ما معنى أن يعيش الإنسان بلا هدف يرجوه أو خير يبتغيه.. وإن كان هذا سائغًا في عُرف الناس بعامة فغير سائغ للمسلم الذي يرجو الله واليوم الآخر.

معلوم أن الدنيا بمتعها وإن طالت فهي زائلة، وإن حلت فهي حقيرة؛ والعاقل من يتعامل فيها بحكمة فيتخذها مزرعة للآخرة يبيض بها صحيفته ولا يركن إليها فهي له مطية وصدق الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه حين وجَّه للتعامل الراشد في هذه الدنيا، يقول ابن عمر رضي الله عنهما أخَذَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمَنْكِبِي، فَقَالَ: “كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ“.[1]

كيف يكون العمل صالحًا؟

والعمل الصالح ليس غيره من الأعمال، ولا يوسم العمل بالصلاح إلا بتحقق أمرين؛ الأول: أن يكون وفق الشرع الإسلامي، الثاني: أن يكون المقصود به مرضاة الله وطاعته، فإذا فقد العمل هذين الشيئين أو أحدهما لم يكن مرضيًّا عند الله، وبالتالي لا أجر فيه ولا ثواب، قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}[2]، المقصود بالعمل الصالح العمل الصحيح، أي: الموافق للشرع الإسلامي، والخالص لوجه الله تعالى.

مغالطة في فهم العمل الصالح:

ومن المغالطات التي حيكت وتلقتها قلوب فارغة أن الأعمال الصالحة تدور في فلك المسجد وما يتعبد به المسلم الله من فرائض ومستحبات ولا علاقة لها بميدان العمل الدنيوي الذي جعلوه في مقابلة العمال الأخروي لينزوي المسلم معتكفًا متزهدًا.

وهذا الفهم المغلوط أنتج خلقًا مشوهًا وأفرز عقولاً تائهة وأفكارًا سلبية لأنهم ضيقوا بها مفهوم العبادة الذي يسع الحياة..

والصواب في الأمر أن العمل الصالح ميدانه الحياة كلها برها وبحرها سماؤها وأرضها متى توافرت شروطه التي مرت وأركانه التي استقرت، وفي هذا يقول الغزالي -رحمه الله تعالى-: “إن العمل الجاد الذي تعمر به الحياة وترقى، هو أن ينصر كل منا الإسلام في ميدان تخصصه بالإنجاز فيه والإنتاج والإبداع، ويضيف: “من المستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة إذا كان أصحابه جهالاً بالدنيا عجزة عن الحياة. وإنه لفشل دفعنا ثمنه باهظًا عندما خبنا في ميادين الحياة، وحسبنا أن مثوبة الله في كلمات تقال، ومظاهر تقام. إن الله لا يقبل تدينًا يشينه هذا الشلل المستغرب، ولا أدري كيف نزعم الإيمان والجهاد ونحن نعاني من هذه الطفولة التي تجعل غيرنا يداوينا، ويمدنا بالسلاح إذا شاء”[3].

من ثمرات العمل الصالح:

وخير ما ينشغل به المسلم العمل الصالح الذي يعبر به آفاق الدنيا فيرى ثوابه أمام عينه ويرى الجنة وقد تهيأت، والحور تزينت.. أبوابها مفتَّحة تنتظر من جَهِدَ نفسه في الطاعة ليرى نتيجة عمله الذي قدمه.. يحيا في الدنيا وهو ينتظر نداء الرحمن له: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ)[4] أي: كلوا معشر من رضيت عنه، فأدخلته جنتي من ثمارها، وطيب ما فيها من الأطعمة، واشربوا من أشْرِبتها (هنيئًا): جزاء من الله لكم، وثوابًا على ما قدّتم في دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعة الله.

ومن يتتبع آيات القرآن يجدها ناطقة بما أعده الله لعباده جزاء عملهم الصالح الذي قدموه؛ فالعمل الصالح إذًا دليل وبرهان على صدق الإيمان بالله الذي لا يكون بالكلام والادعاء.

تأمل معي قول الله تعالى: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) أي: ليست هذه دليلاً على محبتنا لكم، ولا اعتنائنا بكم؛ ويؤكد هذا قول النبي فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”[5].

ومن يدقق النظر في الآية يجدها استثنت هذه الطائفة التي لا يخلو منها عصر ولا زمان: (إلا من آمن وعمل صالحا) أي: “إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح، (فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا) لاحظ قوله (بما عملوا) فالعمل إذًا هو الفيصل وهو هنا ليس كغيره من الأعمال إنما عمل موسوم بالصلاح أي: تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف وأمنوا العقوبة (وهم في الغرفات آمنون) أي: في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى[6]، ومن كل شر يحذر منه.. كل هذا نتيجة أعمالهم الصالحة التي حرصوا عليها وانشغلوا بها ولم يضيعوا وقتًا لهثًا وراء الأضواء وجمع الألقاب والرياء، بل أخلصوا العمل له فكان الجزاء من جنس العمل.

