إن مجرد محاولة البحث في كيفية انتقال العرب من عيشة البداوة التي طبعتهم في عصور الجاهلية إلى عيشة في ظل مدنية مكتملة الأركان كتلك التي باتوا يعيشونها في ظل الإسلام، يستلزم البحث في تلك الأسس التي تنتقل مجموعةٌ بشرية بمقتضاها من طور البداوة إلى طور الحضارة. بما يمكن أن يستدعي ذلك الموروث الخلدوني في كيفيات الانتقال من طور البداوة إلى طور الحضارة والمدنية، وهو ذلك الموروث الذي يعتبر العامل الاقتصادي هو آلية التحول الرئيسية من طور البداوة إلى طور الحضارة.

ولكن تلك المدنية العربية التي عاشها العرب في ظل الإسلام، تلك المدنية التي قامت على عُمُد متينة من تكامل الحضارة وتكامل العمران، يمكن أن تُعزى إلى آليات أخرى تشكل بجانب الآلية الاقتصادية بواعث حقيقية لتلك المدنية غير المسبوقة في تاريخ البشرية، وهي المدنية التي أنشأت مُدُنًا مستفيضة العمران، رَبا عدد سكانها في تلك العصور القديمة على بضعة ملايين من السكان.

لقد رَبا عدد سكان مدينة “بغداد” المدورة، التي أنشأها “أبو جعفر المنصور” ثاني الخلفاء العباسيين عند ملتقى رافدي “دجلة ” و”الفرات” على مليونين ونصف المليون من السكان، وذلك في أثناء القرن الثامن الميلادي. بينما احتوت مدينة “قرطبة” عاصمة أموييي الأندلس في وقت ازدهارها على مليون من الأنفس، وكان حيز عمرانها يزيد على عشرين فرسخًا في عشرين. وأكثر من ذلك أن مدينة “غرناطة” التي كانت عاصمة لدولة بني الأحمر آخر دول المسلمين في الأندلس، كانت تضم وقت سقوطها عام اثنتين وتسعين وأربعمائة وألف للميلاد نصف مليون من السكان، بما كان يجعلها أكبر مدن القارة الأوروبية في ذلك الحين، برغم أنها كانت عاصمة إمارة صغيرة في آخر عصور المسلمين بالأندلس.

  • قواعد راسخة للمدنية الإسلامية

إن محاولة استشفاف تلك القواعد المتينة للمدنية العربية بعد الإسلام، تقتضي البحث في الأصول الأولى لتلك المدنية التي تجسدت في “مكة” و”المدينة”، بل و”الطائف”، وذلك في وقت ما يعرف بـ”الجاهلية الثانية”. وهي تلك الفترة التي سبقت بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يقارب مائة وخمسين عامًا. وذلك من حيث إن فقر طبيعة الحجاز في تلك الآونة، لم يكن ليسمح بنشوء مدينة متوسطة العمران كـ”مكة”، والتي تحولت منذ عهد “هاشم بن عبد مناف” جد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاضرة بنيت بيوتها بالآجر والأحجار، وفرشت بالبسط النفيسة التي كانت ترد من “فارس” والشام”. وإذا ما حاول أحدٌ أن يعزو تلك المدنية المكية فيما قبل الإسلام، إلى ازدهار اقتصادي طرأ بفعل رحلتي الشتاء والصيف اللتين ابتدأهما “هاشم بن عبد مناف”، فإن هناك من طبائع المدنية وأخلاقياتها ما طبع هؤلاء المكيِّين فيما قبل الإسلام، بما لا يمكن أن يعزى فقط إلى اختلاطهم بأمم الحضارة في “اليمن” و”الشام”، والتي كان أهل “مكة” يشدون الرحال إليهما للتجارة في الشتاء والصيف. وإنما يمكن أن تعزى طبائع تلك المدنية أيضًا، إلى ما يمكن التعبير عنه بـ”ذلك التلاقح الضارب في القدم الذي حدث على أرض الجزيرة العربية بين أمم قديمة عديدة”، حيث إن الجزيرة العربية لم تنفرد بأن تكون موطئ قدم قبيلة “جرهم” العربية القديمة الذين هم أصهار إسماعيل عليه السلام، أو حتى بني يعرب بن قحطان الذين عمروا بدورهم أرض اليمن فيما حول “مأرب” وساحل البحر الأحمر. ولكن هؤلاء العرب المستعربة من بني “إسماعيل بن إبراهيم” عليهما السلام، كانوا تجسيدًا لذلك التلاقح الضارب في القدم الذي تفتقت عنه تلك العربية الفصيحة التي كان إسماعيل عليه السلام أول من نطق بها. كما أن تلك الأخلاق السديدة، من الإقدام والنخوة، والفتوة، والفصاحة، كانت بدورها قواعد راسخة لتلك المدنية الإسلامية التي أوجدت لها رافدًا من الأخلاقيات العربية الأصيلة فيما قبل الإسلام.

