مسرحية للأطفال
الفصل الأول
يفتح الستار، يُشعل الضوء…
موسيقى هادئة، بموازاتها ظل امرأة حامل، يظهر ذلك من بطنها المنتفخ، تسير ببطء… تسير من اليسار إلى اليمين وتعود من اليمين إلى اليسار…
يُطفأ الضوء، ويُشعل ليظهر التوأمان بعينين مغمضتين ضمن دائرة تمثل البطن، بعد لحظة قصيرة، يفتحان أعينهما، ويبدأ الحوار:
ـ الأول: ها نحن استيقظنا من جديد…
ـ الثاني: نعم، ها أنذا أراك، وكأني أنظر إلى نفسي في مرآة…
ـ الأول: أهذا يعني أنك تشبهني؟
ـ الثاني: ومن يستطيع أن ينفي ذلك؟ ألم نتفق أننا توأمان، والتوأمان يتشابهان في كل شيء؟ شعري كشعرك، وعيناي كعينيك، وصوتي كصوتك… أعتبرك وأعتبر نفسي كجسم واحد…
ـ الأول: إذن، أنت أخي في كل شيء: في الجسم والحركات، وفي السكن… هههههه… نحن في بطن واحدة… أليس كذلك؟
ـ الثاني: بلى يا أخي، ويا شبيهي بكل المقاييس.
ـ الأول: ومن أدراك بأني كذلك؟
ـ الثاني: نحن متقاربان في هذا الرحم الضيق، وقد سبق لي أن أمررت يدي على وجهي وكل أعضائي، وأمررتها على وجهك وسائر أعضائك، فوجدت هذا الشبه الدقيق.
ـ الأول: أنت أخي في كل شيء إذن.
ـ الثاني: فليحفظنا الله، نحن كالجسد الواحد، كل شيء مرتبط ببعضه.
ـ الأول: اللهم احفظنا حتى نغادر مسكننا هذا.
(ينظر كل منهما إلى الآخر لحظة… ثم يتعانقان، ويقول أحدهما للآخر: لننمِ الآن… لقد تعبنا… نعم تعبنا… لننم إذن…)
ينطفئ الضوء… يسود الظلام لحظة يخترقه أصوات الناس، وصخبهم… وحين يُشعل من جديد… يظهر التوأمان من جديد ويتحاوران:
ـ الأول: ها نحن عدنا إلى الحياة بعد أحلامنا… أحلامنا في الماضي الآتي…
ـ الثاني: ما أجمل أن تعيش في الأحلام…
ـ الأول: هيا نقضي سويعات أخرى في الاستماع إلى الناس، وأفكارهم عنا… عفوا، قد يظنون أن المولود المنتظر واحد فقط، بنت أو ولد…
ـ الثاني: استمع…
أصوات الناس في الواقع… يتحدثون… يضحكون… يتصايحون… قبل أن يعود الحوار كالتالي:
ـ الأول: (يضحك كثيرًا… يصمت ثم يستأنف الضحك من جديد…)
ـ الثاني: كفاك ضحكًا، لمَ تضحك؟ ماذا سمعت ولم أسمعه؟
ـ الأول: سمعت أحدهم، يقول لأمي: إن مولودك سيكون أنثى… فاستعدي لها…
ـ الثاني: ذاك المشعوذ ابن المشعوذ… يدّعي أنه يعلم، وهو جاهل، جاهل، جاهل…
ـ الأول: جاهل، جاهل، جاهل إلى ما لا نهاية… ههههههه… لم يعلم أننا ذكران.
ـ الثاني: أخطأ في الجنس وفي العدد… ههههههههه… المشعوذ القبيح…
ـ الأول: أكل دجاجة أمي، ودراهمها مقابل كذبته التي ستنكشف بعد شهر أو شهرين.
(أصوات الناس تعود من جديد)
ـ الأول: اسمع، أحدهم يتحدث عما برحم أمي.
ـ الثاني: إنه صوت أبي.
ـ الأول: أصغِ إليه، ماذا يقول؟
ـ الثاني: سيردد ما كان يقوله أمس.
ـ الأول: وما ذاك؟
ـ الثاني: كان يقول لأمي: كفانا من الإناث… أربع بنات، صرن كقطيع شياه في داري… هههههه… يظن الأمر بيده… هههه، لولا مشيئة الله لكان أنثى نفسه… هههه.
ـ الأول: لكان يُسمى “رُقيّة” بدل “محمد”… هههههه.
