مرحلة الطفولة هي أول مراحل تكوين الشخصية بشكلٍ عام ٍ حيث تبدأ رحلة الحياة منذ ولادة الإنسان، فإذا كان الرضيع يشعر بالأمان نحو البيئة الملبية لحاجاته ومطالبه المتمثلة بالرضاعة في الوقت المناسب دون التأخر في ذلك وإحاطة الطفل في سنواته الأولى بالحب والأمن الأصيل غير المشروط فإن ذلك ينعكس على شعور الطفل نحو البيئة المحيطة، وينعكس على ثقته بنفسه فيما بعد، أما إذا كان هناك تأخر في تلبية حاجاته وسوء معاملة، وابتعاد عن الطفل فإن كل هذا سيؤثر بصورة سلبية على الطفل كما أكد على ذلك إريك أريسكون وجون بولبي وكارن هورنى وغيرهم.

لقد أكدت نتائج الدراسات أن المناخ العاطفي وطبيعة العلاقات وما تحققه من أمن وثقة ولطف في محيط الطفل، ليست شيئًا ثانويًّا مفيدًا فحسب، كما كان يعتقد كثير من المربين، وإنما يشكل الشرط الأساس والأرض الخصبة التي تؤثر في كل الإمكانات المتعلقة بالنمو، الذي يساعد الدماغ على تنمية وتفتح كل قدراته وملكاته الذهنية.

  • دور البيئة في تكوين شخصية الطفل:

إن البيئة تلعب دورًا أساسيًّا في تكوين شخصية الطفل، فإذا كانت بيئته بيئة حنونة وعطوفة ومهتمة، فإنها تساعده على التغلب على مخاوفه، أما إذا كانت المخاوف تنتابه بشدة وباستمرار، أو عندما يترك بمفرده، فإنه في ذلك الوقت يمكن أن يشعر بالقلق، الذي يجعله يحس بفقدان الأمن في العالم المحيط به.

ويولد الطفل وهو خالٍ تمامًا من مشاعر الخوف سواء خوفه من أفراد أو أشياء، أو خوفه من سماع أصوات مزعجة، ويظن البعض –وهو خطأ شائع– أن صراخ الطفل الذى ينبعث منه في لحظات الميلاد الأولى وما بعدها دليل على خوفه من البيئة الخارجية الجديدة بعد أن ترك بيئته الداخلية في رحم أمه التي اعتاد عليها وأنس إليها في دفء وهدوء لمدة تسعة أشهر، وهذا غير صحيح علميًّا، والصحيح أن هذا الصراخ إنما هو بمثابة الشهقة الأولى التي يليها مباشرة “عملية الزفير” عندما تعمل رئتاه لأول مرة، وهذا البكاء هو دليل على صلاحية الرئتين لمده بالأكسجين اللازم لحياته.

ويكتسب الطفل الشعور بالخوف خلال مراحل نموه، إذ أن الخوف انفعال مكتسب غير فطري، يتعلمه الطفل من تقليد الآخرين عندما يراهم يخافون من شيء ما، وينمو لديه من البيئة المحيطة ومن الآخرين، وقد يكون الخوف صحيًّا كالخوف من عبور الطريق أثناء مرور السيارات، أو الخوف من مخالفة القانون أو الخوف من الكذب، وهذا كله خوف طبيعي وصحي، ولا ضرر منه، أما عندما يعيق الخوف الطفل من ممارسة حياته ويؤثر سلبًا على شخصيته وردود أفعاله فإن هذا الخوف قد يتحول إلى ما يُطلق عليه “الرُهاب” أو “الفوبيا” أو “الخوف المرضي” والذى ينشأ تجاه مثيرات محددة كالخوف من الظلام، أو الخوف من الحيوانات، أو الخوف من الارتفاعات، أو الخوف من الأماكن الضيقة، أو الأماكن الواسعة، أو منظر الدماء، أو غيرها من المثيرات لنجد الطفل لا يستطيع التقاط أنفاسه أو يشعر بالاختناق والتوتر أو يتشنج أو غيرها من ردود الفعل الشديدة التي قد تسبب خطرًا على حياته هنا يجب التدخل فورًا بدون أي تأخير.

  • نتائج التربية التي تقوم على الخوف:

إن التربية التي تقوم على الخوف والخضوع تؤدي إلى نتائج مختلفة عن التربية بصورة جيدة، فالطفل يفقد الشعور الذي يجعله يحس بالأمن، ويعيش قلقًا عميقًا يجعله يشك في ذاته، ويفقد تقديره لذاته، مما يؤدي إلى ظهور الاضطرابات كفرط الحركة، والاعتداء على الغير والانطواء والاكتئاب، وقد يلجأ إلى المخدرات أو حتى إلى الانتحار.

  • مراحل تطور مشاعر الخوف لدى الأطفال:

يبدأ الطفل في الشعور بالخوف في مرحلة الرضاعة (من أسبوعين إلى عامين) حيث يعبر الطفل عن الخوف بوضوح، وذلك إذا مر بخبرة العقاب وعرف معناه، حيث يتخذ مظاهر الخوف مثل البكاء، أو الصياح، أو الانسحاب، أو التوقف عن النشاط، أو اللجوء إلى ذراعي أمه، كما يظهر انفعال الخوف عند وجود المثيرات الفجائية كالأصوات العالية أو المرتبطة بالألم أو عند الشعور بفقدان شخص عزيز عليه كالأم.