فقد كان يقسم للمجاهدين زمن “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه ثلاثين ألف قطعة من الذهب للواحد منهم نصيبًا من الغنيمة، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول عند توزيع الغنائم: “يا بيضاء ويا صفراء غري غيري”، ولم تكن تلك البيضاء والصفراء التي عناها سوى الذهب والفضة التي كانت تقع في أيدي المسلمين غنائم في المعارك التي كانت تدور بينهم وبين أعدائهم في أزمنة الفتوحات. ولم يكن من نهج عمر بن الخطاب رضي الله عنه في اختطاط المدن، سوى التواضع في بناء البيوت التي لم يكن يزيد ارتفاع الواحد منها على قصبتين، وهو ما يعادل ستة أمتار تقريبًا.

وليس معنى ذلك أن الأمر كان مجرد زهدٍ في الدنيا، أو أنه كان مجرد تحقيق لفكرة الكفاية في العيش، بل إن هناك سببًا قويًّا دفع عمر رضي الله عنه إلى اختطاط المدن التي أنشأها المسلمون في عصر الفتوحات على هذا الأساس من التواضع، ولم يكن ذلك السبب سوى ذلك الاحتذاء لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، تلك السنة التي تقتضي توطين الغريب ونقله -ولو تدريجيًّا- من حياة الظعن والترحال إلى حياة الاستقرار والإقامة. وليس أدل على ذلك من اعتماد الرسول صلى الله عليه وسلم لمبدأ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في سبيل تحقيق المواطنة الكاملة لهؤلاء المهاجرين في إطار المجتمع الجديد الذي أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته المنورة. فقد شكل المهاجرون ذلك العنصر الوافد الذي كان يتوجب لدمجه في إطار المجتمع الجديد الذي نشأ في أرجاء البلاد المفتوحة إعاشته في إطارٍ من عدم الجور على السكان الأصليين، بمعنى تحقيق مواطنته الكاملة في إطار المجتمع الجديد دونما خلق أي حزازاتٍ بينه وبين صاحب البلد الأصيل. وهو ما سهل -بحد ذاته- دمج العرب الفاتحين في إطار مجتمعات البلاد التي افتتحوها، وساعد على اختلاطهم بأهل البلاد الأصليين الذين تحولوا إلى مسلمين عربًا بمرور الزمن، إذ إن استعرابهم قد تحقق في إطارٍ من تجاوز الطبقية التي أدت بتلك المجتمعات فيما قبل الإسلام إلى حال التحلل والتشاحن وفقدان القدرة على البقاء، في ظل غياب المحددات الأخلاقية التي تحافظ على تماسك المجتمع وتلاحمه.

  • خصائص المدنية العربية

يمكن تحديد الخصائص الأساسية للمدنية العربية في إطار المحددات البيئية والمناخية التي نشأت فيها تلك المدنية. إذ إنه، وبعيدًا عن اختلاف خصائص الحياة ومقوماتها فيما بين بلاد العرب وبلاد الأندلس مثلاً، فإن السمة الأساسية للمدنية العربية الإسلامية كانت ولا تزال تتلخص في التكيف مع كل العناصر المتاحة في سبيل تحقيق استقرار الحياة وتماسكها. ومن ثم فإن البنية المجتمعية في الحواضر العربية الرئيسية قد قامت على تجاهل العوامل الإثنية، وما يتبعها من انعزالية يمكن أن تؤدي إلى تلك الطائفية المقيتة، التي كانت تميز كثيرًا من البلاد التي فتحها المسلمون العرب. وكانت نتيجة ذلك أن جرى تعريب تلك المجتمعات بطريقة طبيعية غير مقصودة أصلاً، كما جرى أيضًا استيعاب تراث تلك الحضارات السابقة التي كانت تعيش في إطارها تلك البلاد المفتوحة في إطار الحضارة العربية الإسلامية، التي صارت أول حضارة إنسانية ذات طابع كوني يقوم على استيعاب وتطوير أية فكرة في إطار من التسامح الكامل مع ذلك الذي أسسها، سواء أكان ذلك المؤسس مسلمًا أو غير مسلم.

