الإيمان بأسماء الله وصفاته، من أصول الدين الإسلامي ومن قواعد التوحيد الحق، ولكن الأمر لا يقتصر على مجرد الإيمان بها ومعرفة مدلولاتها ومعانيها والالتزام بحفظها وترديدها، وإنما الأمر ويتعلق بأن يكون الأثر في حياة المسلم على المستوى الفكري والعملي، وذلك ببيان أثرها في السنن الإلهية المبثوثة في الكون والإنسان، ومدى الإفادة منها في حياتنا العملية في بناء الوعي الإيماني الذي يجعل الأمة تتقدم وتبني الحضارة.

مفهوم الأسماء والصفات

يقول الرازي: “الاسم مشتق من السمو أو من السِّمة، فإن كان من السمو وجب أن يكون كل لفظ دل على معنى من المعاني اسمًا، وإن كان من السِّمة فكل لفظ دل على معنى، فإنه سمة على ذلك المكان وعلامة عليه. فالاسم هو اللفظ الدال على الشيء بالوضع، بمعنى أن الله تعالى هو سمّى نفسه بها. وأسماء الله تعالى هي ما دل على ذات الله تعالى، وهي ما سمى الله تعالى بها نفسه وثبتت بالقرآن أو السنة. والاسم الأعظم، هو الاسم الجامع لجميع الأسماء، وقيل “هو الله” لأنه اسم الذات الموصوفة بجميع الصفات، فهو اسم الذات الإلهية”. وبالنسبة للصفات يقول الجرجاني: “الصفة هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، وذلك نحو طويل وقصير وغيرها، فهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها”.

يقول الله عز وجل في أعظم آية في كتابه: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة:255).

فقد تضمنت هذه الآية الكريمة جملة كبيرة من الصفات في النفي والإثبات، فأخبرت عن تفرده سبحانه بالإلهية واستحقاق العبادة، وأنه الحي بالحياة الذاتية الكاملة التي لا يطرأ عليها ما يضادها من عدم أو موت.

الفرق بين أسماء الله وصفاته

1- كل اسم من أسماء الله تعالى يدل على الذات وعلى الصفة، أما الصفة فتدل على أمر واحد فقط وهو صفة الكمال.

2- يمكن اشتقاق صفات من الأسماء، ولا يمكن اشتقاق أسماء من الصفات؛ فمثلاً “الرحيم” نشتق منها صفة “الرحمة”، ولا يمكن أن نشتق من صفة “الإرادة” اسم المريد.

3- لا يمكن اشتقاق أسماء من أفعال الله، ويمكن اشتقاق صفات من هذه الأفعال، فمثلاً: أمه يحب، يغضب، لا نستطيع أن نقول: المحب، الغاضب، ولكن نستطيع أن نثبت له صفة الحب، الغضب.

4- يمكن أن نسمي بالأسماء فنقول “عبد الرحمن”، ولكن لا نستطيع أن نسمي بالصفات كأن نقول “عبد الرحمة”.

5- ندعو الله بأسمائه لا بصفاته فنقول “يا رحمن ارحمنا” ولا نقول “يا رحمة الله ارحمنا”.

خصائص أسماء الله وصفاته

امتازت أسماء الله وصفاته بخصائص نذكر منها:

أ- أنها توقيفية، فلا يحق لأحد أن يطلق على الله تعالى اسمًا لم يسمِّ به نفسه ولم يرد في الكتاب أو السنة.

بـ- أنها غير قابلة للاشتقاق وخاصة صفات الأفعال، يقول ابن حزم: “لا يحل أن يشتق لله تعالى اسمًا لم يسمِّ به نفسه، وبرهان ذلك أنه تعالى قال: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) (الشمس:5)، فلا يحل لأحد أن يقول عن الله تعالى “البناء”.

جـ- أنها خاصة بالله، قال تعالى: (وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) (الأعراف:180). فلا يجوز أن يسمى غير الله تعالى بهذه الأسماء.

د- أن لها آثارًا في الآيات الكونية، وفي السنن الإلهية يراد منها الاستشعار بعظمته تعالى في الوحدانية، ويكون لها أثر نفسي وعقلي وقلبي ووجداني يفضي إلى الخشوع والخوف والرجاء والتوكل، يقوم السلوك ويؤدي إلى الامتثال لأوامر الله تعالى واجتناب معاصيه تعالى، وتوسع مدارك الإنسان في فهم المقاصد من خلق الكون.

علاقة الوعي الإيماني بمقاصد الأسماء والصفات

القرآن الكريم يربط بين السنن الإلهية وأسمائه وصفاته، يقول ابن عاشور في تفسيره: “إن الله تعالى خلق هذا العالم ليكون مظهرًا لكمال صفاته تعالى: الوجود، والعلم، والقدرة، وجعل قبول الإنسان للكمالات التي بمقياسها يعلم نسبة مبلغ علمه وقدرته من علم الله تعالى وقدرته، وأودع فيه الروح والعقل اللذين بهما يزداد التدرج في الكمال، وأرشده وهداه إلى ما يستعين به على مرامه، كما أنه جعل نظامه في هذا العالم متصل الارتباط بين أفراده”.

