إن قراءة أحكام الشريعة المتعلقة بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف بعيدًا عن أصولها الفلسفية والمنطقية، تُعد مظنةَ الجمود والاختزال؛ إذ غالبًا ما يُدار النزاع حول هذا الاحتفال في أطر شكليَّة منحصرة في مفهوم البدعة الإجرائي بعيدًا عن التأسيس المعرفي لفلسفة الزمان وطبيعة منطق الأفضلية.
فقد جعل الله تعالى الزمان ظرْفًا للوجود، وميدانًا لظهور آياته، وكرَّم أزمنةً بما أودع فيها من العطايا والرحمات، فالزمان ليس مجردَ وعاء خاوٍ يمرُّ بانتظام حركات فيزيائية تتساوى فيها آنائه ولحظاته مساواةً رياضية فحسب، بل هو ظرفٌ يكتسب قيمته وشرفه بمظروفه.
قال الإمام ابن الحاج المالكي: [وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله تعالى به مِن العبادات التي تُفْعَل فيها؛ لِمَا قد عُلِمَ أن الأمكنة والأزمنة لا تتشرف لذاتها، وإنما يحصل لها التشريف بما خُصَّتْ به من المعاني] اهـ (“المدخل” 2/ 2-3، ط. دار التراث).
فالزمان كيفيٌّ غير متجانس؛ تفاضلت ساعاته وأيامه وشهوره بناءً على ما وقع فيها من تجليات إلهية وأحداث كونيَّة، فمعلوم ومقرر أن يوم الجمعة في الفضل والشرف ليس كيوم الثلاثاء مثلاً، وأن ليلة القدر ليست كغيرها من الليالي، وأن شهر رمضان ليس كغيره من الشهور.. وهكذا في كل مظروف، مع أنها أيام وليال وشهور زمانية.
إن تفكيك هذه الظرفية عبر أدوات الفلسفة ومقاييس المنطق، قاضٍ بأن إثبات الاحتفال بظرف ظهور ذات النَّبي الشريفة هو النتيجة المنطقية الضرورية لمركزية هذه الذات في دائرة الوجود.
على أن الزمان في ذاته عرض لا يقوم بنفسه، وما كان عرضًا فإن حظَّه من الشَّرف أو الضَّعة لا ينبع من بنيته التكوينية، بل مما يُستودع فيه من التنزلات الإلهية والأحداث العظمى.
وإذا كنا سنتكلم عن زمان سيد الخلق ﷺ، فإننا نعتبر هذا الزمان أيضًا بما وقع فيه من تجليات، وهذا سيأخذنا إلى فلسفة أخرى عميقة وهي فلسفة (المدار وتوزيع الأفضلية في الوجود)؛ أي وجود وحدة مركزية تُستمد منها القِيَم وتُقاس عليها الرتب.
وقد جعل الله تعالى ذات نبيه ﷺ هي المدار المطلق لجميع صور الفضل والأفضلية في الوجود؛ فما من زمانٍ، ولا مكانٍ، ولا شخص، ولا كلام.. اكتسب الشرف إلا عبر النسبة والإضافة إلى حضرته الشريفة:
– ففي مدارية المكان: نجد أن مكة تكرَّمت بميلاد النَّبي ﷺ ونشأته فيها، والمدينة المنوَّرة تنورت وتعطرت بمقدمه الشريف وهجرته إليها، حتى فاضل العلماء بين مكة والمدينة أيهما أعلى فضلاً وأعظم شرفًا؟ وجعلوا مدار تلك الأفضلية على سيدنا رسول الله ﷺ، إلى أن انتهوا إلى أنَّ أفضلَ بُقعة في الأرض على الإطلاق، هي روضُ النبي ﷺ باتفاق. (“الشفا” للقاضي عياض 2/91).
– وفي مدارية الأشخاص: نجد العجب العُجاب؛ فنجد أنَّ أناسًا عاشوا مع النبي وعاصروه وآمنوا به، فاكتسبوا اسم (الصحابة)، صحابة مَن؟ صحابة رسول الله، هم أفضل الخلق بعد الأنبياء، هم من أخبر عنهم النبي ﷺ بأنه لو أنفق أحد مثل جبل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه، وغير ذلك كثير، وما ذاك إلَّا لشرف النسبة وفضل الإضافة للحضرة النبويَّة، بل والأعجب أن جزءًا من هذه المدارية انتقلت إلى هؤلاء الأصحاب؛ إذ صاروا متبوعين أيضًا، فانتقل سر الشرف بالتسلسل والتبعية؛ فسمي الجيل التالي بالتابعين لأنهم رأوا من رأى النبي ﷺ، فكان النور الساري من المتبوع الأول هو المُفيض لخيرية التابع إلى يوم الدين..
