يعد نظام الوقف من مآثر الحضارة الإسلامية، وقد ساهم بدور كبير في هذا البناء الحضاري في شتى المجالات، فالوقف الإسلامي يمثل مؤسسة إسلامية نشأت وتطورت في ظل الحضارة الإسلامية، وقد أدت هذه المؤسسة دورها كاملًا فيما مضى في المجتمع الإسلامي؛ حيث اعتمدت الأجيال السالفة على الأوقاف في تدعيم مختلف نواحي الحياة الاجتماعية؛ مما جعل لمؤسسة الوقف فضلًا كبيرًا وأهمية عظمى في تاريخ المسلمين، حيث لم تقتصر الأوقاف على العناية بفئات المجتمع فحسب، بل تعدتها إلى العناية بكل ما يعتمد عليه الناس في معيشتهم.

  • ماهية الوقف وطبيعته

الوقف لغةً: مصدر وقف، ومعناه الحبسُ والمنع، والوقف فقهًا: «حبس العين على ملك الواقف والتَّصدّق بالمنافع على الفقراء مع بقاء العين كالعارية». أي هو تحبيس الأصل وتسبيل منفعته.

وتستمد فلسفة الوقف الإسلامي من جوهر رسالة الإسلام نفسها، كونها للناس عامة؛ لا فرق فيها بين غني وفقير، ورئيس ومرؤوس، لتؤكد حقيقة الإسلام ذاته، الذي جاء بكل ما هو خير للبشرية من خلال التطبيق العملي لنصوص القرآن الكريم قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آية 92) سورة آل عمران، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍة؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به ، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له) رواه مسلم  (4310)، وذلك دليل لاريب فيه على صدق الرسالة الإسلامية ورحمتها وتيسيرها لكل الخلق؛ إذ لم تكن هذه الأوقاف حكرًا على المسلمين دون غيرهم ؛ فقد كان المستحقون – في كثير من الأوقاف – من أهل الكتاب والملل الأخرى، وجاءت الفتاوى عبر تاريخ التشريع الإسلامي لتجيز أكل أهل الكتاب وفقراء الملل الأخرى من الأوقاف، كما خصصت الأوقاف لإطعام وعلاج الحيوانات المريضة والعاجزة والجائعة؛ وهذا انعكاس لحقيقية الإسلام العظيم.

ويرى كثير من الباحثين نظام الوقف أنه أحد الأسس المهمة للنهضة الإسلامية الشاملة بأبعادها المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية، وأن الوقف هو بؤرة النهضة العلمية والفكرية العربية والإسلامية على مدار القرون، لذا فقد اتجهت الأنظار مرة أخرى إلى الوقف بعد تغييب دوره العظيم لعقود طويلة.  

وتمتد جذور الوقف زمنيًّا عبر التاريخ البشري، ففي الحضارات القديمة كان الناس يخصصون أراضيهم وممتلكاتهم للمعابد وللكهنة، وذلك في شكل عقارات تحبس لتكون أماكن للعبادة، أو لتكون منافعها وقفًا على تلك الأماكن، كما وجد شكل من الوقف على المكتبات في حضارات اليونان والرومان.

ولم يكن الوقف معروفًا لدى العرب قبل الإسلام؛ حيث قال الإمام الشافعي: لم يحبس أهل الجاهلية ـ فيما علمته – دارًا ولا أرضًا، وإنما حبس أهل الإسلام كما كتب ابن حزم: إن العرب لم تعرف في جاهليتها الحبس، إنما هو اسم شرعي وشرع إسلامي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقد تحول الوقف من الأغراض الدينية إلى البر العام الذي يطول الخدمات الاجتماعية وتقديم المنافع والولع العامة بظهور الإسلام، فهو ابتكار إسلامي بالأساس؛ أما أول إشارة للوقف في النظم الغربية كان في التشريع الإنجليزي في القرن الرابع عشر الميلادي أي أنه هناك فارق زمني يقدر بأكثر من عشر قرون بين ظهور الوقف الإسلامي، وظهور الوقف بشكله المعاصر في الغرب، وهذه إشارة لسبق نظام الوقف الإسلامي، والذي يستمد طبيعته وخصائصه من طبيعة الإسلام نفسها التي تقوم على التكافل والتواد والرحمة، والإيثار، وأن يقوم الفرد بواجبه تجاه مجتمعه.

وقد دلّت آيات قرآنيّة وأحاديث كثيرة على جواز الوقف ومشروعيّته، وهو بذلك دعوة إلى الإنفاق والبرّ وعمل الصالحات، حيث يقول -تعالى- في سورة آل عِمران: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}. (آية 92)

ويرى المؤرخون أن مسجد قباء يعد أول وقف في الإسلام، وقد أسسه النبي صلى الله عليه وسلم حين قدومه إلى المدينة مهاجرًا، ثم المسجد النبوي الذي بناه صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد أن استقر بها.

