الشيخ مصطفى إسماعيل.. قارئ الملوك والرؤساء

وُلِد الشيخ مصطفى إسماعيل بقرية ميت غزال بمحافظة الغربية عام 1905، وتوفي في شهر ديسمبر عام 1978، بعد رحلة امتدت ثلاثة وسبعين عامًا، عاش معظمها في خدمة القرآن الكريم. وكعادة أبناء القرية المصرية، التحق بكتاب القرية وهو في الخامسة من عمره. وكان والده فلاحًا بسيطًا، لكنه حرص على أن يحفظ ابنه القرآن الكريم. وقد تميز الشيخ مصطفى إسماعيل بين طلاب الكُتّاب، كما روى عنه معلمه ومحفظه الشيخ عبد الرحمن النجار، الذي أشاد بسرعة حفظه للقرآن، وحلاوة صوته، وتمكنه في التلاوة. وقد أتم حفظ القرآن الكريم وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره.

وفي إحدى المرات سمعه أحد الشيوخ الكبار، فتنبأ له بمستقبل باهر عندما استمع إلى صوته وطريقته في التلاوة، وسأل عن أهله، ثم ذهب إلى جده ونصحه بإرسال حفيده إلى المسجد الأحمدي بمدينة طنطا ليدرس أحكام التجويد والترتيل. وقد انتظم في الدراسة فترة، ثم تركها بعد أن تجاوز نصفها بقليل، واتجه إلى تلاوة القرآن في إحياء الليالي والمآتم والحفلات. وبدأ الإقبال عليه يزداد سريعًا، حتى ذاع صيته بين الناس، وتفوق على أقرانه لعذوبة صوته وأدائه النادر.

سر شهرته

وكان لشهرته حادثة ربما بدت سيئة في ظاهرها، لكنها أصبحت سر ذيوع صيته وانتشاره. فقد كان للشيخ صديق مقرب من أحد الأعيان يُدعى القصبي، وبعد وفاة هذا الصديق ذهب مصطفى إسماعيل لحضور مأتمه. وكان الشيخ محمد رفعت جالسًا يقرأ القرآن، فلما انتهى جلس الشيخ مصطفى مكانه، فأنكر عليه بعض الحاضرين ذلك، لكن الشيخ رفعت أشار إليه أن يقرأ. فقرأ الشيخ مصطفى أكثر من ساعة ونصف بصوت جذب الحضور وأثار إعجابهم، فأثنى عليه الشيخ محمد رفعت وقال له: «أنت صوت مميز، ولك موهبة خصك الله بها عن غيرك، لكنك تحتاج إلى الدراسة بالمعهد الأحمدي، ولن تكون مثل غيرك، بل سيرتفع شأنك وقدرك». وقد صدقت نبوءة الشيخ محمد رفعت بالفعل.

ولم يكن الشيخ مصطفى إسماعيل يمتلك الصوت الرخيم فحسب، بل امتلك إلى جانب ذلك مقومات أخرى أضفت على صوته قوة وزادته جمالًا. فقد تعددت معارفه، واتخذ من الدرس والدراسة سبيلًا للوصول إلى أقرب درجات الكمال. وكان من أقدر أبناء عصره على فهم معاني القرآن الكريم، فكان يطوع صوته بين آيات الترغيب والترهيب؛ فيأخذك صوته إلى أجواء أهل الجنة، ويصور لك أيضًا مشاهد أهل النار.
وكان قادرًا على الإبحار في أنغام القرآن وموسيقاه، ولم يسع إلى الشهرة، بل سعت الشهرة إليه، وحلقت به بعد أن حققها في قرى ومراكز محافظة الغربية. وكان مدرسة قائمة بذاتها في فن التلاوة، وسار على نهجه كثير من المقرئين حتى يومنا هذا.

اكتشفه الشعشاعي

وبحسب ما رواه الشيخ مصطفى إسماعيل في حديث له بإذاعة القرآن الكريم، فإن الذي اكتشفه هو الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، إذ جاء به من قرية ميت غزال التي ولد بها إلى سراي عابدين لإحياء ليالي شهر رمضان عام 1943، ثم إلى سراي رأس التين بالإسكندرية عام 1945. وكانت تلك بداية شهرته الواسعة، التي أسهم فيها أيضًا إحياؤه لليالي رمضان من مسجد السيدة زينب ومسجد الإمام الحسين. ثم أصبح قارئًا للجامع الأزهر حتى وفاته عام 1978.

