رمضان وتجربة الاشتغال بالقرآن

يرتبط شهر رمضان في القرآن بالقرآن ذاته، فصيامه يشكل الاحتفاء الأمثل به وبنزوله، الذي يظل حدثًا عجيبًا عند التأمل العميق في طبيعته بما هو “كلام الله” في الغيب. ووصف الشهر بقوله تعالى: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ”(البقرة: 185) يشكل تعليلاً متقدمًا لقوله تعالى: “فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ”(البقرة: 185). ولذلك عظمت الصلة بين القرآن والصيام، إذ تقاطع مقصداهما، فبات رمضان شهر الاشتغال بالقرآن.

إن الهدف الرئيس للقرآن هو أن يوقظ في نفس الإنسان وعيًا عاليًا بما بينه وبين الخالق، وبينه وبين الكون من علاقات متعددة الوشائج.

إن الهدف الرئيس للقرآن هو أن يوقظ في نفس الإنسان وعيًا عاليًا بما بينه وبين الخالق، وبينه وبين الكون من علاقات متعددة الوشائج.

فالآية الكريمة “وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”(الشورى: 52) تبين أن القرآن هو روح، والروح حقيقة حيوية لا تصورية، إنه في النهاية ما يحيا به القلب ويربو.

وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا”(الأنعام: 122). ولذلك كان الإبصار حالًا من أحوال الانتباه الوجودي للذات، يرقى بها إلى إدراك ذوقي يشكل نوعًا من التحام بالحقيقة، إذ يعمق من كيان الذات كلها بعد أن تكون قد تخلت عن ذاتها.

ومن ها هنا كان اقتران الصوم بالقرآن، وكان جدل الترقي بينهما، فالصوم إمساك كلفة ومشقة عن مباح العادات الشهوانية إلى عزائم المجاهدات القربانية لتحصيل التقوى، كما قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”(البقرة: 183).

وما التقوى إلا حساسية القلب وشفافية الروح في جنب الله، تهيؤًا بكلية الوعي للاقتراب إليه سبحانه تفكرًا وتدبرًا، فإبصارًا عبر خلوات التلاوة القانتة لكتابه “الذِّكْرِ” الذي قال فيه: “لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ”(الواقعة: 79)، وصولاً إلى جلوات الجهاد به، كما قال تعالى: “وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا”(الفرقان: 52).

ولذلك كان على المؤمنين في رمضان التحرر “مِنَ الْخَصَائِصِ الَّتِي تَقْتَرِنُ اقْتِرَانًا مُبَاشِرًا بِبَشَرِيَّتِهِمْ، وَهُمْ يَسْعَوْنَ إِلَى الِاقْتِرَابِ مِنَ الصِّفَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ وَالشُّعُورِ بِوُجُودِ اللَّهِ مِنْ خِلَالِ التَّفَكُّرِ”.

وفي حكم ابن عطاء الله: “كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله ولم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟”

ولهذا وُهب العبد رمضان ليقتبس أيضًا من سر وقته الملكوتي المليء بالنفحات، وفي ذلك تحفيز ارتقاء للذات بالقرآن قد لا يتيسر لها بالشكل ذاته في غيره؛ ففيه “تُفَتَّحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَتُصَفَّدُ الشَّيَاطِينُ”.

وإذ تقع آثار الإمساك عن الشهوات وسائر المنهيات على ما بأعماق النفس من رعونات وكدورات، تصفو وتتهيأ للتلقي عن الله عبر كتابه المجيد، الذي لا يزيدها إلا زكاءً وتنورًا.

كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته..

ولرمضان عند التأمل في الهدي النبوي من الشأن ما ليس لغيره، فقد كان جبريل عليه السلام يلقى النبي ﷺ في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه بالقرآن مرتين. كما انقطع النبي ﷺ بالاعتكاف في عشره الأواخر، فلما كان في العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا؛ وإنما الاعتكاف “عُكُوفُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ وَجَمْعِيَّتُهُ عَلَيْهِ، وَالْخَلْوَةُ بِهِ، وَالِانْقِطَاعُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْخَلْقِ وَالِاشْتِغَالُ بِهِ وَحْدَهُ”. وليس من اشتغال بالله أكمل من الاشتغال به عبر كتابه؛ وهل القرآن إلا “كِتَابُ التَّعْرِيفِ بِاللَّهِ”؟

الهوامش:
(1) د.محمد إقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام
(2) د. فريد الأنصاري: أسرار التعبد بالقرآن
(3) د.محمد إقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام
(4) من حديث حارثة: رواه ابن حبان عن أبي هريرة
(5) طارق رمضان: على خطى النبي
(6) الحكم العطائية: ابن عطاء الله السكندري
(7) ابن القيم الجوزية: زاد المعاد