استخلص الجادون من أهل العلم والبصيرة من نبع القرآن الفياض، قواعد وأركانًا أسسوا بها علومًا وأساليب أدبية متنوعة، تحوّلت فيما بعد إلى علوم مستقلة يدرسها طلاب العلم في أرجاء المعمورة. فاستلهم ابن عبد ربه والجرجاني قواعد النظم البلاغي وأسس الإعجاز الأدبي من بين طيات الحروف والآيات، كما اهتدى عمر بن الخطاب  ومن معه إلى أهمية علم التاريخ في التعرف على طبيعة الأحداث ومجريات الأمور، وأسس الطبري، وابن كثير، والرازي، وغيرهم، قواعد علم التفسير، واستخرج ابن خلدون من توجيهات القرآن وأحكامه الاجتماعية درر علم الاجتماع وأهم وظائفه ونظرياته.

كذلك استقى ابن سينا، وابن رشد، بديهيات الطب من الآيات الحكيمة، وانعكست مرآة العلم القرآني على أفئدة وعقول ابن الهيثم، والخوارزمي، وعمر الخيام، والبيروني.. فسطعت علوم البصريات والرياضيات والفلك في سماء الحضارة الإسلامية التليدة.

أدوات النهضة في القرآن

يرى الراصدون والدارسون للحضارات الإنسانية المختلفة، أنها ترتكز على ثلاثة عناصر رئيسية، هي الإنسان، والفكر، والأشياء (التراب ورأس المال وشتى العوامل المادية)(1).

1- مكانة الإنسان في القرآن الكريم:

لقد حظي الإنسان في القرآن الكريم بقدر عال من التكريم والتعظيم والإجلال منذ لحظة خلقه الأولى وإلى يوم القيامة، ما دام مطيعًا لأوامر الله تعالى، قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى(البقرة:34)، وقال تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(البقرة:31)؛ فتبين الآيات مكانة الإنسان عند ربه حيث أمر الملائكة بالسجود له، ثم كرمه مرة أخرى عندما علمه الأسماء كلها وأمره أن يكون معلمًا للملائكة.. منزلة منحها الله لآدم  ليثبت له الحق في التكريم والتقديم على الملائكة، لأن المعلم أفضل درجة عند الله من المتعلم، والمعلم صاحب فضل على المتعلم ومن ثم متقدم عليه.

ويرسم القرآن للإنسان الوظيفة الحضارية المنوطة به على الأرض فيقول: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً(البقرة:30)، وقال أيضًا: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ(النور:55)؛ فاستخلاف الإنسان في الأرض الذي توضحه هذه الآيات، دليل على تفويض الله له لكي يكون خليفة الله، يضرب في أكبادها ويمشي في مناكبها ليستخرج ما يفيده في دينه ودنياه.

“وقد ظهرت آثار الإنسان في هذه الخلافة على الأرض ونحن نشاهد عجائب صنعه في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء.. فهو يتفنن ويبتدع، يكتشف ويخترع، ويجد ويعمل، حتى غير شكل الأرض فجعل الحَزَن سهلاً، والخراب عمرانًا، والبراري بحارًا، وولد بالتلقيح أزواجًا من النبات، وقد تصرف في أنواع الحيوانات كما يشاء، بضروب التربية والتغذية والتوليد، حتى ظهر التغير في خلقتها وخلائقها وأصنافها، فصار منها الكبير والصغير، ومنها الأهلي والوحشي.. هو ينتفع بكل نوع منها ويسخره لخدمته”(2).

وهذه المكانة التي مكنها الله للإنسان في الأرض ليكون خليفته فيها، ما كان له أن يتبوأها إلا بعد موافقة المشيئة الإلهية.