وقد بلغ عدد محبي الشيخ مصطفى بالملايين. ومنذ عصر الملكية كانت الحكومة المصرية تحرص، كتقليد سنوي، على إيفاد بعثات من القراء إلى عواصم الدول الإسلامية لإحياء ليالي رمضان وإمتاع المسلمين بفن رواد مدرسة الترتيل المصرية، وكان الشيخ مصطفى على رأس هؤلاء القراء. فطاف بعواصم البلاد العربية والإسلامية، وجلجل صوته في أشهر مساجدها. وقرأ في استاد باكستان ليستوعب الجماهير التي احتشدت لسماعه، كما قرأ في المركز الإسلامي في باريس، وفي لندن، وفي الولايات المتحدة. وحظي بتقدير الملوك والرؤساء، وكان أول قارئ للقرآن ينال وسام العلوم والفنون عام 1965 في الاحتفال بعيد العلم.

مقرئ الملك

في عام 1934 كانت المرة الأولى التي قرأ فيها الشيخ مصطفى إسماعيل في حفل مولد الإمام الحسين، وذلك عندما تغيب الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي. وهناك التقى بالشيخ محمد الصيفي، الذي رغب في انضمامه إلى رابطة المقرئين، وطلب منه حضور حفل الإذاعة بمناسبة مولد الإمام الحسين. وقد حضر مصطفى إسماعيل بالفعل، ولم يكن مستعدًا لإحياء الحفل لولا غياب الشيخ الشعشاعي، فطلب منه الشيخ الصيفي أن يجلس مكانه ويتلو القرآن إنقاذًا للموقف. وقد نقلت الإذاعة المصرية تلك التلاوة، فاستمع إليها الملك فاروق وأُعجب بصوته، وأصدر قرارًا بتعيينه القارئ الرئيسي للقصر الملكي، ثم عُين بعد ذلك بوزارة الأوقاف.

ويقول المؤرخ كمال النجمي: «لقد كان الشيخ مصطفى إسماعيل يمتلك صوتًا فذًا واسع المساحة، وكانت له حصيلة من العلم بالمقامات لا مثيل لها عند أحد من المقرئين. فكان يبرز جمال الآيات وإعجازها، وينتقل بين المقامات الأصلية والفرعية ببراعة فائقة، مع التزام بأصول علم القراءات ومعاني الآيات. وكانت تلاوته تنسق هذه الألوان المقامية في أسلوب مكّنه من الاستحواذ على الأسماع».

عالمية الشيخ

انطلق الشيخ مصطفى إسماعيل، وذاع صيته في العالم العربي والإسلامي، وأصبحت علاقته طيبة بالرؤساء بعد ثورة يوليو 1952، بدءًا من الرئيس محمد نجيب الذي عيّنه القارئ الرسمي للدولة، ثم الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يداعبه ويمازحه، وحتى الرئيس أنور السادات الذي كان محبًا له، واصطحبه في زيارته إلى بيت المقدس، كما رافقه في رحلاته إلى عدد من دول العالم مثل لبنان وإندونيسيا وسوريا وغيرها. وقد قرأ الشيخ في لندن وميونيخ وباريس، ليصبح بحق قارئ الملوك والرؤساء في تلك الحقبة الزمنية.

وفاته
كان افتتاح مسجد البحر بدمياط آخر تلاوة للشيخ مصطفى إسماعيل، حيث أصيب بعدها بانفجار في المخ، ودخل في غيبوبة استمرت أكثر من ثلاثة أيام، ثم فاضت روحه إلى بارئها في 22 ديسمبر 1978. ودُفن في قريته ومسقط رأسه ميت غزال مركز طنطا بمحافظة الغربية، كما أوصى قبل وفاته بالمحافظة على أعمال الخير والمساعدات التي اعتاد تقديمها في حياته، واستمرار ما كان يقدمه من نفحات البر والإحسان.

الهوامش:
1 ـ مصطفى إسماعيل.. حكاية ابن قرية ميت غزال ـ رحاب الخضري ـ جريدة الوفد ـ 4 مايو 2020.