أبو الحسن محمد بن يوسف العامري من فلاسفة الإسلام. وُلد في مدينة نيسابور في مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وتوفي عام 381 هـ. وإن كان قد نشأ في مدينة نيسابور، إلا أنه لم يقضِ كل حياته بها؛ لأنه، مثل علماء عصره، كان محبًّا للترحال، تواقًا إلى طلب العلم من أماكن شتى، ولذلك وُصف بأنه «كان من الجوّالين الذين نقّبوا في البلاد، واطّلعوا على أسرار الله في العباد». وقد استقر به المقام في الري وبخارى لبعض الوقت، وعاش فيهما أخصب فترات حياته الفكرية.
أبو الحسن العامري، وإن يكن مجهولاً بيننا اليوم، فقد كان معروفًا في زمانه، بل كان من «أعلام عصره»، كما يقول أبو حيان التوحيدي (المقايسات، ص 165). وقد وضعه الشهرستاني جنبًا إلى جنب مع كبار فلاسفة الإسلام، أمثال الكندي والفارابي وابن سينا (الملل والنحل، 3/38). وتحدث عنه التوحيدي طويلاً في «الإمتاع والمؤانسة»، واقتبس كثيرًا من كلماته في «المقايسات». وله عدة كتب، أهمها كتاب «الإعلام بمناقب الإسلام».
وفي مقدمة الكتاب، يبيّن العامري ما يحتاج الإنسان إلى معرفته. والمعرفة في رأيه ليست هي المعرفة النظرية فحسب، بل هي المعرفة النظرية والعملية معًا، أو المعرفة المتكاملة المرتبطة بحياة الإنسان من جميع جوانبها. ولذلك يقرر العامري أن هناك علاقة وثيقة وطبيعية بين العلم والعمل، وأن من الخطأ الفصل بينهما.
وقد ناقش رأيًا لبعض الفلاسفة والباطنية مؤداه أن «العاقل منا لا يلزمه اقتباس العلم للتوصل به إلى الأعمال الصالحة، بل يلزمه ذلك ليسلم به عن وحشة الجهالة، فإنها في ذاتها قبيحة مظلمة»، ومقتضى هذا الرأي أن العلم ينبغي أن يُطلب لذاته.
ويرد العامري على هذا الرأي فيقول: «إن كل من آثر لنفسه هذه العقيدة فقد ارتكب خطأً فاحشًا، فإن العلم مبدأ للعمل، والعمل تمام العلم».
فالعامري يقرر، منذ نحو ألف سنة، أن العلم إنما يُطلب من أجل العمل به في تحسين الحياة الإنسانية وتقدمها. كما أن الأعمال المثمرة أو «الصالحة» إنما هي تلك التي تقوم على الدراسة العلمية.
ويتعرض العامري لأهمية العلوم الدينية والأهداف التي تحققها لخير الإنسان. ويهمنا هنا رأي العامري في صلاح العلوم الدينية؛ ولإصلاح هذه العلوم وتطويرها، يرى العامري أنه لا بد أن تتوفر في المشتغلين بها صفات خاصة. وإلى جانب الكفاية العلمية، التي هي شرط ضروري وبديهي، يهتم العامري اهتمامًا شديدًا بالناحية الأخلاقية لدى المشتغلين بهذه العلوم؛ فقد كان يؤمن إيمانًا عميقًا بأنه «لا علم بلا أخلاق».
فنجد العامري يقول: «متى أحب العالم أن تنظر العيون إليه بالإجلال، فليقرن بعلمه القناعة والزهد، ومهما فعل ذلك فقد صار مصباحًا يُهتدى به في ظلمات الشبهة، ثم ليكن بما علّمه عند من يعاشره كمن لا يُنسب إلى علمه في الانبساط إليهم، وترك الاستطالة عليهم؛ فإن من هزّأ علمه إلى الإعجاب بنفسه فقد أورثه الكبر والخيلاء، وعرّضه للعداوة والمقت».
ثم يلاحظ أن «ابن آدم إلى عيب أخيه أسرع من السبع إلى فريسته، ولكن لا أحد أخس مرتبة ممن يتبع القبح ليستخرجه من بين ظهراني الحسن».
ومما تستصلح به صناعة الحديث – في رأيه – أن يكون المنتمي إليها متعففًا عن التدليس عند لزوم الحجة، متوقيًا عن التدرج إلى المغالبة والاستعلاء على الخصم بحسب الاستطالة؛ فإنه متى لم يأخذ نفسه به، يوشك أن يكون مثيرًا للفتنة.
ويركز العامري على مسؤولية الفقهاء بوجه خاص أمام المجتمع، فيشترط أن يكون الفقيه «شديد الحذر عن استعمال الحيل في وجوه الفتاوى، غير متطلب للرخص فيما يعرض من الحوادث، بل يكون فيها إلى التوقف والإحجام أسرع منه إلى التقحم والإقدام، فإنه يحكم في دماء المسلمين وأموالهم وفروجهم، وهي أمانة عظيمة قد التزمها، ومؤونة شاقة قد انتصب للوفاء بها».