وتعلوا السمة الحضارية في هذا التفويض الإلهي للإنسان عندما يحسن استخدام هذا التفويض، ويحقق من استخلافه ما ينفع به نفسه، أو ينفع به الناس، وذلك عندما يلتزم الإنسان بمنهج الله، قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(التين:4)، لكنه يذل ويشقى عندما يرتكس ويطغى، قال تعالى: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ(التين:5)، وهكذا يكون مقياس التحضر في القرآن؛ العمل الصالح الذي ينفع صاحبه، بل يمتد إلى الناس جميعًا إن أمكن ذلك، أما إن قدم الإنسان مستغلاً استخلافه في الأرض ما يسيء إليه أو يلحق الضرر ببني جنسه، فإنه يسقط إلى حيث يعيش من شابهه في الفعل أو القول -وهو أسفل سافلين- وإن ظهر ما قدمه على صورة اكتشاف جديد أو علم حديث، المهم أن غايته التي جاء من أجلها غير صالحة للبشرية، بل تفتك بهم وتحاول القضاء عليهم.

إن استخلاف الله تعالى للإنسان، يعدّ من أبرز الأسس القرآنية الحضارية، لأنه لم يستخلفه الله للفساد أو الإفساد، وإنما استخلفه للتعمير والبناء فيما ينفع لا فيما يضر.

إن استخلاف الله للإنسان، يعدّ من أبرز الأسس القرآنية الحضارية، لأنه لم يستخلفه الله للفساد أو الإفساد، وإنما استخلفه للتعمير والبناء فيما ينفع لا فيما يضر.

2- منزلة الفكر والتفكير في القرآن

كانت الفكرة الإسلامية هي التي أطلقت قطار الحضارة الإسلامية، وضمنت له التواصل في التاريخ، وكان الإنسان المسلم المعبأ بهذه الفكرة على يقين جازم ويحس أنه منبعث بها في التاريخ؛ “ليخرج بها الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد” كما قال ربعي بن عامر  في وجه رستم قائد الفرس.

كانت الفكرة وكان إنسانها هما اللذان أنجزا ميلاد الحضارة الإسلامية، ولقد واصل المجتمع المسلم بالفكرة تطورًا، وأكمل سبكة روابطه الداخلية بقدر امتداد إشعاع هذه الفكرة في العالم(3).

ومن ثم ذهب العقّاد وغيره من الباحثين والعلماء، إلى أن التفكير فريضة إسلامية يجب على المسلم التحلي بها في مجالات حياته المختلفة، ليتسنى له حمل معالم الإسلام إلى غيره من الناس(4).

أما العقل الذي يفكر ويستخلص من تفكيره زبدة الرأي والرؤية، فالقرآن الكريم يعبر عنه بكلمات متعددة تشترك في المعنى أحيانًا، وينفرد بعضها بمعناه على حسب السياق في أحيان أخرى.. فهو الفكر والنظر والبصر والتدبر والاعتبار والذكر والعلم، وسائر هذه الكلمات الذهنية التي تتفق أحيانًا في المدلول، ولكنها لا تُستفاد من كلمة واحدة تغني عن سائر الكلمات الأخرى.

ويورد العقّاد أكثر من ثلاثين آية يؤكد بها قوله منها قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(البقرة:219)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ(آل عمران:191)، وقال أيضًا عن القرآن: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ(آل عمران:7). فالقرآن الكريم نوّع استخدامات العقل وعدّد مترادفاته؛ حتى يتحقق المسلم من أهمية وعلو صاحبه ومكانته في الإسلام. فإذا أخذ المسلم بمنهج العقل في قضايا دنياه حسبما يقتضيه القرآن ويوضحه، لم يلق الإنسان من ورائه إلا الخير ولن يضير أبدًا في دنياه.

أما إذا أهمل العقل ونظر إلى ما تهوي الأنفس، فإن مصيره سيكون مع الحمقى والمشركين والمفسدين، قال تعالى: قُلْ لاَ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(المائدة:100)، وقال تعالى عن اليهود: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ(الحشر:14). وعاب القرآن على من غيّب عقله من عبدة الأصنام فقال: أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(الأنبياء:67).

وهكذا أعرب القرآن عن وظيفة العقل في استكشاف مخلوقات الله في الكون، حتى يتعقلها ويطوعها لذاته ولغيره من الناس.