وفى مرحلة الطفولة المبكرة (من 3 إلى 5 سنوات) يزداد الخوف أو يقل نتيجة الشعور بالأمن والقدرة على التحكم في البيئة. وتزداد مثيرات الخوف لدى الطفل فيخاف الطفل بالتدريج من الحيوانات والظلام والأشباح والموت والفشل. ومن أهم مخاوف الأطفال في هذه المرحلة الخوف من الانفصال عن الوالدين.

ويلاحظ وجود ارتباط وثيق بين مخاوف الآباء والأمهات ومخاوف الأطفال، لأن الطفل يتعلم انفعال الخوف مما يخافه الكبار، فهو يقلد والديه، وإخوته في خوفهم من الظلام أو الأشباح… إلخ. كما ينتقل إليه الشعور بالخوف من الأطفال الآخرين بسهولة.

وفى مرحلة الطفولة المتوسطة (من 6 إلى 8 سنوات) تتغير مخاوف الأطفال في هذه المرحلة، فالخوف من الأصوات والأشياء الغريبة يقل إلى حد كبير ويكاد يختفي ليحل محله الخوف من المدرسة والعلاقات الاجتماعية، وغياب الأمن اجتماعيًّا واقتصاديًّا. وكذلك يزداد خوف الطفل من فقدانه لمحبة والديه.

كما أن قسوة المعلم واستخدامه للضرب المبرح مع الطفل إلى حد الألم وتفننه في العقاب من سخرية وتهكم كل هذه الأساليب تؤدي إلى إثارة مشاعر الخوف والرعب في نفوس التلاميذ الصغار مما يدفعهم إلى كراهيته والهروب من المدرسة مما قد يؤدي إلى رسوبهم في الامتحانات، ومعاناتهم كنتيجة لذلك من الاضطرابات النفسية.

ونتيجة تركيز أولياء الأمور على الامتحانات المدرسية بحسبانها الهدف الذى يسعى إليه الجميع، صارت هذه الامتحانات مصدرًا لقلق التلاميذ من الخوف من الفشل، ومن ثم يعانون اضطرابات نفسية سيئة، ويضطر الآباء في النهاية للتعامل مع الأخصائيين النفسيين.

  • كيف نتعامل مع مخاوف الأطفال؟

ليست كل مخاوف الأطفال مرضية، فأحيانًا ما يكون الخوف صحيًّا، كخوف الطفل أن يعبر الشارع وهو مزدحم بالسيارات، فهذا النوع من الخوف يحافظ على سلامة الطفل وهو من النوع الطبيعي. لكن متى أعاق الخوف الطفل عن ممارسة حياته بصورة طبيعية أو منعه الاستمرار في ممارسة أنشطته وسلوكه بصورة سلبية تؤثر على صحته النفسية فإن الخوف يتحول إلى ظاهرة مرضية تحتاج إلى تدخل وعلاج. لذا يجب على الآباء والأمهات والمعلمين اتباع الطرق الآتية في التعامل مع ظاهرة مخاوف الأطفال:

  • طرق التعامل مع مخاوف الأطفال:

أولاً: إحاطة الطفل بالحب والحنان والرعاية وهو الأساس في تحصين الطفل ضد مشاعر الخوف والقلق.

ثانيًا: عدم إظهار الآباء والأمهات خوفهما أمام الأطفال لأن الخوف سلوك متعلم وهناك ارتباط كبير بين مخاوف الآباء والأمهات ومخاوف الأطفال، وعدم الفزع حتى لا ينتقل هذا الانفعال إلى أطفالهما.

ثالثًا: مناقشة الطفل وتقديم له تفسيرات منطقية للظواهر والأحداث الغريبة والإجابة على أسئلة الطفل الخائف ومحاولة طمأنته.

رابعًا: عدم السخرية من الطفل عندما يظهر خوفه من شيء ما، بل مساندته إلى أن تزول تلك المشاعر لديه.

خامسًا: عدم التركيز على الامتحانات كهدف وغاية في حد ذاتها، لأنها في الحقيقة ما هي إلا وسيلة للتعرف على العيوب والسلبيات، ومحاولة إصلاحها والتعامل معها، وهذا ما يجب أن يعلمه الآباء والأمهات للأطفال.

سادسًا: عدم استخدام الآباء والأمهات قصص الرعب كوسيلة لإجبار الطفل على الطاعة والانقياد، ويفضل عدم استخدامها في الأساس مع الطفل.

سابعًا: عدم اتباع المعلمين أو الآباء والأمهات أساليب التسلط والديكتاتورية لأنها تؤدي لبناء شخصية منقادة ومستسلمة، بل يجب استخدام أساليب النقاش والحوار مع الطفل لبناء شخصية مفكرة ومتأملة، واحترام رأيه وتفكيره.

المراجع

أحمد أوزي (2018). جذور العنف ومأسسته التربوية، مجلة الطفولة والتنمية، العدد (33)، ص ص 109-123.

أنوار عبد الله بوكبر (2019). تربية طفل واثق بنفسه، مجلة العربي، العدد (722)، ص ص 164- 167.

وفيق صفوت مختار (2019) مخاوف الأطفال: المشكلة والحل، مجلة الوعي الإسلامي، عدد (643)، ص ص 70 -71.