ليسا ضدان لا يجتمعان، ولا نقيضان يتصارعان، بل رافدان إيمانيان، وعملاقان ينسابان، وبالإيمان والإصلاح ينضحان. إنهما “إكسير” الحياة.. غذاء العقل، وثراء النفس، وأشواق الروح. يُحلق بهما المصلح والمؤدب، والمعلم والمتعلم، ومن سار على الدرب، و”كابد” الفكر والتفكر، ورام فضاءات التأمل والتدبر، وحُسن الاجتماع والتحضر للعلم نسقه وموضوعيته، وللأدب موهبته وذاتيته للعلم.. تجريداته ونظرياته، معادلاته ورياضياته، مصطلحاته ومختبراته، كيميائه وفيزيائه، ذراته ومجراته، أحيائه وجيناته، طاقاته وماديته، رموزه وآثاره، رحلته داخل المادة وغيرها إلخ. والأدب رحم منه يولد الناس، ودنيا فيها يعيشون ويكبرون، يتشوقون ويضحون، يحبون ويكرهون، يفرحون ويحزنون، ينتصرون ويهزمون، يسعدون ويتألمون، يبدعون ويجسدون، يحلمون ويتطلعون، يُصلحون أو يُفسدون. ورحلته القلبية النفسية داخل النفس، وفعل الجوارح. وللعلم أنواعه (عيني وكفائي، مُكتسب وموهوب)، وطرائقه في البحث، ونهجه وعقلانيته، سواء أكان موضوعه العلوم الشرعية والإيمانية، أو الفيزياء أو التاريخ، الطب أو الفلسفة، الرياضيات أو النقد غيرها. ويُطلب العلم بالذكاء، والحرص، والصبر، والاجتهاد، وعلو الهمة، والورع، وحسن الخلق، والنفقة، وإنفاق الوقت والانتظام بالدرس. وللأدب عالمه من الأخلاق والسلوكيات والوجدانيات، والجماليات، والأفكار، والثقافات. عالم التواصل الشفهي والكتابي، عالم اللغات.. وإيحاءاتها وتلميحاتها، وغموضها ووضوحها، وشعرها ونثرها، جميلها وبديعها، وآثارها المتنوعة.. فكرًا ووجدانًا، ثقافة وعرفانًا. وهو يُطلب بصحبة أستاذ.. مُعلم عامل، ومُؤدِّب مربٍّ. إذ أن العلم النافع يرتبط بالأخلاق، وهي قرين/ عاصم له، كما يرتبط بالعمل والأدب. ولقد كان الأدب والفكر، والخيال الثري لمبدعيه وراء كثير من الاكتشافات العلمية. فلد وقف وراء اختراع الطائرة، والكشف عن الكائنات الدقيقة، وغزو الفضاء، وتحطيم الذرة وغيرها حلم إنسان. ثم جاء العلم، وتقنياته فحققت ما حلُم به. يقول د. “أحمد زكي”: “الفارق بين العلم والأدب مفتعل، وهو أكثر افتعالاً في الشرق. فكل كاتب في الشرق مفروض أن يكون أديبًا ولو كان عالمًا.. ومن غرائب الشرق أن يستغرب أن يكون العالم أديبًا”. ليس الجمال بأثواب تزيننا إن الجمال جمال العلم والأدب. إن العقل الإنساني، والوجدان البشري غير محدود بقدرات وإدراكات. فالمرء يمكنه إتقان لغته ولغات أخرى، ويتبحر في علومهم وبلاغتهم ونحوهم وصرفهم. كما يمكنه إتقان أصول الحساب والجبر، أو الرياضة والفيزياء، أو الطب والجراحة إلخ. وبالتدريب والمران يمكنه إتقان علوم، وممارسة أخلاقيات، واكتساب قدرات، وتنمية مواهب، وصقل معرفة وثقافات، فيجمع بين دقة التفكير، ورونق التعبير. لكن البعض ظن أن من درس العلم صار “عالمًا”، ومن درس الأدب أمسي “أديبًا”، لكن شتان بيد الدراسة والممارسة. شتان بين من وقف على القشور، ومن غاص في البحور. وبين من قرأ السطور، ومن احترق في بوتقة التأمل والوصول. وبين من نظر ونقل وكتب، وبين من حلل وعلل وأبدع. بين من لا يقف على السُنن، وبين من يرد النتائج لمسبباتها، ويربط الخيوط المبعثرة ويلم شعثها في نسق سُنني واحد.