ويرى بعض المؤرخين أن أول وقف خيري عرف في الإسلام هو وقف سبع بساتين بالمدينة، كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق، أوصى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، حين عزم على القتال مع المسلمين في غزوة أحد، قال في وصيته: “إن أصبت ـ أي قتلت ـ فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله، فقُتِل، وحاز النبي صلى الله عليه وسلم تلك البساتين السبعة، فتصدق بها، أي حبسها”. وهناك أيضًا وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقيل: هو ثاني وقف في الإسلام، فعن ابن عمر- رضى الله عنهما- أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب قط مالاً أنفس عندي منه، فما تأمر به قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)، قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول. (رواه البخاري: 2737)

وقد أخرج البخاريّ في صحيحه من طريق أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّه قال: كانَ أبو طَلْحَةَ أكْثَرَ الأنْصَارِ بالمَدِينَةِ مالاً مِن نَخْلٍ، وكانَ أحَبُّ أمْوَالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يَدْخُلُهَا ويَشْرَبُ مِن مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أنَس: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هذِه الآيَةُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا ممَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أبو طَلْحَةَ إلى رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى يقولُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا ممَّا تُحِبُّونَ} وإنَّ أحَبَّ أمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وإنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أرْجُو برَّهَا وذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يا رَسولَ اللَّهِ حَيْثُ أرَاكَ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “بَخٍ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ، وقدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإنِّي أرَى أنْ تَجْعَلَهَا في الأقْرَبِينَ”، فَقَالَ أبو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أبو طَلْحَةَ في أقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ. (رواه البخاري: 1461، حديث صحيح).

وعن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وجد أن الماء العذْب قليل، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ، فَيَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دلاء الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ فاشتريتها من صلب مالي) الترمذي (3703).

ومضى الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ على ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم، وعملوا بما حث عليه من الإكثار من الصدقة والإنفاق مما يحبون، وسجلوا أروع الأمثلة في التطوع بأحب أموالهم إليهم ومنهم: أبو بكر، وعلي، والزبير بن العوام ، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وسعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد ، وجابر بن عبدالله وأمهات المؤمنين عائشة، وأم سلمة، وصفية ومن الصحابيات أسماء بنت أبي بكر وغيرهم، حتى قال جابر بن عبد الله الأنصاري: فما أعلم أحدًا ذا مقدرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من ماله صدقة موقوفة لا تشترى ولا تورث ولا توهب، ثم تتابع المسلمون بعد ذلك جيلاً بعد جيل، يوقفون لأعمال البر، مما ملأ المجتمع الإسلامي بالمؤسسات التي بلغت حدًّا من الكثرة يصعب إحصاؤه والإحاطة به.

وفي ظل العصور والدول الإسلامية المتعاقبة حدث تطور كبير في إدارة الأوقاف، فبعد أن كان الواقفون يقومون بأنفسهم على أوقافهم ويشرفون على رعايتها وإدارتها، قامت الدولة بإنشاء هيئات خاصة للإشراف عليها، وأحدث ديوان مستقل لتسجيلها، وأصبحت للأوقاف إدارة خاصة مستقلة عن القضاء، يقوم عليها رئيس مما أكسب المؤسسات التي أقامها الوقف صفة الاستمرار والبقاء طويلاً، وواكب هذا التطور الإداري جهد علمي مفيد لضبط أحكام الوقف وطرق التصرف فيه ولحماية أملاكه من الضياع، فخصه الفقهاء بمؤلفات خاصة وأفردوا له فصولاً واسعة في مدونات الفقــه الكبرى.

لكن ولأسباب تاريخية، وثقافية واجتماعية وسياسية، فقد أصاب نظام الوقف الإسلامي الضعف والتدهور، نتيجة وجود العديد من المعوقات التي أدت إلى عزوف الكثير من الناس عن التبرع والمشاركة في تخصيص الأوقاف في كافة المجالات، نتيجة وجود قوانين أو تشريعات تمنع تحقيق إرادتهم وشروطهم، أو قوانين تمنع بالأساس وجود الوقف، وأحيانًا سوء إدارة الوقف نتيجة عدم تدريب القائمين عليه على إدارته، أو عدم إلمامهم بالأساليب الحديثة للاستثمار في أموال الواقفين، مما أدى إلى عزوف الراغبين في تخصيص الأوقاف، وغياب لفكرة الوقف وأهميته كصدقة جارية للإنسان في حياته ومماته نتيجة ضعف الثقافة الدينية، وغير ذلك من المعوقات التنظيمية والإدارية والثقافية التي تستوجب معالجتها والتخطيط لإزالتها.

وقد تنبهت العديد من الدول العربية والإسلامية إلى ضرورة الاهتمام بالأوقاف الإسلامية، وضرورة الإفادة منها، واستثمارها على أحسن وجه، فأنشأت العديد من الدول وزارات خاصة للأوقاف كما هو الحال في دولة الكويت، ومصر، والمملكة العربية السعودية، وتأسست دوائر حكومية متخصصة لإدارة أموال الواقفين والاستثمار فيها، ومؤخرًا انعقدت العديد من المؤتمرات على مستوى دولي وعالمي، لتبادل الأفكار، وبناء الاستراتيجيات للتعامل مع تلك القضية.