فقد جاء الإسلام بعقيدة توحيد الله في أسمائه وصفاته وألوهيته وربوبيته، ليعيد ذلك الرباط بينها وبين السنن الإلهية الماثلة في هذا الكون، وليهدم ذلك التصور الذي عرف في الفلسفة اليونانية أو غيرها مما كان سائدًا قبل الإسلام. فجاءت الآيات والأحاديث مذكرة بصفات الله وبعلمه وبقدرته وسائر أسمائه وصفاته. وكان منهج القرآن الكريم يلفت النظر إلى أهميتها في ترسيخ اليقين العقدي، وجعل اليقين أساسًا في الأقوال والأفعال الظاهرة منها والباطنة، وذلك من خلال تقبل الحق. فمعرفتنا أن محمدًا رسول الله يقينًا، تعلق بخبر مروي، كمعرفتنا بأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم التشريعية أو ما تعلقت بأفعال وأحداث تاريخية كمعرفتنا بكيفية حج الرسول صلى الله عليه وسلم وبغزواته وكيف كان يدعو أهل مكة.. وقد تتعلق هذه المعرفة بوجود الأعيان في ذواتها، كمعرفتنا بوجود مكة وأن فيها الكعبة. فالقرآن اهتم ببناء اليقين لدى المسلم في المعرفة والاعتقاد، ولا شك أن بناء اليقين في المعرفة مقدمة ضرورية لبناء اليقين في الاعتقاد.

فالتصور الإسلامي لحقيقة الوجود وفاعلية أسمائه وصفاته فيهما يعرضه على الإنسان بشكل واقعي ومنطقي، بحيث يشعر الإنسان بالاطمئنان النفسي والإقناع العقلي والتفاعل الوجداني، عكس ما تقدمه الآراء الفلسفية والفكر المادي الذي يقدم أفكارًا غير معقولة وغير مقبولة ولا تطمئن لها النفس، وإنما هي مجرد مصطلحات وأفكار مادية تصطدم مع الفطرة الإنسانية.

وكما يقول المفكر فتح الله كولن: “أما أسماء الله الحسنى فإنها أسماء تَعلَّمناها من رُسُلِ صاحب هذه الأسماء الذي تُشاهَد آثارُه في الكون، فمثلاً جمال الكون بيّن جليّ يحيط بالكون كله، ويعانق بعضه بعضًا، نشاهده في السهول والبساتين والجبال والأزهار والعيون والحواجب. والشعراء إنما ترنَّموا -ولا يزالون- بصورة هذا الجمال منذ آلاف السنين، لكنهم لم يعبّروا إلا عن جزء صغير مما يمكن أن يُذكَر ويقال عن الجمال؛ فهذا الجمال الذي أسرنا وعجزنا عن التعبير عنه حق التعبير، يستند إلى اسم الله تعالى “الجميل”.

فأي فكر يخرج عن منهج الله تعالى في الكون، لا يمكن أن يبقى في الوجود الحضاري، فتلك الحضارات اليونانية والرومانية والفارسية وغيرها كثير، قُدِّر لها الزوال والسقوط، ولن تغني عنها صناعتها وقوتها العسكرية، كما ذكر لنا القرآن هذه الحقيقة في قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عليهم أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (الأنعام:44).

بناء الوعي الإيماني في ضوء السنن الإلهية المتجلية في أسمائه وصفاته تعالى

السنن الإلهية الماثلة أمامنا في الكون وفي الإنسان، هي الأرضية الخصبة لتشكيل الوعي الإيماني من أجل فهم الحياة والوجود وحركة التاريخ. فبناء الوعي الإيماني يكون بين دفتي كتاب الله المقروء، وكتاب الله المنظور. والنظر في مقاصد الأسماء والصفات بعمق وفهم، هو الأسلوب الأمثل لتنمية الوعي بالذات والوصول إلى بناء الشخصية الحضارية التي بنى بها الأجداد حضارتهم، حيث كانت أسماء الله وصفاته حاضرة في كل حركاتهم وسكناتهم.

وبناء على ذلك، فإن الوعي الإيماني بأسماء الله وصفاته، هو المنطلق الأساسي لفهم الخطاب الرباني للبشر، فأول كلمة خاطب بها الله تعالى البشر هي كلمة “اقرأ” باسم الله الخالق، وكلمة “الخالق” خلفها كل أسماء الله وصفاته حاضرة. فباسم أسماء الله وصفاته كان الكون وكان الإنسان، حيث تشير الآية الكريمة إلى التأمل والتفكر في هذه المعاني وفي سر الخلق الذي كان من العدم، قال تعالى: (اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَـانَ مِن عَلَقٍ، اقْرَأ وَرَبُّكَ الأَكرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَم یَعلَمْ((العلق: 1-5).

فقد بينت الآية الكريمة أن الله وهو الكريم، قد تكرم على الإنسان بتعليمه العلم، سواء بالأدوات التي خلقها له وهي الحواس والعقل، أو التي أرشدها إليها بهدايته تعالى. كل ذلك يستوجب الشكر للمنعم مع الحرص على الامتثال لأوامره التي يهتدي بها.

