – رحمه الله – بهذا المرض، وتمكن الأطباء من إيقافه جزئيًا ببعض المسكنات، ونصحوه بعدم الإجهاد، خاصة إجهاد الحنجرة، إلا أنه أصر على الاستمرار في التلاوة بصوت مرتفع، حتى إنه في عامه الأخير كان يقرأ القرآن الكريم بصوت جهوري قوي.

ولما اشتد عليه المرض أمر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بسفره إلى الخارج للعلاج على نفقة الدولة، غير أن الأجل كان قد اقترب، فتوفي في 20 يونيو 1969م.

وقد لبّى دعوة عدد من رؤساء الدول للقراءة في الخارج، منها دعوة الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو، التي لبّاها برفقة نظيره الشيخ عبد الباسط عبد الصمد. وقد بكى الشيخ أثناء تلاوته تأثرًا ببكاء الجمهور المتواصل. ومنحه سوكارنو وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، كما حصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الثانية من سوريا.