  • صور وأنواع الوقف

شمل الوقف الإسلامي كل المجالات، فهو يمثل تطبيق عَمَلي للصَّدقة الجارية، وصُورة رائعة من صُور التّكافل الاجتماعي شملت أدقّ تفاصيل الحياة الاجتماعيَّة، فكان هناك وقف للأواني المنكسرة، والثياب المتَّسخة، ووقفٌ للمرضعات، ومُؤنسي المرضى، وقائدي العميان، ومُزوِّجي العرسان…، ووقف لتطبيب الحيوانات وتمريضها، ووقف للخيول الهَرِمَة، ووقفٌ لرصف الطُّرُق وإنارتها… والأوقاف المعروفة مثل: وقف المساجد والمصاحف والآبار والأسبِلة والحدائق والجسور والطُّرق والحمّامات، ووقف المكتبات والمدارس والمستشفيات…

ويصنف الوقف -بصورةٍ عامةٍ- إلى ثلاثة أقسام:

1- الوقف الأهلي (الذري): وهو أن يجعل الواقف وقفه في ذريته وبين أقاربه.

2- الوقف الخيري: وهو ما يصرف ريعه على جهة خيرية كالفقراء والمساكين وفي بناء المساجد أو المستشفيات ودور الأيتام ونحوها.

3- الوقف المشترك: وهو الذي يوقف في أول الأمر على جهة خيرية ولو لمدة معينة ثم من بعدها إلى الذرية والأقارب.

وما أشد حاجتنا اليوم لإحياء دور الأوقاف في بلاد المسلمين واستخدام مداخيلها في تنمية المجتمعات وإحياء رسالة الإسلام في التعاون على الخير، خصوصًا مع ما لحق بالوقف الإسلامي من أضرار كانت السبب في إضعافه وصولاً إلى الحقبة المعاصرة التي تميزت بمبادرات لإعادة تفعيل دوره الحضاري، إلا أننا لا نكاد نجد استراتيجيًّا واضحة لتطوير المؤسسة الوقفية والوقف الخيري؛ ومن هنا فنحن في حاجة إلى:

1- وضع رؤى لتنمية وتطوير الأوقاف الإسلامية والحفاظ عليها، وتشجيع الأفراد والمؤسسات على التبرع والمشاركة وإحياء سنة الوقف الخيري باعتباره صدقة جارية ينتفع بها الواقف في حياته وبعد مماته.

2- تطوير التشريعات والقوانين التي تحفز القادرين على التبرع والمشاركة، وإزالة المعوقات الإدارية التي تعيق تنفيذ شروط الواقفين، وتصرفهم عن المبادرة بتخصيص الأوقاف الخيرية.

3- عقد المؤتمرات والندوات حول كيفية تطوير نظم الوقف الإسلامي وتبني صيغ جديدة لتخصيص الأوقاف من نظم التمويل الإسلامي كالمرابحة والصكوك وسندات الاستثمار.

4- الإفادة من المستحدثات التكنولوجية المعاصرة في توفير التطبيقات والبرامج التي تيسر على الراغبين التبرع والمشاركة، ومتابعة تنفيذ شروطهم في الوقف أو لورثتهم.

5- تنفيذ حملات إعلامية لتعريف الناس بأهمية الوقف ومشروعيته في الإسلام، والحاجة إليه في كافة المجالات وعدم قصرها على المجال الديني فقط.

6- تطوير مناهج التعليم خصوصًا في مراحله الأولي لتوعية الناشئة بقيم التضحية والإيثار، وأهمية التكافل الاجتماعي والمشاركة في تنمية المجتمع.

7- الاهتمام بالولاية على الوقف وإدارته بوجود إدارة كفؤ للأوقاف مع توفير كل ضمانات المراقبة من قبل الواقف باعتباره مالكًا للمال من جهة والمجتمع من جهة أخرى والدولة من جهة ثالثة.

________________________________________________________________________________________________________________

المراجع

  1. أبوزيد، أحمد: نظام الوقف الإسلامي، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة،1421هـ/2000م، صـ7.
  2. حجاب، أيمن حسن: الوقف الإسلامي ودوره الحضاري، مجلة حراء، 2021، متاح على الرابط: https://hiragate.com/25309/، تم الاطلاع في: 4/10/2021.
  3. الزّحيلي، وهبة: الفقه الإسلامي وأدلَّته، (4 / 416) .
  4. عمارة، محمد، دور الوقف في النمو الاجتماعي وتلبية حاجات الأمة، ضمن أبحاث ندوة (نحو دور تنموي للوقف)، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، ص 158.
  5. يحيى محمود جنيد، الوقف وبنية المكتبة العربية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 1408هـ، ص 9.