إنَّ الولاءَ للغة العربية باعتبارها أساسَ الهوية يشكل بالنسبة للعرب من المحيط إلى الخليج، أحدَ المقدسات التي لا يمكن القفز عليها أو التخلي عنها؛ ففي ظل الصراع الحضاري الذي تؤججه الولايات المتحدة ودعاة التغريب، تسعى جميع الدول التي تحترم نفسها ومقدساتها إلى تعزيز لغتها القومية باعتبارها الوسيلة الأساس للحفاظ على الموروث الحضاري والهوياتي، وباعتبارها كذلك وسيلة تقدم وتحرر وبناء اجتماعي واقتصادي.

لقد أدركت جميع الدول المتقدمة، ومنذ وقت مبكر، أهميةَ اللغةِ في تحقيق النهضة، فجعلت ناصية اهتمامها النهوضَ باللغات المحلية واللغة القومية، كما هو الحال لدول جنوب شرق آسيا كاليابان والصين، فعلى الرغم من الصعوبات التركيبية والصرفية لهذه اللغات فإنها اعتمدت باعتبارها لغة للعلوم والتقنيات والاقتصاد، على اعتبار أنه لا يمكن لأمة أن تتقدم باعتماد لغة أجنبية، ولهذا نجد اللغة الصينية مثلا في تقدم مستمر، مما سيجعلها حسب عالم المستقبليات المهدي المنجرة، تتبوأُ المكانةَ الأولى مستقبلا، لا لشيء إلا لأن الصين جعلتها لغة الاقتصاد، ولأن الاقتصاد الصيني في تقدم مستمر. كما أن إسرائيل، مثلا، اعتمدت اللغة العبرية لغتها العلمية على صعوباتها وأحيتها وقعّدت لها رغبة منها في توطيد هويتها المندثرة.

تأسيسا على ذلك، يبقى النهوض باللغة العربية من الضرورات الملحَّة بالنسبة لكافة الدول العربية، إذا كنا فعلا نرغب في توطيد دعامات تاريخنا وحضارتنا، ولذلك تبقى مسألة جعل اللغة العربية لغة العلوم والتقنيات من أولى الأوليات في كل المدارس والجامعات والمعاهد، حيث يبقى التحدي القائم هو تعميم التدريس بالعربية في جميع المراحل الدراسية، ثم من خلال جعلها لغة جميع المناهج والمقررات الدراسية؛ ذلك أنه من غير المعقول، ونحن ندعي الرغبة في إصلاح النظام التعليمي، أن نجعل بعض المواد تُدرس في السلك الثانوي بالعربية وفي الجامعي بالفرنسية أو الإنجليزية، وإذا كانت هناك من عوائق أمام هذا التحدي فإن أمر مواجهتها يبقى ضروريا من خلال فتح المجال أمام الباحثين في مجال اللسانيات للارتقاء بها من خلال الترجمة والرقمنة.

إن سلاسة اللغة العربية وقوتها المعجمية والصرفية تجعلها من أغنى اللغات وأقدرها على دخول جميع جوانب الحياة؛ الاقتصادية والعلمية، والتقنية، والاجتماعية، والإدارية. ويمكن إجمال بعض محاسن العربية فيما يلي:

  1. لغة بيان بدون منازع

لا أحد ينازع في الغنى الأسلوبي والبلاغي للغة العربية؛ فمما لا شك فيه أن اللغة العربية تبقى من بين اللغات الأكثر بيانا وسحرا، وفي ذلك تقول المستشرقة الألمانية سيجريد هونكه: “كيف يستطيع الإنسان أن يقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم وسحرها الفريد؟ فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة”، وسحر العربية ظاهر في الشعر العربي قديمه وحديثه، كما أن ليونتها وانسيابيتها تجعلها من أكثر اللغات حيوية في تعابيرها وأسلوبها.

  • غنى في عدد الحروف

إن العربية غنية على مستوى عدد الحروف مما يسمح بتراكيب صرفية متنوعة فضلا عن اعتمادها الاشتقاق.

3- لغة مقتصدة

كونها على مستوى الكتابة في غنى عن وضع الحركات (les voyelles) مما يجعلها لغة مقتصدة؛ فما يحتاج إلى صفحتين في بعض اللغات يحتاج في العربية إلى صفحة واحدة.

