تُزوِّد الأزهارُ البعوضَ بالرحيق، وهو مصدر غذائي أساسي. لا تستهِن أبدًا بقوة الفطريات؛ فهي قادرة على تحويل النمل إلى “زومبي”، ومساعدة شخصيات خيالية كـ”سباكين” على النمو، بل وتبدو أحيانًا كأصابع مخيفة. واليوم، تُستخدم سلالة فطرية مُعدَّلة حديثًا تعتمد على قوة الرائحة للقضاء على أخطر حيوان على وجه الأرض: البعوض.
تقتل الأمراض التي ينقلها البعوض، مثل الملاريا وحمى الضنك، آلاف الأشخاص سنويًّا. ففي عام 2023 وحده، أودت الملاريا بحياة أكثر من 500 ألف شخص في 83 دولة. وغالبًا ما يصعب السيطرة على هذه الأمراض، خاصة مع تزايد مقاومة البعوض للمبيدات الكيميائية التي كانت فعّالة في السابق.
ومع ذلك، قد يكون “محاربة الطبيعة بالطبيعة” أحد الحلول. إذ يمكن استخدام فطر يُسمى “ميتا رهيزيوم” لتعطيل نطاف البعوض ومنعها من نشر الأمراض، كما يمكن أن يُستخدم لاصطياد هذه الحشرات وقتلها.
وبما أن البعوض ينجذب إلى الأزهار، ابتكر فريق من الباحثين سلالة جديدة من هذا الفطر تُحاكي رائحة الأزهار الزكية. وتأتي هذه الرائحة من مادة كيميائية تُسمى “لونجيفولين”، وهي موجودة في أنواع عديدة من الأزهار. وقد استُخدم الفطر المُستنبت في المختبر لإنتاج هذه المادة بهدف جذب البعوض الماصّ للدماء إلى حتفه، وذلك وفق دراسة نُشرت مؤخرًا في مجلة “نيتشر ميكروبيولوجي”.
وقال ريموند سانت ليجر، أحد المشاركين في الدراسة وعالم الحشرات بجامعة ماريلاند: “تحتاج البعوض إلى الأزهار لأنها توفر لها الرحيق، وهو مصدر غذائي أساسي، وهي تنجذب إليها عبر الروائح”.
وأضاف: “بعد ملاحظتنا لقدرة بعض الفطريات على خداع البعوض وجعله يظنها أزهارًا، أدركنا أنه يمكننا تعزيز هذه الجاذبية عبر هندسة الفطر لإنتاج المزيد من اللونجيفولين، وهو مركّب عطري شائع في الطبيعة. وقبل هذه الدراسة، لم يكن معروفًا أن هذه المادة تجذب البعوض”.
وبمجرد وضع جراثيم الفطر في وعاء، تبدأ مادة اللونجيفولين بالانبعاث تدريجيًّا، ما يجعلها فعّالة لعدة أشهر. وعندما يقترب البعوض من الفطر، يُصاب به ويموت خلال أيام قليلة.
وقد أظهرت الاختبارات المعملية أن هذا الفطر قضى على ما بين 90% و100% من البعوض، حتى في بيئات واسعة تتنافس فيها روائح البشر والأزهار الطبيعية. وعلى الرغم من فاعليته القاتلة للبعوض، فإنه لا يُلحق ضررًا بالبشر، إذ تُستخدم مادة اللونجيفولين أصلاً في صناعة العطور.
وهذا يجعله أكثر أمانًا من كثير من المبيدات الكيميائية، فضلاً عن أن تصميم الفطر وحاوياته يستهدف البعوض تحديدًا دون غيره من الحشرات. كما أن هذه المادة تتحلل طبيعيًّا في البيئة.
ويُرجَّح أن يكون هذا الحل أكثر استدامة، إذ يصعب على البعوض تطوير مقاومة ضده. فلو حاول تجنّب اللونجيفولين، فسيضطر في المقابل إلى تجنّب الأزهار، وهي مصدر غذائه الأساسي، ما يجعله في معضلة بيولوجية معقدة.
وتُستخدم أشكال أخرى من هذا الفطر حول العالم بوسائل بسيطة، مثل مزجه بمواد رخيصة كفضلات الدجاج أو قشور الأرز أو بقايا القمح. وقد يُسهم انخفاض تكلفة هذا الفطر وسهولة استخدامه في تقليل الوفيات الناجمة عن أمراض البعوض، خاصة في المناطق الفقيرة التي يُتوقع أن تتفاقم فيها هذه الأمراض بسبب تغيّر المناخ.
ويعمل الفريق البحثي حاليًّا على إجراء تجارب ميدانية واسعة لتقييم هذه الطريقة تمهيدًا للحصول على الموافقات التنظيمية.
ويختم سانت ليجر بقوله: “لسنا بصدد إيجاد حل سحري واحد، بل نسعى لتطوير مجموعة مرنة من الأدوات التي يمكن للناس في مختلف أنحاء العالم استخدامها وفق احتياجاتهم، بهدف إنقاذ الأرواح”.
المصدر:
https://www.popsci.com/environment/natural-mosquito-trap-fungus/