ومن ثمرات العمل الصالح أيضًا أنه يخلصك من ربقة الدنيا فلا تقع في أسرها، بل تتخلص منها بها، يقول محمد بن سلام الجمحي قيل لأبي الزناد: “لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: “إنها وإن أدنتني منها، فقد صانتني عنها”.[7]

العمل الصالح والتأدب مع الله:

وبعد فلا يفوت على مؤمن حصيف أن ما يُسِرَ له من أسباب العمل الصالح والاشتغال به إنما هو فضل وعطاء من الله فهو المتفضل أولاً وآخرًا، ومن ثم فلا يتعاظم به على الخلق ولا يتكبر بعمله على إخوانه ولا يمن على أحدٍ وفي هذا يقول الأستاذ كولن في أحد دروسه في معرض إجابته عن سؤال: ماذا يعني اتّساع الأفق الفكري؟ يقول: “فإنه ينبغي للإنسان مهما ارتفعَ وارتقى باعتبار أفقِهِ الفكريّ والإمكانيّات التي حصلَ عليها، بل حتى وإن لامست هامتهُ الذرى؛ ألّا ينسى أبدًا أنّ الله هو المحسِنُ عليه بهذا كله…”[8].

 وما من شك في أن ما ينطبق على اتساع الأفق الفكري الذي هو فضل ومنة من الله ينطق على العمل الصالح الذي يوفق الله له من شاء من عباده.

الإيمان والعمل الصالح:

ويلفت الأستاذ إلى حقيقة جلية في رب القرآن الإيمان بالعمل الصالح فيقول: “إن القرآن الكريم تحدَّثَ عن العمل الصالح في معظم الآيات التي تحدث فيها عن الإيمان، فأشار بذلك إلى ضرورة أن يتزامنَ العملُ والحركة مع الفكر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾[9].

 فالإيمان إذًا ليس شيئًا خفيًّا -كما يشاع- بل يتضمن من يظهر من الأعمال لأن انفعال الجوارح يكون بما وقر في القلب، وبهذا تكون الأعمال الصالحة أو نقيضها دليل قاطع على الإيمان أو نقيضه، ولقد أحسن ابن القيم رحمه الله حين بين هذه الرابطة بقوله: “مَن تأمَّل الشريعة في مقاصدها ومواردها عَلِم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميَّز المؤمن من المنافق إلَّا بما في قلب كل واحد منهما؟ وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت، ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان”.[10]   

الأعمال الصالحة ونقاء الفطرة:

إن اشتغال المرء بالأعمال الصالحة لدليل قاطع على نقاء فطرته وبياض سريرته؛ فالعبد متى وقف عند حدود مولاه تولاه الله بالرعاية ولايزال يتقرب في سحائب اللطف الإلهي فيوفق للطاعة وتنساب عليه أسرار الكون تنجيه من المهلكات وترد عنه التبعات وتدفع عنه العقبات حتى ينجيه الله تعالى من شرور الخلق بحسن عمله وسماحة خلقه.

ولقد أكد الأستاذ كولن هذا الترابط البيّن بين نقاء الفطرة وحسن العمل حين قال: “وبينما تهدف كلُّ “الْمُنْجِيات” إلى حماية الفطرة الأصلية، ترمي كلُّ “الْمُهْلِكات” إلى إفساد الفطرة الأصلية؛ فليعمل الإنسان على تشييد حصون منيعة يُجابه بها الذنوب المهلكة، ويتحرى فيها الأعمالَ الصالحة دائمًا، وليبحثْ عن وسائل يحافظ بها على فطرته ويحفظها من أن تكون عُرضة للتلوث والفساد”.[11]

وبهذا يظهر أن الأعمال الصالحة بمثابة حصون منيعة تحفظ على المسلم فطرته وتقوي عزيمته ويظل هكذا حتى يلقى الله عز وجل.


[1]  (صحيح البخاري)

[2] (الكهف: 110)

[3] (مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها، للشيخ الغزالي)

[4] (الحاقة: 24)

[5] رواه مسلم وابن ماجه.

[6] (راجع تفسير الطبري بتصرف)

[7]  (المجالسة وجواهر العلم (337/5)

[8] (من مقال الأستاذ فتح الله كولن: اتساع الأفق الفكري).

[9]  (من مقال الأستاذ فتح الله كولن: اتساع الأفق الفكري) (سُورَةُ البَقَرَةِ: 25/2).

[10]  (بدائع الفوائد لابن القيم:4/287).

[11]  (من مقال الأستاذ فتح الله كولن بعنوان “شد الرحال لغاية سامية”)