ثم نجدُ أناسًا اختارهم الله تعالى وارتضاهم قرابة للنبي ﷺ وأهلاً لبيته، فكانوا هم أفضل أهل بيتٍ على الإطلاق، نزل فيهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(الأحزاب: 33). وهم أهل القربى الوارد ذكرهم في قوله تعالى على لسان نبيِّه ﷺ ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾(سورة الشورى: 23)، وفي الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القَصواءِ يَخطُبُ فسمعتُه يقول: «يا أيها النّاسُ، إنِّي قد تَرَكتُ فيكم ما إن أَخَذتم به لَن تَضِلُّوا: كِتابَ اللهِ، وعِترَتِي أَهل بَيتِي» (رواه الترمذي). وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أَحِبُّوا اللهَ لِما يَغذُوكم مِن نِعَمِه، وأَحِبُّونِي بحُبِّ اللهِ، وأَحِبُّوا أَهلَ بَيتِي لحُبِّي» (رواه الترمذي).
ثم نجدُ نساءً تزوجَّ بهنَّ النَّبيُّ ﷺ فصرن أمهات للمؤمنين؛ قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (الأحزاب: 6)، وقال تعالى في خصوصيتهن وما اكتسبنه من الشرف والفضل: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾(الأحزاب: 6)، فاكتسبت زوجاته ﷺ شرفًا مباينًا لسائر النساء بمجرد إضافة العلقة الزوجية للحضرة النبوية.
ثم نجد أمَّة بُعثَ فيها النَّبي ﷺ فكانت خير أُمَّة على الإطلاق؛ قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾(آل عمران: 110). ولم تنَل هذه الخيرية المطلقة بين الأمم لتأخر زمنها أو كثرة عدد منسوبيها، بل لأكرمية متبوعها ﷺ، كما أشار الإمام البوصيري:
| لَمَّا دعَا اللهُ داعِيْنَا لِطَاعَتهِ | باكْرمِ الرسُلِ كُنَّا اكْرم الامَمِ |
فأكرمية التابع إنما هي من أكرمية المتبوع، حتى تمنى كليم الله موسى عليه السلام أن يكون واحدًا من هذه الأمة لما علمه لها من الفضل والفخر؛ فعن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحى الله تعالى إلى موسى نبي بني إسرائيل أنه من لقيني وهو جاحد بأحمد أدخلته النار. قال: يا رب ومن أحمد؟ قال تعالى: ما خلقت خلقًا أكرم عليّ منه، كتبت اسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السماوات والأرض، وإن الجنة محرمة على جميع خلقي حتى يدخلها هو وأمته. قال: ومن أمته؟ قال: الحمَّادون يسبحون صعودًا وهبوطًا وعلى كل حال، يشدون أوساطهم ويطهرون أطرافهم، صائمون بالنهار ورهبان بالليل، أقبل منهم اليسير وأدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله. قال موسى: يا رب فاجعلني نبي تلك الأمة. قال: نبيها منها. قال: اجعلني من أمة ذلك النبي. قال: استقدمت واستأخرت، ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال» (حلية الأولياء، الحديث: 4524، 3/429).
– وفي مدارية الكلام: نجد أنَّ أفضل كلام في الوجود هو كلام نزل على النَّبيِّ ﷺ وخرج من فمه الشريف؛ وهو القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾(المائدة: 14- 16). وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾(مريم: 97).
إنَّ هذا الفضل الإلهي والشرف الرباني الممتد عبر الأشخاص والأماكن، قد انتظم كله في عقدٍ واحدٍ هو الزمان النبوي؛ إذ انصهر هذا الزمان -بذاته وعرضه، وبكل ما شمله من حياة رسول الله ﷺ، أو نسله، أو كلامه، أو أُمَّته، أو صحابته، وتابعيهم إلى يوم الدين- ليغدو (وحدةً زمانيةً كبرى) يُنسب شرفها ابتداءً وانتهاءً إلى الحضرة النبوية.
