لا شك أن التراث العربي رافد مهم من روافد الحضارة الإنسانية الممتدة عبر التاريخ، وقد تجذرت هذه الأهمية وترسخت -خاصة- بعد بزوغ فجر الإسلام في الجزيرة العربية. فقد كان للإسلام فضل كبير في تنمية هذا التراث ونضجه وتقديمه للعالم، لا سيما بعد الفتوحات الإسلامية المترامية الأطراف، ودخول أمم كثيرة ذات حضارات متنوعة تضرب بجذورها في عمق التاريخ في رحاب الإسلام وتحت رايته، مع اتخاذها للسان العربي المبين أداة تفكير وتفاهم وتأليف عوضًا عن لغاتها الأصلية الموروثة.

في هذه الرقعة الممتدة من الهند شرقًا إلى الأندلس غربًا تحت راية الإسلام، وفي بُعد زمني، يمتد هو أيضًا ما بين القرن الهجري الأول إلى القرن العاشر. أقول في هذين البُعدين -مكانًا وزمانًا- ترك التراث العربي الإسلامي للعالم زادًا معرفيًّا، وذخرًا ثقافيًّا أضاف الكثير إلى الحضارة الإنسانية من علم، وثقافة، وآداب، وقيم إنسانية رفيعة، ومنجزات حضارية أفادت ولا تزال تفيد البشرية جمعاء.

وقد أثرى هذا التلاقح الفكري والحضاري هذا التراث الإنساني(1)، فنتج عنه زاد فكري متنوع ضمَّ صنوفًا شتى من العلوم والفنون، والآداب والثقافات التي أضافت الكثير والأصيل إلى التراث الإنساني الذي أدى إلى التطور والتقدم الحضاري الواضحين بالمقارنة إلى الفترات التاريخية التي سبقته.

وقد عَرف المستشرقون والعلماء الغربيون قيمة هذا التراث ممثلاً في مخطوطاته، سواء المحقق منها أو غير المحقق، فاستغلوا فترات الحروب والقلاقل ليجمعوه ويستولوا عليه بشتى الطرق، ثم نقلوه إلى بلادهم، وأخذوا يدرسونه، ويحققونه، ويستفيدون من معطياته أيما إفادة، ثم صدوره لنا في صور شتى.

ومع هذا، فكثير من المستشرقين إذا كانوا قد وُفِّقوا حينًا في بيان قيمة وأهمية هذا التراث كمنجز إنساني أضاف الكثير إلى بني الإنسان، فقد أخفقوا أحيانًا أخرى(2) في تحقيق هذا الهدف؛ مما يضع في أعناقنا -العرب والمسلمين بشكل عام- أمانة نفض التراب عن هذا التراث، لا سيما المخطوطات التي لم تطبع بعد، وإعادة تقديمه لنا وللعالم كله في صورته الحقيقية.

وقبل أن نسترسل في هذا، ينبغي أن نحدد أولاً بعض المصطلحات الخاصة بهذا المجال، حتى يتضح المنهج الذي يمكن على أساسه السير بنجاح فيه، وتحقيق الهدف المنشود من بذل الطاقة والجهد.

ترك‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬للعالم‭ ‬زادًا‭ ‬معرفيًّا،‭ ‬وذخرًا‭ ‬ثقافيًّا‭ ‬أضاف‭ ‬الكثير‭ ‬إلى‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬علم،‭ ‬وثقافة،‭ ‬وآداب،‭ ‬وقيم‭ ‬إنسانية‭ ‬رفيعة،‭ ‬ومنجزات‭ ‬حضارية‭ ‬أفادت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تفيد‭ ‬البشرية‭ ‬جمعاء‭.‬

فحينما نقول مثلاً: إن “التراث العربي” يحتوي على كثير من “المخطوطات” المهمة، فقد وردت في هذه الجملة ثلاثة مصطلحات ينبغي تعريفها بدقة. فأما كلمة “التراث” فنعني بها ما قدمته هذه الأمة أو تلك إلى الإنسانية من خير، وما أضافته إلى حضارة الإنسان من منجزات وقيم وأثر في الناس. وبهذا المعنى نتحدث عن تراث الإسلام والصين والهند وروما(3)، وغيرها.

وأما المقصود بكلمة “العربي”: فهو نسبة إلى اللغة العربية المكتوب بها هذا التراث وليس إلى البلاد العربية، ليصبح المقصود بمصطلح “المخطوط العربي” في هذا السياق، هو ذلك الكتاب المخطوط بخط عربي قبل عصر الطباعة، سواء أكان في شكل لفائف، أو شكل صحف ضُمت إلى بعضها البعض على هيئة دفتر أو كراريس(4).

أما عن كلمة “مخطوط”: فالمخطوط مأخوذ لغةً من خطَّ بالقلم وغيره، خط يخط خطًّا، أي كتب أو صوّر اللفظ بحروف هجائية. وذكر المعجم الوسيط -الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة- تعريفًا أكثر تحديدًا من سابقه، حيث ذكر أن المخطوط هو المكتوب بالخط لا بالمطبعة، وجمعُه مخطوطات، والمخطوطة: النسخة المكتوبة باليد(5).