وبهذا المبدأ العادل – مبدأ مسؤولية العلماء مسؤولية أخلاقية أمام المجتمع – حكم العامري على فقهاء عصره حكمًا صارمًا، ورسم لهم صورة قاتمة في كتاب «الإعلام بمناقب الإسلام»، في الفصل الذي عقده عن «الإسلام ونظام الحكم». فاتهمهم بأنهم أساؤوا إلى صناعتهم الشريفة، واستغلوها لتحقيق أغراض دنيئة، كالترؤس على العامة، ونيل الحظوة لدى السلطان، والاستيلاء على أموال الضعفاء، واستعمال الرخص في إبطال الحقوق. وبهذا انقلبت صناعتهم من استحقاق الحمد إلى استجلاب المذمة.
يركز العامري على أهمية الاجتهاد، والإيمان بالعقل، ورفض التقليد، فيطلب من المحدث ألا يحمله حب التقليد لأئمة المحدثين على استثمار البعض لصناعتي الفقه والكلام. ويشترط في المتكلم أن يكون مستنكفًا عن اتباع أشياخه بحسن الظن.
ويرى أن من الواجب على كل مشتغل بهذه العلوم ألا يكابر ما أوجبه العقل الصريح لمجرد التقليد، وخصوصًا لمن لا يشهد له بالعصمة؛ فإن الحق لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف بنفسه؛ فيُعلم من أصابه، ويُعرف من أخطأه.
ويؤكد ضرورة التخصص العلمي وضرورة احترامه. ويرى العامري أن بين طباع البشر وبين أصناف العلوم علاقة ما، ومناسبة، ونوعًا من التجاذب يؤدي إلى الألفة، ويجعل الإنسان يحصل علمًا من العلوم بعنايته.
ومن هنا يؤكد العامري ضرورة احترام التخصص في العلوم الدينية؛ ولذلك يرى أنه من الواجب على علماء الحديث والفقه والكلام: «ألا يحمل أحدًا فرط الإعجاب بنفسه وبصناعته على الاستخفاف بما سواه، وألا يحمله الاغترار بما أوتيه من المهارة في خاص صناعته إلى الخوض فيما ليس هو من شأنه، بل يعمل على تفويض كل صناعة إلى أربابها، ويوفي العارفين بها والمتقدمين فيها لمبلغ حقوقهم من التبجيل والتعظيم».
اختلاف المسلمين وتباغضهم
بيّن العامري أن الاختلافات موجودة في جميع الأديان، وليست مقصورة على الإسلام والمسلمين، ويستقرئ أسباب هذه الاختلافات في الأديان بوجه عام.
وفيما يختص بالإسلام، يقرر أنه لما كان ناسخًا للأديان كلها، ولما كانت دولته قد هدمت دولًا كبيرة، فقد امتلأت القلوب غيظًا عليه، وكثر أعداؤه. ويشير إلى أن بعض هؤلاء الأعداء – كما يحدث في أي دين آخر – قد تظاهروا باعتناقه، وهدفهم الحقيقي هو هدمه من الداخل، وذلك عن طريق اختراع الآراء التي تسبب الشقاق، وتثير الخلاف بين أهله.
كتاب «الإعلام بمناقب الإسلام»
يعتبر كتاب «الإعلام بمناقب الإسلام» لأبي الحسن العامري – بدون أدنى مبالغة – وثيقة من أخطر الوثائق في تاريخ الفكر الإسلامي.
فقد تناول المؤلف الإسلام بصورة لم يُسبق إليها – فيما أعلم – وهي صورة تبدو فيها جميع عناصر الإسلام كنظام متكامل للحياة الإنسانية المتطورة.
وفهم المؤلف للإسلام يتميز بالواقعية وسعة الأفق، والإدراك العميق لروح هذا الدين وسماحته. ولذلك نرى العامري يحرص على ألا يقصر الثقافة الإسلامية على العلوم الدينية وحدها، بل يجعلها تشمل العلوم والثقافات الأجنبية التي تفيد المجتمع الإسلامي، ولا تتعارض مع تقاليده.
كما نراه يحرص على ألا يقصر رعايا الدولة الإسلامية على المسلمين وحدهم، بل يجعلهم يشملون أهل الأديان الأخرى، ولا سيما أهل الكتاب، وينظر إليهم كمواطنين.
وكذلك يحرص على أن يبين محبة الإسلام للسلام وبغضه للحرب، وإيثاره تجنبها إلا في حالة الضرورة، وهي حالة الدفاع عن المقدسات ضد أي اعتداء. فعندئذ يصبح الجهاد المسلح من أقدس الواجبات.
والمؤلف مفكر يؤمن بالتقدم الإنساني. ولذلك نراه يساند جميع القضايا التي تؤدي إلى هذا التقدم، ويهاجم كل ما يمنعه أو يعوقه.
نراه يساند قضية الرأي والاجتهاد في الفقه، ويؤكد أن الاجتهاد ضرورة يحتمها التطور، ويؤيد استعمال العقل، ويهاجم التقليد في البحث العلمي وفي مسائل العقائد والإيمان على السواء.
كما نراه يبرز موقف الإسلام من النظام الطبقي، ومن التفرقة العنصرية، وهو موقف الرفض القاطع؛ لأن كليهما – كما بيّن العامري – يعوقان التقدم الاجتماعي.