فهو ﷺ الخاتم الذي استغرق زمانه بقية الأزمان بقوله: «أنا العاقِبُ فلا نبيَّ بعدي»، وهو المبعوث بالرسالة المستوعبة للزمان والمكان بقوله: «كان النَّبيُّ يُبعَثُ إلى قومِهِ خاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ عامَّةً»، وتصديق ذلك في شمولية الرحمة الكونية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
ولأنَّ هذا الزمان النبوي لم يكن مقيدًا بعمرٍ جسديٍّ محدود، فقد ظلَّ وعاءً حاضرًا وحاضنًا لعمله ﷺ، وسريان كرمه في أمته عبر طورين وجوديَّيْن متصلَيْن:
الوجود الحسي (في حياته دنيويًّا): حيث التشريع والشهود المباشر.
الوجود الشهودي (في برزخه): حيث النظر الدائم لأمته، مصداقًا لقوله ﷺ: «حياتي خيرٌ لكم تُحدِثون ويُحدَث لكم، ومماتي خيرٌ لكم تُعرَض عليَّ أعمالكم؛ فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم».
ومن المقرر في قواعد المنطق أن «ما بالذاتِ يتقدَّمُ على ما بالعَرَضِ»؛ فإذا كانت الذات النبوية الشريفة هي الأصل المفيض لسريان الشَّرف، وكان الزمان هو العَرَض والمظروف الذي حلَّت فيه؛ فإن الاحتفاء بالزمان الذي شَهِد أصل هذه المدارية وهو يوم المولد، هو في حقيقته الفلسفية احتفاءٌ بالأصل المفيض لشرف الذات، وليس مجرد تعظيم للظرف الزمني المجرد عن معناه.
ولأجل هذه المركزية المطلقة، غدا الزمان النبوي هو القُطْب الذي دارت حول فلكه أزمنة الماضي، والحاضر، والمستقبل، عبر ثلاث حركات منطقية متكاملة:
الحركة الأولى: حركة الترقب والتبشير: وهي حركة سابقةٌ على الوجود الحسي، تجلَّت في بشارة عيسى عليه السلام: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، وتجلت في استفتاح اليهود بيوم ظهوره قبل وقوعه: ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ بما يؤذن بعظمة الحدث الذي جعل الأمم السابقة تعيش في حالة من التشوق والتشوف لزمانه قبل مجيئه.
الحركة الثانية: حركة الشهود التام: وهي الذروة الوجودية التي تمثلت في القرن النبوي؛ حيث عاشه أصحابه حسيًّا، فكانت حياتهم معه احتفالاً استغراقيًّا دائمًا لم ينقطع.
الحركة الثالثة: حركة الاستحضار والشكر: وهي التي بدأت بانتقاله ﷺ من الوجود الحسي إلى الوجود الروحي؛ حيث انتقلت الأمة بالتبعية المنطقية من مقام الشهود إلى مقام الاستحضار، إعمالاً لأصل الشكر المتتالي على أصل النعمة، والذي يتجسد في إحياء ذكرى المولد النبوي.
والحركة الأولى والثالثة مرتبطتان -وجودًا وعدمًا- بالحركة الوجودية المباشرة؛ بل هما متوقفتان عليها كليًّا؛ مما يدل على أن تلك الحركة اشتملت على أعظم حدث، وأن كل حدث وكل تجلٍّ لاحق أو سابق، إنما هو فرعٌ عن التجلي الأعظم، وهي نقطة بزوغ النور الأولى التي ظهر فيها النبي ﷺ حِسِّيًّا للدنيا: لحظة الميلاد.
فلحظة المولد الشريف هي أساس كل شرف وقع في الوجود؛ فكل فضلٍ تشهده الأمة في أي زمانٍ بعد زمان الميلاد، هو في الحقيقة مدينٌ لتلك اللحظة؛ ولذلك، تُعد هذه اللحظة سيدة اللحظات وهذا الزمان هو سيد الأزمان، وتتفاضل الأزمنة اللاحقة بحسب قربها من نقطة الميلاد والشهود؛ فيكون أكثر الأزمنة فضلاً هو أقربها عهدًا بتلك اللحظة، ثم الذي يتلوه، ثم الذي يتلوه.. وهكذا.
وقد صاغ النبي ﷺ هذه الفلسفة الوجودية العظمى للتراتب الزمني في أوجز عبارة وأدق منطق حين قال: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، وذلك لعلمه ﷺ بقدر هذه النعمة وجلالة هذا الحدث.. فقال ذلك متحدثًا بفضل الله عليه وبنعمة ربِّه لديه.