4- لغة غنية عن الزوائد

كونها على مستوى التركيب تستغني عن الكلمات الزائدة، فالاسم مثلا، لا يعرف إلا مرة واحدة، فلا نقول: “الكتاب زيد”، لكن نقول: “كتاب زيد”، عكس كثير من اللغات الأخرى التي تعرّف الاسم مرتين. كما تستغني العربية عن الحروف الزائدة، فنقول سيارة خالد، دون اعتماد الكلمة المساعدة “of” أو “de” أو “ديال” في بعض اللغات الدارجة، وهلم جرا. كما أنها لا تعتمد حروفا زائدة غير منطوقة، كما هو الحال لكثير من اللغات الأخرى، فلا نكتب إلا ما ننطقه.

5- يُسْر في التصريف الزمني

على مستوى التصريف الزمني للأفعال في العربية نجد هناك أزمنة قليلة، بينما يبقى السياق هو المحدد للزمان، مما يجعلها سهلة التلقين والتعلم في هذا الصدد.

6- غنى معجمي

كونها لغة غنية معجميا: فبفضل الاشتقاق تشتمل على حوالي سبعة ملايين كلمة، بينما لا تزيد بعض اللغات المشهورة على مليوني كلمة، وفي هذا الصدد يقول المستشرق الألماني جورج فيلهلم فريتاخ “اللغة العربية أغنى لغات العالم”.

ولا يهمنا في هذا المقام أن نضع مقارنات أو نُقابِل بين اللغات لأن مسألة التفاضل بين اللغات نسبية ويرفضها البحث العلمي الحديث، إنما نريد فقط أن نبرهن على قوة اللغة العربية وقدرتها على أن تكون لغة العصر بالنسبة لنا، وأن تكون لغة علم وحضارة في عصر تتسابق فيه بعض اللغات كالإنجليزية للهيمنة باسم العولمة، والتي تدفع أمريكا وإنجلترا من أجلها مليارات الدولارات لتعميمها.

إنه لمن العار أن نكرِّس جهودنا المادية والمعنوية، في كثير من الدول العربية، في سبيل النهوض بلغات أجنبية في حين نحارب لغتنا وهويتنا، ولا أدل على ذلك من جعل اللغات الأجنبية جنبا إلى جنب مع العربية من حيث القيمة ومن حيث عدد الساعات الدراسية، فضلا عن تدريس العلوم في بعض الدول باللغات الأجنبية، وهو ما يتنافى مع هذا السياق، طالما أن المدرسة تبقى المدخل الأساس للتربية على حب اللغة العربية، فضلا عن تبويبها المكانة اللائقة بها بين اللغات.

وينبغي أن نؤكد على أنه لن يتأتى لنا ذلك، نقصد جعل لغتنا لغة الدرس العلمي والجامعي إلا من خلال تكثيف الجهود وفتح المجال للمتخصصين للإسهام في ترسيخ اللغة العربية وإغنائها عن طريق إنشاء معاهد متخصصة في المعالجة اللغوية وفي الترجمة العلمية إلى العربية لكل ما جد في عالم المعرفة.

كما ينبغي الإشارة إلى أن تنمية مجالات أخرى وخاصة المجال الاقتصادي، فضلا عن العلمي والتقني، هي الكفيلة بنشر اللغة وتقويتها، ولنا في الماضي العربي خير مثال، فالهيمنة اللغوية مرتبطة ارتباطا أساسا بالنهضة الاقتصادية وهذا المؤشر هو ما يجعل الصينية مثلا في تطور مستمر، وهو ما جعل الإنجليزية تهيمن الآن.

وختاما، فإن أمرَ النهوض بالعربية موكول إلى كل متحدث بالعربية، بدءا بالحكومات العربية التي عليها أن تضع سياسات ناجعة لتطويرها، مرورا بالإعلام والصحافة، وصولا إلى التعليم الذي يعتبر بوابة الإصلاح ومنطلق التغيير، كما نشير أخيرا، إلى أن الرقمية يمكنها أن تسهم بشكل كبير في تطوير اللغة العربية ونشرها، وهو ما يدعو بالضرورة إلى رقمنة التراث العربي، وإلى فتح آفاق جديدة للبحث العلمي في اللغة العربية في مجال البرمجيات اللغوية واللسانيات الحاسوبية.