أهمية مخطوطات تراثنا

تمثل هذه المخطوطات ذاكرتنا الثقافية، وإسهامنا الحقيقي الذي قدمناه إلى العالم في الفترة التي كان لنا فيها السبق الفكري والحضاري المُشاركَيْن بفاعلية وتأثير كبير في التقدم الإنساني بشكل عام. وهذا التراث وإن كان ينتمى لنا كونُنا مصدرَ بثِّه وتقديمه للعالم، فهو أيضًا يمثل كنزًا وتراثًا إنسانيًّا عامًّا نفخر أننا أصحابه في يوم من الأيام، وأنه كان حلقة مهمة من حلقات التطور العلمي والفكري على المستوى العالمي، وخاصة بالنسبة للغرب الذين تلقفوه واطلعوا عليه ونقلوه إلى لغاتهم، بل ودرَّسوه في معاهدهم العلمية لعدة قرون. فأفادوا من العلوم المكتوبة بالعربية كعلوم الطب، والفلاحة، والفلك، والفيزياء، والرياضيات، والهندسة، وغيرها من علوم. بل لقد أفادوا من الإبداع الأدبي العربي، حتى إن بعضهم يقطع بتأثر أعلام أدبهم في ما تركوه من مؤلفات بأدبائنا الكبار كتأثر “دانتي اليجيري” (Dante Alighieri) (1265-1321) في “كوميدياه الإلهية”، مثلاً “برسالة الغفران” لأبي العلاء المعري (973-1057)، وما تناقلته الدراسات من اعتراف أمير شعراء الألمان “يوهان ولفجانج جوته” (Johann Wolfgang von Goethe) (1749-1832) بتأثره بالشعر الجاهلي خاصة “المعلقات”، بل وترجمَ بعضَها. أما “الديوان الشرقي”(6) الذي وصفه مؤلفه بـ”الديوان الشرقي لمؤلفٍ غربي” فقد تأثر فيه بحافظ الشيرازي، كما قرأ أيضًا المتنبي وأبا تمام، وغيرهما، وتأثر بهم.

أما “ألف ليلة وليلة”، فقد كانت نبعًا ثرًّا لأدباء الغرب، ينهلون من معين خيالها الذي لا ينضب، وقد اعترف “أونوريه دي بلزاك” (Honoré de Balzac) (1799-1850) أحد أقطاب الرواية الفرنسية، بقراءته لها سبع عشرة مرة.

واجبنا نحو تراثنا ومخطوطاتنا

أولاً: لا بد من العناية بهذا التراث وتوثيقه واستثمار معطيات العلم والتكنولوجيا الحديثة في هذه العناية وهذا التوثيق.

ثانيًا: ينبغى تحقيق المخطوطات التي لم يتم تحقيقها، وذلك بمقابلتها بنسخ مختلفة، سواء في البلد الموجودة فيها هذه المخطوطة أو في بلدان مختلفة. ولهذا ينبغي أن ترصد لهذا العمل ميزانية تكفل القيام بهذا الدور على خير وجه ممكن.

ثالثًا: العمل على فهرسة هذا التراث وتصنيفه، سواء الموجود منه في البلاد العربية أو الإسلامية أو حتى في البلاد الغربية.

رابعًا: لا بد من بذل المحاولات الجادة لاستعادة تراثنا المفقود ومخطوطاتنا العربية المُهَجَّرة، حتى لو اضطررنا للجوء إلى المحاكم الدولية في هذا الشأن، وحتى لو كلفنا هذا شراءها.

خامسًا: تشجيع إنشاء مراكز للحفاظ على التراث، وتحقيق المخطوطات بالجامعات المصرية والعربية المختلفة، وربطها ببعضها البعض، مع تنسيق التعاون فيما بينها وبين معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية؛ حتى يمكن استثمار الجهد والوقت والمال على أفضل وجه ممكن، خاصة بالنسبة لتحقيق ونشر المخطوطات.

سادسًا: رصد المكافآت السخية، والجوائز القيمة لأولئك الذين يقومون بجهد مشكور في تحقيق المخطوطات النادرة، وإخراجها بالصورة اللائقة شكلاً وموضوعًا. 

الهوامش

(1) علم المخطوط العربى: بحوث ودراسات، فيصل يوسف أحمد العلي (2014)، سلسلة الوعي الإسلامي، الإصدار التاسع والسبعين، الكويت، ص:5.

(2) مقدمة كتاب: تراث الإسلام، د. شاكر مصطفى (1978)، الجزء الأول، سلسلة كتاب عالم المعرفة، العدد رقم 1، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص:12.

(3) المصدر السابق، ص:8.

(4) في المخطوطات العربية، د. السيد علي النشار (1997). دار الثقافة العلمية بالإسكندرية، ص:6.

(5) المصدر السابق، ص:5.

(6) تذكار جيتي، عباس محمود العقاد (1932)، الطبعة الأولى، مطبعة المعاهد بجوار قسم الجمالية بالقاهرة، ص:118.