  • محصلة المدنية الإسلامية

نشأت مدنيتنا العربية الإسلامية في إطار جغرافي يمتد ما بين جبال الهيمالايا شرقًا والمحيط الأطلسى غربًا، كما أن القوة العددية للمسلمين العرب القادرين على حمل السلاح، لم تتعد في أوجها تسعمائة ألف مقاتل، وذلك إبان تلك الغزوة التي افتتح فيها الخليفة العباسي “محمد المعتصم بن هارون الرشيد” مدينةَ “عمورية” في آسيا الصغرى في أوائل القرن الثالث الهجري. وبما أن الامتداد الجغرافي للدولة الذي هو نطاق سيطرتها يتبع بالأساس قوتها العددية، فإن العرب المسلمين قد حكموا ذلك النطاق الجغرافي الواقع في أغلبه داخل العروض المعتدلة، التي هي الأقاليم الجغرافية الثالث والرابع والخامس، المائل بدوره للحرارة، الذي تقع “مصر” و”شبه الجزيرة العربية” في إطاره. وقد كانت تلك الأقاليم المناخية منذ القدم مهبط الرسالات، وموطن الحضارات القديمة منها والحديثة. كما أن الاعتدال المناخي لتلك الأقاليم، قد أدى لاعتدال أمزجة أهلها ووفرة ناتجها الزراعي. وأيضًا فإن الصنائع والأبنية المشيدة، والفرش الأنيقة والمآكل المتقنة، لم تعرف منذ القدم سوى لسكان تلك الأقاليم المناخية الثلاث المشهورة باعتدالها. وهي الأقاليم التي قامت على أرجائها دول الإسلام وحضارته العالمية. ولم يكن من شأن تلك الحضارة أن تقوم وسط بيئة اجتماعية تتسم بالطبقية أو الإقطاعية، وإنما في إطار مجتمع يعترف بالحرية في إطارها العام الشامل إطارًا له. فقد كانت حرية المعتقد هي أساس التعاطي بين كل قاطني المجتمعات العربية الإسلامية في مختلف الأقطار، بما جعل من غير المسلمين بارزين في كل مجالات الحياة داخل تلك المجتمعات. فقد كان أبرز أطباء الدول الإسلامية يهودًا، كما أن قاعدة العمل في بيت الحكمة في “بغداد” حاضرة العباسيين -الذي كان أعظم مركز ترجمة في التاريخ- كانت من ترجمة غير مسلمين.

ومن ذلك، فإن مسألة الربط بين الإسلام كعقيدة من جانب، وتلك الأنماط المعمارية التي نشأت في ظل الإسلام على مر العصور، تعد مسألة سوفسطائية، وذلك من حيث إن حواضر الإسلام الرئيسية في كل من “القاهرة” و”إسطنبول” و”نيودلهي”، لم تكن سوى انعكاس لما تفرزه بيئاتها المحلية من موارد وأنماط ثقافية أصيلة. وذلك من حيث إن ذلك الطراز المملوكي المصري -مثلاً- في بناء المآذن، لم يكن سوى تطوير لصناعة المسلة الفرعونية، التي تقوم على قاعدة مربعة الشكل يتناقص قطر مربعها كلما استطالت. كما أن طرز المساجد التي أنشأها مغول الهند المسلمون المعروفون بـ”المغال” لم تستوح سوى من ذلك الطراز المهيب لبناء المعابد الهندوسية. ولم تكن تلك المباني المحكمة البناء، والمعبرة عن قصارى المدنية، سوى انعكاس لكيفية توظيف العوامل البيئية المحلية الأصيلة في خدمة تلك الروح البناءة التي أوجدها الإسلام في نفوس البشر. 

________________________________________________________________________________________________________________

المراجع

(١) مقدمة ابن خلدون.

(٢) “ابن حزم الأندلسىي، وجهود في البحث التاريخي والحضاري، الدكتور عبد الحليم عويس.

(٣) “السيرة النبوية لابن هشام.