نماذج شاملة

عبر حضارتنا العربية الإسلامية كان ـ وما زال ـ لدينا أطباء وجراحون ومهندسون وفيزيائيون وكيميائيون ـ بجانب نظرائهم الموهوبين من مُصلحين ومُربين وأدباء وشعراء ـ يُقرضون الشعر، ويكتبون المقال والقصة والرواية إلخ. كما لهم أياديهم وأفكارهم ودراساتهم ومدارسهم العلمية. لقد كانوا في مختبراتهم، ومشفاهم، ومعاهدهم، وجامعاتهم، يصولون ويجولون، يمزجون ويختبرون، يشرّحون ويعالجون، يدرسون ويحاضرون، يقيسون ويشيدون.. كما نراهم في مكاتبهم ومكتباتهم وحلقاتهم وندواتهم يحللون الكلمات، ويستخرجون المعاني، ويصوغون الأفكار والرؤى والفلسفات، يبدعون الأشعار والقصص والروايات. لقد كانت “الفلسفة” كذهنية منطقية ومنهجية عقلية تحليلية قاسمًا مشتركا بينهم ـ وبين علومهم المختلفة التي أتقنوها. ولعل تجربة “الفراهيدي”، و”سيبويه” أبلغ شاهد في هذا المضمار. فالاثنان نظرا في الآثار الأدبية نظرة العالم الباحث عن “القوانين الدينامية” التي تقف خلف “عمل النظام”، فأنتج الأول علم العروض، وأبدع الثاني علم النحو، وكلاهما علمان صرفان يخضعان للمنطق الرياضي.

كما أنتجت حضارتنا العريقة علماء عباقرة، أفذاذ موسوعيين.. قدماء ومحدثين. لم يكن لديهم فاصل بين أدب وفلسفة، وكيمياء وفلك وطب، وحساب وشعر، وموسيقي وفكر. فمن “الكندي”.. فيلسوف الفلاسفة العرب، “الفارابي” … المعلم الأول، و”أبو الريحان البيروني” … العالم الموسوعي، و”الخوارزمي”.. أول من اخترع الصفر، و”عمر الخيام”.. الشاعر والفيلسوف “اللغز”، ونظرياته في الهندسة الجبرية، و”ابن رشد” الفيلسوف الطبيب، و”ابن خلدون” العبقري “السوسيولوجى”، و”الإدريسي”… مؤسس علم الجغرافيا، و”ابن بطوطة”… أمير الرحالين، و”ابن حزم”… “درة” الأندلس وإمامها الأشهر إلخ. ومن “الرازي”.. الطبيب الفيلسوف، و”جابر بن حيان”.. أبو الكيمياء، و”الزهراوي”.. أبو الجراحة، و”ابن سينا”.. الشيخ الرئيس، و”البتاني”.. بطليموس العرب، و”ثابت بن قرة”.. إقليدس العرب، و”ابن البيطار”.. أعظم عباقرة الأعشاب والنباتات والصيادلة العرب، و”ابن الجزار القيرواني”.. الطبيب الماهر، و”ابن النفيس.. إمام الطب، و”ابن الهيثم”.. أميــر النــور والبصريات، و”ابن باجة”.. الطبيب والفيلسوف، و”عباس بن فرناس”.. أول طيار في التاريخ، وصولاً إلي الأستاذ “بديع الزمان سعيد النورسي”، “د. محمد إقبال”، “د. مصطفي مشرفة”، الأستاذ “محمد فتح الله كولن”، “د. أحمد زكي”، “د. رشدي راشد”، الشيخ “عبد الحميد بن باديس”، والشيخ “محمد البشير الإبراهيمي”، الأستاذ “مالك بن نبي”، “د. إبراهيم ناجي”، “د. مصطفي محمود”، “د. عبد الحليم منتصر”، و “د. أحمد مستجير”، و “د. عبد الوهاب المسيري”، “د. زغلول النجار”، وغيرهم كثير.