ولم يكتفِ بمجرد إخباره بذلك قولاً؛ بل قدَّم مظهرًا عمليًّا تطبيقيًّا لشكر هذه النعمة والفرح بها؛ فكان يصوم هذا اليوم حسبة لله، وعندما سُئل النَّبيُّ ﷺ عن صيام يوم الإثنين، علل ذلك بقوله: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ» (رواه مسلم).
يقول العلامة ابن رجب الحنبلي رحمه الله: [«ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَأُنزِلَت عَليَّ فِيهِ النُّبوَّة»: إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد ﷺ لهم وبعثته وإرساله إليهم كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾(آل عمران: 164)، فإنَّ النعمة على الأمة بإرساله أعظم من النعمة عليهم بإيجاد السماء والأرض، والشمس والقمر، والرياح، والليل والنهار، وإنزال المطر، وإخراج النبات، وغير ذلك، فإنَّ هذه النِّعم كلها قد عمَّت خلقًا من بني آدم كفروا بالله وبرسله وبلقائه فبدلوا نعمة الله كفرًا، فأمَّا النعمة بإرسال محمد ﷺ فإنَّ بها تمت مصالح الدنيا والآخرة، وكمل بسببها دين الله الذي رضيه لعباده، وكان قبوله سبب سعادتهم في دنياهم وآخرتهم، فصيام يوم تجددت فيه هذه النعم من الله على عباده المؤمنين، حسنٌ جميلٌ، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر] اهـ. (لطائف المعارف، ص: 96)
كان من الممكن ألا يخبرهم النبي ﷺ ويجعل هذا بينه وبين ربه، بل جعل هذا مظهرًا للاحتفاء والفخر والسرور «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ» أي إن علة صيامي في هذا اليوم أني ولدتُ فيه؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِك فَلْيَفْرَحُوا﴾، فالتعليل هنا يربط العبادة بالظرف الزمني ربط العلة بمعلولها، وكان يكرر ذلك كل يوم إثنين من كل أسبوع، فإذا كان تكرار الزمان الدوري (الأسبوعي) يقتضي تكرار الشكر لعلة المولد، فإن التكرار الدوري (السنوي) يندرج منطقيًّا تحت العلة ذاتها.
فإذا كان المقصد الأصلي -وهو الفرح بظهور النور النبوي، وشكر الله على أعظم نعمة أُهديت للبشرية- مطلوبًا شرعًا ومأمورًا به في كليات الكتاب والسنة، فإنَّ كل وسيلة مباحة تُفضي إلى تحقيق هذا المقصد وتستدعي معانيه في القلوب تأخذ حكم المقصد نفسه وجوبًا أو ندبًا.
وإذا كان النبي ﷺ اختار الصوم -وهو عبادةٌ شاقة- مظهرًا وشُكرًا على ظرف ظهور ذاته الشريفة؛ فإنَّ ما دون الصوم من القُرُبات، وما هو أيسر منه من قبيل العادات المباحة، أولى وأكد في استظهار الفرح والابتهاج، بالقياس الأولي.
قال الإمام ابن الحاج المالكي: [انظر -رحمنا الله وإياك- إلى ما خص الله تعالى به هذا الشهر الشريف ويوم الاثنين، ألا ترى أنَّ صومَ هذا اليوم فيه فضلٌ عظيم؛ لأنه ﷺ وُلد فيه، فعلى هذا ينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أنْ يُكَرَّمَ ويُعَظَّمَ ويُحْتَرَمَ الاحترام اللائق به؛ وذلك بالاتباع له ﷺ في كونه عليه ﷺ كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات] اهـ (“المدخل” (2/ 2-3).
وعلى ذلك: فإنَّ الاحتفالَ بالمولد النبويِّ تطبيق عمليٌّ لفلسفة تعظيم الزمان النبويِّ، وتفعيلٌ أصيل لمركزيَّة الذات الشريفة التي جعلها اللهُ مَدارَ الأفضلية في الكون، ومُكْسِبَة الشَّرَفِ للزمان والمكان والأشخاص.
ولحظة المولد هي التجلي الأعظم ومَبْدأ كل فضل وسعادة في الوجود، والاحتفال بها، وإحياء ذكراها بألوان القُرُبات، هو أثرٌ منطقيٌّ لازمٌ لمحبَّته ﷺ، وشُكْرٌ مَوصولٌ على أعظم نعمة وأَجَلِّ رحمة أُهْدِيَتْ للعالمين.