ـ الثاني: ومن يفهمه الحقيقة؟
ـ الأول: سيفهم جيدًا… حين نخرج معًا…
ـ الثاني: أتريد الخروج من هذه السكينة التي تغمر موطننا رغم ضيقه؟
ـ الأول: الضيق أفضل بكثير من الصخب الذي نسمعه كل يوم.
ـ الثاني: اسمع، أمي ترد على أبي بخصوص جنس الذَّكر.
ـ الأول: كل من سيخرج من رحمي سأحبه، فهو جزء مني، ومن يحب جزءًا من جسمه ويكره آخر؟؟؟
ـ الثاني: إنه أبي… يحب الذكور وقد ولدته أنثى وتزوج بأنثى…
ـ الأول: غبي، غبي، غبي هذا الأب، رغم أنه أبونا…
ظلام… كلام الناس يعود من جديد… يعود الضوء إلى الخشبة ويُستأنف الحوار:
ـ الأول: اسمع، اسمع… إنه صوت أمي…
ـ الثاني: إنه هو… ربما هي الآن في سوق الملابس…
ـ الأول: صدقت: أسمع نداءات التجار…
ـ الثاني: اسمع، أمي، ماذا تقول؟
ـ الأول: إنها بصدد شراء قميص لبنتها الجديدة.
ـ الثاني: مسكينة أمي، تصدق المشعوذين.
ـ الأول: نحن توأمان، ذكران… سنحدث مفاجأة لأمي وأبي…
ـ الثاني: سيضطر إلى أن يشتري خروفين… بدل الشاة الوحيدة المعدّة للمولود الأنثى…
ـ الأول: سيشتم المشعوذ هو وأمي… وسيتعلمان أن الغيب لا يعلمه سوى الله.
ـ الثاني: هههه، سيضطر إلى مغادرة القرية، فلن تعود له صلاحية ولا شأن بين أهل القرية…
ـ الأول: سيفقد مهنته التي جعلته يربح النقود بلا عمل متعب…
ـ الثاني: سيَسقط في التعب… ويغرق في المتاعب…
ـ الأول: ولماذا؟؟
ـ الثاني: لأنه في سن متقدمة ولم يتعلم شيئًا سوى الشعوذة…
(يتحدثان ويتثاءبان… يقول أحدهما للآخر: لقد تعبنا مما نسمع من ترهات أهل القرية… يوافقه الثاني… تنطفئ الأضواء… ويسود الصمت دقيقة أو أكثر…)
الفصل الثاني
ظلام… حوار بين الصبيين:
ـ الأول: لقد كبرنا، ألا يبدو لك ذلك؟؟؟
ـ الثاني: بلى، الفضاء صار ضيقًا… يعني أننا كبرنا… ههههه.
ـ الأول: من يستطيع منا أن يمد رجله؟
ـ الثاني: أن تمد رجلك يعني أن تُحدث ثقبًا في جدار بطن أمي… ههههه.
ـ الأول: ما الحل إذن؟؟؟
ـ الثاني: الخروج يا أخي إلى فضاء فسيح فيه الرجال والنساء والدواب والحشرات والنباتات والجبال وسائر التضاريس…
ـ الأول: ألم تقل لي بأن هناك ضجيجًا ومنغصات؟؟؟
ـ الثاني: الخروج يا أخي شر لا بد منه….
ـ الأول: صحيح، فكل الناس كانوا هنا قبل أن ينتقلوا إلى هناك…
موسيقى هادئة تدل على الفرح… زغاريد… ظهور ظل امرأة تحتضن طفلين…
يُسمع صوت الأب يقول: الحمد لله تعالى… ولعن الله المشعوذ…
تُسمع صوت الأم وهي تقول: الحمد لله الواهب لنا ما يشاء… وخلص الله دنيانا من المشعوذين…
(ينطفئ الضوء لحظة… يُشعل مرفقًا بشقشقات الطيور… وأصوات الناس)
يخرج الطفلان وقد أمسك الواحد بيد الآخر…
ـ الأول: أنا محمد…
ـ الثاني: وأنا محمد…
ـ الأول والثاني بصوت واحد: خُلقنا توأمين… نحن متشابهان… سنثير فضول من لا يعرف قدرة الله في خلقه… وسيجدنا العارف بقدرة الخالق أن الأمر بسيط… فخلق السماوات والأرض وما بينهما أهون على الله من خلق توأمين…
حفظ الله الجميع أفرادًا وجماعات… إناثًا وذكورًا… فالإنسان إنسان كيفما كان شكله وجنسه ولونه وبدنه… قيمته لا تُقدّر بثمن…
تحياتنا لكم… يُسدل الستار.