مجرد تفاصيل

لا خير في رجلٍ أقبل وقت الطمع، وأدبر وقت الفزع.

عبارةٌ وجدتها تجري على لساني؛ كنت قد تعلمتُ خلاصاتها من جدّي رحمه الله تعالى، ذلك الرجل الذي يسكنني دائمًا وأبدًا.

لم يكن شيخَ دين، كان شيخَ دنيا؛ كان يحرص على أن يعلمني الحياة!

عدتُ من مجلس مبارك رفقة أحد الفضلاء، دعاني فلبّيتُ: (أجِبْ من دعاك).

عشاء متواضع، وقهوة بتوابل الوطن (قرفة – زنجبيل)، ومحادثات عالية باذخة عن أهل الله، أهل المعنى، أهل الذوق الرفيع.

طُلِبَ مني الحديثُ عن مدينة مكناس، حرسها الله من كل بأس.

قلت: إذن نسمّي هذا المجلس: “إمتاع الجلاس بأخبار رجالات مكناس”.

وافق الرجل الخلوق بلا تردد، أخذ قلمًا وأوراقًا وبدأ يسجّل الشوارد والإفادات والنتف واللطائف والنكت.

انتخبتُ غيبًا من مهجتي سيرَ ثلاث رجال: سيدي محمد بلقاسم بصري، وسيدي محمد بن الحبيب، وسيدي الهادي بنعيسى، رضوان الله تعالى عليهم جميعًا.

عدتُ إلى البيت في وقت متأخر، وأردتُ أن أُعدّ شراب العسل. دخلتُ إلى المطبخ، فرأيتُ كيسًا بلاستيكيًّا. آه! لقد نسيتُ أن أخرج القمامة.

“إن الله طيّب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود؛ فنظّفوا أفنيتكم وساحاتكم”…
تذكّرتُ توجيهات سيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خرجتُ إلى ناصية الشارع المقابل، حيث المكان المخصّص لقمامة إقامتنا.

فجأةً شطَح بي الخيال، وجنح، بل وجمح.

من يتذكّر يشقَ، فالذاكرة عبءٌ ثقيل.

رائحةُ دخانِ المدفأة عند الجيران حملتني بعيدًا… سافرتْ بي إلى هناك، إلى مستودع الطفولة، بيت جدي، قريتي، مراتع الصبا. في مثل هذا الطقس البارد، ومباشرةً بعيد صلاة المغرب في فصل الشتاء، كانت بيوت الفقراء توقد نار المساء؛ عليها نطبخ، وبها نستدفئ، وحولها نتسامر في الليل البهيم الطويل.

تنفستُ الصعداء، وملأتُ رئتَيّ بهواء ليل غربتي ومنفاي الاختياري.

سلامُ الله عليكِ يا أرض ذاكرتي. سلامٌ على كل شيء فيك:

على البشر،
على الشجر،
على الحجر،

وسلامُ الله تعالى عليك يا جدّي!