الرؤى المنامية هي التصورات أو الأحداث التي يراها الإنسان أثناء نومه، وغالبًا ما تكون عبارة عن تجارب حسّية وعاطفية تتراوح بين المشاهد العادية والخيالات غير المنطقية. وتختلف الرؤى المنامية من حيث طبيعتها وتفسيرها بناءً على الثقافة والمعتقدات الشخصية والدينية.

الرؤى المنامية في الطب النفسي المعاصر

تُعدّ الرؤى المنامية في الطب النفسي المعاصر، تعبيرًا عن العقل اللاواعي، حيث يُعتقد أن الأحلام قد تكون وسيلة لتفريغ التوترات العاطفية والنفسية، أو لمعالجة التجارب اليومية. غير أن بعض المدارس النفسية، مثل مدرسة التحليل النفسي لفرويد، تفسّر الأحلام على أنها وسيلة لفهم الرغبات المكبوتة والصراعات الداخلية. وبالتالي، إن تعبير المنام وتفسير الحلم، يتم وفقًا لرموز معينة تختلف بحسب الثقافة أو المرجعية الدينية، ويُعدّ هذا الفن جزءًا من التراث الشعبي والديني، ويُستخدم لفهم الرسائل المحتملة التي قد تحملها الرؤى.

ومن الناحية الفسيولوجية، تحدث معظم الأحلام في فترات من النوم تُعرف بالنوم النشط أو نوم حركة العين السريعة (REM)، والحلم عبارة عن سلسلة من الأحداث تبدو للرائي كما لو كانت حقيقية وقتها، ويتم نسيان معظم الأحلام خلال دقائق من حدوثها.

ولعل ضعف ذاكرة الأحلام يحمل حكمة عظيمة، وذلك لحمايتنا من اختلاط ذكرياتنا للأحداث الحياتية الحقيقية بتلك الخاصة بالأحلام؛ إذ يصعب حينئذ على الإنسان التفريق بين الأحداث الواقعية وتلك التي تحدث أثناء الأحلام. هذا، وبعض الأشخاص قد لا يتذكرون أحلامهم مطلقًا.

الرؤى المنامية في الديانات والحضارات القديمة

تُعطي العديد من الثقافات والديانات القديمة أهمية كبيرة للرؤى المنامية، حيث تُعتبر وسيلة للتواصل مع العالم الروحي أو تنبؤًا بمستقبل الشخص أو الجماعة.

وفي الحضارات القديمة، مثل الحضارة اليونانية والمصرية، كان تفسير الأحلام ذا مكانة عالية، وكان يُستشار مفسرو الأحلام لتوجيه الأفراد في قراراتهم.

وفي العهد القديم -وهو المرجع الديني الرئيس لدى اليهود والنصارى- ورد ذكر كثيرٍ من الأحلام والرؤى التي تحققت، وبعضها صحيح بتصديق القرآن الكريم له، مثل الرؤى التي وردت في قصة سيدنا يوسف عليه السلام.

أما عند الهندوس، فقد وُجدت مخطوطة من القرن الخامس قبل الميلاد تُدعى “أترافافيدا” تحتوي على فصل كامل للأحلام ورسائلها إلى البشر. كما ذكرت النصوص المقدسة لدى البوذيّين حلمًا نسبوه إلى بوذا، اعتبروه أساس عقيدتهم في التناسخ.

الرؤى المنامية رموز ودلالات

الرؤى لغة مصورة يجب الاجتهاد في فك رموزها ومعرفة مفرداتها، ثم ربطها بالواقع المعيشي للرائي. ومن هنا كان تفسير الأحلام من المعارف القديمة التي اهتمت بها الأمم السابقة.

والذي نؤكد عليه هنا، أن المسلمين كانوا أول من ضبطوا الرؤى ووضعوا لها المصنفات المنهجية تحت مسمّى علم التعبير، الذي يعتمد على النزعة التكاملية من جمعٍ للرموز كلها ومعرفة حال الرائي.

وهكذا فإن علم التعبير من العلوم الإسلامية القديمة، وقد اشتهر بعض علماء المسلمين بمهارة متميزة في هذا العلم، وكان من أبرزهم محمد بن سيرين في القرن السابع الميلادي، ثم تلاه أئمة كثيرون برعوا في هذا الفن.

الرؤى المنامية في القرآن الكريم والسنة النبوية

جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لم يبقَ بعدي من النبوة إلا المبشِّرات”، قالوا: يا رسول الله وما المبشِّرات؟ قال: “الرؤيا الصالحة يَراها الرجلُ أو تُرى له” (رواه الإمام أحمد).

وينقسم ما يراه الرائي إلى ثلاثة أقسام أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: “إذا اقترب الزمانُ لم تَكدْ تَكذِبُ رُؤْيا المؤمن، ورؤيا المؤمن جزء من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يَكذِبُ” (رواه البخاري).

فكلما كان المرء أكثر إيمانًا وتقوى، كانت رؤياه أكثر صدقًا وتحقّقًا. والرؤيا الصالحة الصادقة يُطلع الله بها النائمَ على ما جهله في يقظته، فالمؤمن يرى الرؤيا أو تُرى له، فتكون بشرى بخير أو ناهية عن شر. ولقد ذكر القرآن الكريم العديد من الرؤى المنامية، منها:

1- في سورة الأنفال قال تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)(الأنفال:43).

2- في سورة يوسف عليه السلام قال تعالى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)(يوسف:4).

3- في سورة يوسف عليه السلام أيضًا قال تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)(يوسف:36).

4- وفي سورة يوسف عليه السلام كذلك قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)(يوسف:43).

5- وفي سورة الصافات ذكرت رؤيا ابتلاء إبراهيم الخليل عليه السلام بذبح ولده إسماعيل عليه السلام، قال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)(الصافات:102).

6- وفي سورة الفتح جاءت رؤيا البشرى العظيمة التي تحقّقت بأداء عمرة القضاء ثم الفتح والنصر، قال تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا)(الفتح:27).

ومن نافلة القول: إن الرؤى المنامية موضوعٌ غني بالمعاني والدلالات، يجمع بين الطب النفسي والثقافات المختلفة والنصوص الدينية؛ إذ قد تحمل رسائل من العقل الباطن أو تنبيهات من الله تعالى كما في النصوص الدينية، وقد يستخدمها الناس كأداة للتفكر والتأمل، أو حتى لاتخاذ قرارات مهمة في حياتهم.

وسواء أتمّ تفسير الرؤى المناميّة كرسائل من العقل الباطن أو كإشارات ذات دلالاتٍ روحيّة، فإنّها ستبقى جزءًا من صميم التجربة الإنسانيّة وواقعها.

(*) دكتوراه في الفقه الإسلامي وأصوله / سوريا.