عود على بدء

ينبغي استصحاب منطق القرآن في الحث المكثف علي حسن التعامل مع سنن الكون (في الآفاق، وفي الأنفس).. تدبرًا، وتفكرًا، وتفهمًا، وعملاً وفق هذه السُنن لتسخير ما في الكون. مع “تشريح” عالم الوقائع والظواهر، وتجريده، وتجريبه لتقديم تفسير منطقي ومنهجي. وعلى الأديب استخدام ذات الأدوات والقوانين والسمات (كالأصالة، والحيوية، والمرونة، والطلاقة إلخ) لينتج عملاً مبتكرًا أصيلاً. وثمة محاولات للوصول إلى “علم” متكامل يُفسر “الظواهر الجمالية في الأدب”. مهمة لا يمكن الوصول إليها إلا باتباع سبل البحث العلمية الصرفة. حيث يذهب د. “زكي نجيب محمود” إلى أن:” التقاء العلم بالأدب يتأتى عبر إدخال التطبيقات العلمية وأسلوبها في شرايين الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، دخولاً يُحيل هذا الحيوات علمًا مُجسدًا. ثم يأتي العالم لينفعل بالحياة المحيطة به على ما هي من صبغة علمية، فيتأثر بها وينفعل، فيبرع، ويُثري”. فصفة “العلمية” صفة منهجية بمعايير معينة إذا توفرت في التفكير أصبح علميًّا بغض النظر عن موضوع البحث. فـ “العلم هو مجموعة معارف وأبحاث على درجة كافية من العمومية، ومن شأنها أن تقود المشتغلين بها إلى استنتاجات متناسقة، لا تنجم عن مواضعات ارتجالية ولا عن أذواق أو اهتمامات فردية، بل تنجم عن علاقات موضوعية تكتشف بالتدرج وتتأكد بمناهج تحقق معينة”. وليس من شك في أن التخصص الدقيق في فروع العلوم والمعارف يفرض عدم إمكانية تجاوزها بغير تعلمها وإتقانها والتبحر فيها. وفي نفس الوقت هناك ضرب من “أصول” الفكر والعلم الذي يعتمد العقل الذي هو مناط البحث والتحليل والتفكير وهو “الفلسفة” والثقافة الواسعة. فالمعماري المتخصص في التصميم الحضري، لا يمنعه مانع من التثقيف والمثاقفة والإلمام بتاريخ العمارة ونظرياتها أو تاريخ الفن/ الأدب عمومًا، ما يجعله يقترب من دائرة تخصصه. كل هذا مقرون بتملك ذهنية برهانية تحليلية تعتمد العقل والمنطق في القراءة والتحليل. وذات الأمر ينطبق على متخصص في علوم الطب والتشريح والصيدلة، فلا يمنعه مانع من الإلمام بفروع ثقافية تقع خارج دائرة تخصصه الدقيق وهكذا. يقول الشاعر “معروف الرصافي”:
أدب العلم، وعلم الأدب        شرف النفس ونفس الشرف.
بهما يبلغ أعلى الرتب           كل رام منهما في هــــــدف.
ولعل الواقع يدلل على أن العلم والأدب، كلاهما، لا يتقدمان إلا في ظل مؤسسات ومحاضن علمية وتعليمية، وتربوية وفكرية، واجتماعية وإعلامية متعافية. وإنها دعوة لمشاركة أهل الاختصاص والبحث العلمي في الحياة الثقافية كتفًا إلى كتف مع نظرائهم من أهل الأدب، فيزيدوها ثراء على ثراء. إنها دعوه لإيجاد ونشر لغة مشتركة بين جناحي الإنسانية: العلم والأدب فلا يبقى التخصص حكرًا على أهله يختفي باختفائهم. فاجتماع الأدب بالعلم يقلل من جفاف النظرية العلمية وينشرها للعامة.. نشرًا للعقلانية، ولمنهج التفكير العلمي، ولسعادة البشرية، لا تدميرها. كما أن العلم يكشف خفايا نفس المُصلح والأديب.. شاعرًا، أو ناثرًا، أو فنانًا، أو فيلسوفًا ويفسر سبب تميزه وتأثره وتأثيره على مجتمعه. كما يثقل من “وزن” الأدب ويوظفه ـ كالعلم ـ لرفاهية البشرية. وعندما تشيع “الروح العلمية” في آدابنا ستجذب إليها شرائح عمرية متنوعة وبخاصة الشباب الذي يردد: “نحن في عصر العلم، ونتماهى مع كل ما يأتي به”.

خلاصة القول: على كل علم أن يصبح فنًّا، وعلى كل فن أن يصبح علمًا. وإنها دعوة “التوافق والتعايش” بين العلم والأدب. فاللقاء المتوازن “العقلاني/ الوجداني”، والوئام بينهما يمهد لثقافة راسخة تطير بجناحين، لا ينهض مجتمع، أو يرتفع شأن أمة، أو تتطور الحياة البشرية إلا بهما.