فالوعي الذي نقصده، هو اكتشاف الإنسان لذاته ولقدراته وأفكاره ودوره في الحياة، وعلاقته بالإيمان والعقيدة الإسلامية التي من ركائزها الإيمان بتوحيد الله في أسمائه وصفاته، حيث ينطلق هذا الوعي من الذات، ويعمل على بناء المعرفة بناءً مستقلاًّ عن المعطيات الثقافية المبرمجة، وخارج حدود النظام الاجتماعي السائد، وذلك بُغية الحصول على أفضل إدراك للحقائق الموضوعية المختلفة. فالفهم الواعي يجعل المعرفة تتفاعل مع الوجدان وتنقاد إلى الحق.

فالقرآن الكريم هو المورد الأول في تكوين الوعي بالذّات، وبناء الشخصية الواعية بذاتها، وما يحيط بها من تحديات. ومنها أخذ العبر والعظات من خلال سنن الله في الكون، وهو منهج يعتمد على الاستدلال والاستقراء من خلال التاريخ والقصص الماضية، وإسقاطها على الواقع الذي يعيشه المسلم. فمثلاً الترويج والتحريف الذي كان يمارسه زعماء قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم باستخدام وسائل الإعلام المتاحة في ذلك الوقت، هو نفسه الهدف الذي يروِّج له أعداء الحق والفضيلة في عصرنا الحالي، فهذا الإسقاط التاريخي -كما يؤسسه القرآن الكريم- يُنمِّي الوعي ويوجهه، ليستمر المسلم المتيقن من ثقته في الله تعالى والمطمئن بإيمانه، في مواصلة دوره الدعوي، وأداء مهمته في عمارة الأرض وبناء الحضارة، وتجاوز سياسة التهجم والمواجهة.

وأخطر ما يهدد الوعي حالة “الإمَّعة” التي حذَّرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا تَكونوا إمَّعةً تقولون إنْ أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم إنْ أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإنْ أساؤوا فلا تظلِموا” (رواه البخاري)؛ لأن ذلك يعتبر تعطيلاً لعمل العقل الذي أشاد به القرآن الكريم في أكثر الآيات، واعتبر ذلك من الأسباب التي حجبت الناس عن الحق.

خطوات منهجية لترسيخ الوعي الإيماني

المنهج القرآني والنبوي هو الطريق الأسلم نحو الوعي الإيماني الذي على ضوئه يمكن مطالعة الكون المتجلية فيه أسماء الله تعالى وصفاته في كل جزئية من جزئياته، ومن خلالها نصل إلى معرفة الله تعالى. يمكن أن نلخص خطوات ترسيخ الوعي الإيماني فيما يلي:

1- التأطير العملي للوعي بأهمية الإيمان بالأسماء والصفات ومقاصدها، ذلك أن المعرفة المحصل عليها إن لم تترجم إلى سلوك عملي في واقع حياة الإنسان، فإن البناء الفكري لا يستقيم، قال تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا) (النمل:93)، فالآية صريحة قد ربطت المعرفة بالعمل، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يربط العلم النافع بالعمل المتقبل. فقد كان يقول صلى الله عليه وسلم في دبر صلاة الفجر: “اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وعملاً متقبلاً، ورزقًا طيبًا” (رواه البخاري). فالعلم بالأسماء والصفات إن لم ينتفع بها صاحبها في حياته، ويتحول إلى عمل صالح، فإن مجرد حفظها وإحصائها لا ينفع.

2- الوقوف على مقاصدها، لأن من مقاصد الأسماء الحسنى هو التحلي بصفاتها، مثل العليم بأن يجتهد الإنسان في طلب العلم. ومن مقاصد الصفات تقوية الإيمان بالله تعالى، مثل صفة الوجود، القدم، البقاء، الوحدانية، والتي تساعد في الاطمئنان النفسي، إذ يعلم الإنسان أن له ربًّا حيًّا لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه موجود يستجيب دعاء الداعي، وهكذا بقية الصفات.

3- ربط الوعي الإيماني بأسماء الله وصفاته المتجلية في السنن الإلهية التي بثها الله في كونه البديع للتأمل والنظر والإفادة منها في فهم الحياة، والقيام بالاستخلاف في الأرض، ولا يتأتى ذلك إلا بالوعي الإيماني بالسنن الإلهية.

4- الفهم الواعي في تحليل الأحداث؛ مسألة الفهم من المسائل التي يعاني منها الفكر الإسلامي، ولعل مسألة عدم الفهم من المسائل التي لها علاقة بقلة الوعي الديني الذي يحفظ مسار الفكر أو عدم فقه الواقع أو الجهل بمنهجية التفكير، والاعتماد على ظواهر الأشياء أو اللجوء إلى التقليد دون تبصر، أو التعصب للرأي، فكل هذا يعيق عملية تفعيل الوعي الإيماني في الواقع، ويعيق البناء المعرفي للإنسان الذي يريد أن يبني الحضارة ويقيم أركان العقيدة والعبادة.