الكسوف والخسوف بمعنى.. التغير، وذهاب الضوء.. ويقال: الكسوف للشمس والخسوف للقمر.

وجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْخُسُوفَ وَالْكُسُوفَ يَكُونُ لِذَهَابِ ضَوْئِهِمَا كُلِّهُ اوَ لِذَهَابِ بَعْضِهِ.

وفي كسوف الشمس يكون القمر بين الشمس والأرض؛ ممّا يعني أن القمر هو الذي يحجب أشعة الشمس عن الأرض، أما في خسوف القمر فتكون الأرض بين الشمس والقمر؛ ممّا يعني أنّ الذي يحجب قرص الشمس عن القمر هو الأرض.

والكسوف والخسوف مِن آيات الله يجعلهم الله لتخويف العباد وتذكيرهم باليوم الآخر.. قــــــال تعالي: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ، وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (القيامة 7:10)،

وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الكسوف فزعًا خائفًا، حتى إنه أخذ لباس زوجته بدلاً من ردائه خطأً لانشغال ذهنه بقيام الساعة حتى أدركه شخص خلفه بردائه، كما في صحيح مسلم من حديث أسماء “كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففزع فأخطأ بدرع حتى أُدرك بردائه”.

– للكسوف حِكَمٌ وفوائد عظيمةٌ منها:


الأولى: ظهور التصرف في الشمس والقمر، وهما خلقان عظيمان.

الثانية: أن يتبين بتغيُّرهما تَغيُّر شأن ما بعدهما.

الثالثة: إزعاج القلوب الساكنة بالغفلة وإيقاظها.

الرابعة: ليرى الناس نموذج ما سيجري في القيامة، قال تعالى: «وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ».

الخامسة: أنهما موجودان في حال الكمال، ويكسفان ثم يلطف بهما، ويعادان إلى ما كانا عليه، تنبيهًا على خوف المكر ورجاء العفو.

السادسة: إعلام بأنه قد يؤخذ من لا ذنب له؛ ليحذر من له ذنب.

السابعة: أن الناس قد أَنسوا بالصلوات المفروضات، فيأتونها من غير انزعاج ولا خوف، فأتى بهذه الآية سببًا لهذه الصلاة؛ ليفعلها بانزعاج، وخوف، ولعل تركه يصير عادة لهم في المفروضات.

– ما ينبغي فعله وقت الكسوف والخسوف

(أ) الصلاة

جمهور العلماء على أن صلاة الخسوف سنة مؤكدة ليست بواجبة، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها واجبة وهو قول الحنفية، وقال بعضهم: فرض كفاية.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا” (رواه البخاري ومسلم).

(ب) الصدقة

لما في الحديث الشريف (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ… وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا) (رواه البخاري ومسلم).

(ج) الدعاء

لما في حديث الْمُغِيرَةَ بْن شُعْبَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ” (رواه البخاري ومسلم).

(د) ذكر الله والاستغفار

لما في حديث أَبِي مُوسَى قال:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ” (رواه البخاري ومسلم).

(ه) التعوذ بالله من عذاب القبر

جاء في حديث عَائِشَةَ قالت: (… ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْحُجَرِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي وَقَامَ النَّاس وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً…. وَانْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) (رواه البخاري).

وتشرع صلاة الخسوف عند رؤيته بالبصر (من لحظة بدايته حتي انجلاء القمر) لحديث:(فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ ، فَصَلُّوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ). فلو حال غيم دون رؤية الخسوف فلا تُشرع الصلاة.

وإذا اجتمعت صلاة الخسوف أو الكسوف مع صلاة حاضرة من الصلوات الخمس، فتقدّم صلاة الفرض، ثم تُصلى صلاة الخسوف، وتصلي في أي وقت حصل فيه الخسوف من ليل أو نهار، أو حتى في أوقات النهي.

ولا يؤذن لصلاة الكسوف مثل الأذان المعروف ولكن يشرع النداء بقول: “الصلاة جامعة ” ولو كان الناس في المسجد بعد الفريضة مجتمعين، وذلك عملاً بالسنة، وتنبيهًا لمن لم يحضر كالنساء والمرضى في البيوت.

عدد صلاة الكسوف والخسوف (ركعتان)، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ” (رواه البخاري).

والقراءة فيها جهرية سواء كانت الصلاة في الليل أو في النهار، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: “جَهَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ” (رواه البخاري ومسلم).

– كيفية صلاة الكسوف والخسوف

هي سنَّةٌ مؤكدةٌ تُصلَّى في السَّفر والحضر، وعدد ركعاتها ركعتان، وتُصلَّى على النَّحو التَّالي:

الرَّكعة الأولى: يُكبر الإمام ويقرأ جهرًا الفاتحة، ثُمّ يقرأ شيئًا من آيات القرآن الكريم ويُطيل في القراءة إطالةً لا يشق بها على المأمومين، ثُمّ يركع كركوع الصَّلاة المكتوبة (الفريضة)، ثُمّ يرفع من الرُّكوع ويقرأ الفاتحة مرَّة ثانيّةً، ثُمّ يقرأ آياتٍ من القرآن الكريم أقلّ من المرَّة الأولى، ثُمّ يركع ويسجد سجدتين كالصَّلاة المكتوبة تمامًا.

الرّكعة الثَّانية: بعد السَّجدة الثَّانية يُكبر ويقوم للرَّكعة الثَّانية ويفعل فيها مثلما فعل تمامًا في الرَّكعة الأولى، ويقرأ الآيات من القرآن وتكون أقلُّ طولاً ثُم يتشهد ويسلِّم.

إذن فهي ركعتان، في كل ركعة: قراءتان وركوعان وسجدتان، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: “جَهَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ” (متفق عليه).

يستحب للمصلي إطالة الصلاة فيها، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: “خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ” (رواه البخاري ومسلم).

ويستحب أن تكون الركعة الأولى أطول مِن الثانية، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ يَهُودِيَّةً…. فَكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْحُجَرِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَقَامَ النَّاس وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ سُجُودًا طَوِيلاً ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ وَهُوَ دُونَ السُّجُودِ الْأَوَّلِ ثُمَّ انْصَرَفَ” (متفق عليه).

لا تُدرك الركعة بالركوع الثاني على الراجح، وإنما تُدرك بالأول (عند جماعة من اهل العلم)، فمن فاته الركوع الأول من الركعة في صلاة الخسوف فقد فاتته الركعة، وعليه قضاؤها.

ولا تُكرر صلاة الخسوف وإذا انتهت صلاة الخسوف قبل انجلائه انشغل المسلمون بالذكر والدعاء والاستغفار حتى ينجلي.

الأصل أن صلاة الكسوف تكون جماعة في المسجد، ولا مانع مِن أن يصلِّيها الناس في بيوتهم فرادى، ولا بأس أن تصلي المرأة صلاة الكسوف في بيتها، وإن خرجت للمسجد فبالشروط الشرعية.

يسنُّ للإمام بعد الصلاة أن يخطب في النَّاس -وظاهر الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب خطبة واحدة- يذكِّرهم باليوم الآخر، ويرهِّبهم مِن الحشر والقيامة، ويُعلِّمهم بحالهم في القبور وسؤال الملكين، وكلُّ هذا مِن هديه صلى الله عليه وسلم.