هذا بالإضافة إلى أهمية تفضيله في قضايا الاعتقاد والإيمان، وعدم الاتباع الأعمى أو التقليد الساذج.. أما إذا وظف العقل أو التفكير في غير صالح الفرد أو الجماعة، بل تعدى ذلك إلى الضرر العام أو الخاص، فعلى صاحبه أن يعدّ نفسه من أصحاب السعير، لأنه لم يعقل ولم يفكر فيما يرضي الله ويرضي نفسه والناس من حوله، قال تعالى: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(الملك:10)، وذلك لأنه أشار في آية أخرى إلى أن التفكير الخاطئ يعد مكرًا سيئًا، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله.

3- الأشياء وقيمتها الحضارية في القرآن:

لقد أنزل القرآن مخلوقات الكون منزلة سهلة من الإنسان، ليستطيع الحصول عليها أو التحقق منها، ومهّد له الاستفادة منها والغاية من وجودها ليتسنى له الوفاء بأداء الأمانة التي تحمّلها عن سائر المخلوقات، فقيمة الأرض -على سبيل المثال- في الإبداع الحضاري، قيمة لا تنكر، فهي مناط الزراعة ومناط الري، وهي بدرجة ما مرتبطة بالتصنيع، وبقدر ما يستطيع الإنسان استغلال الأرض الاستغلال الأمثل، وتطوير عطائها وتوجيهه، بقدر ما يستطيع إبداع حضارة إنسانية موجهة.

ومما يؤكد ذلك عشرات الآيات التي تحدثت عن الأرض والجبال والسماوات، والبحار والأنعام، قال تعالى: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(النحل:5)، وقال عن الأرض: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا(النازعات:31)، وقال عن النبات: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا(يس:80)، وقال عن البحر واستغلال الإنسان له: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا(هود:41).

وتتعدد الآيات التي تلفت نظر الإنسان إلى المخلوقات التي ذللها الله له، ليعمل من خلالها عملاً صالحًا يستفيد به ويفيد غيره، ومكّن له في الأرض ليكون قادرًا على السعي، واستخراج الطيب من العيش من خلال العمل الصالح.

ولكي يصلح العمل، لا بد أن يصحبه الإيمان بالله تعالى، وهذه هي الميزة الحضارية الثالثة التي يراها القرآن من شروط النهضة الحضارية الحقة.

قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا(فصلت:33)؛ فالإيمان والعمل الصالح هما اللذان يبدعان الحضارة، وبهما تتحقق سعادة الإنسان على الأرض، كلما أبدى الإنسان ضربًا جديدًا من الهمة والنشاط والإبداع، ارتقي مدرجًا جديدًا من مدارج الحضارة التي يصنعها لنفسه ولبني جنسه من البشر.

فالإيمان بالله وتلقّي هدايته عن طريق رسله وأنبيائه، هو الكابح الذي ينظم المسيرة الحضارية، ويحفظ لها التوازن من الطيش والتعالي والتظالم، مما يجعل الحياة البشرية أكثر سعادة ورخاء وأمنًا(5).

وفي ضوء ذلك، يستوجب على المسلم أن يربط الحركة أو العمل بالإيمان؛ حتى يصبح العمل عملاً، فيأخذ به أجرًا من الله ومن الناس، لأن الله عندما استخلف الإنسان في الأرض، وحثه على العمل الصالح النافع له ولبني جنسه، أراد بذلك استمرار المسيرة البشرية نحو الخير والصلاح، كي ينعم المجتمع البشري بالرخاء والاطمئنان. ولذلك فإن القرآن يعد الأرض من نعم الله التي أنعم بها على المجتمع البشري، قال تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي اْلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ(الأعراف:10).

وهكذا أضفى القرآن على العمل صبغة الصلاح حتى يكون أساسًا حضاريًّا، وركيزة أساسية تقوم عليها الحضارات البشرية.. أما إن تحول العمل عن مسار الصلاح، فإنه يصبح فسادًا يصيب من يقترب منه بأذى.

ومن هنا عاب القرآن على الذين إن تولوا وسعوا في الأرض لتدمير كل ما ينفع الناس فقال: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ(البقرة:205).

لذا فإن القرآن يسعى لحماية المنجزات الحضارية التي بناها الإنسان، ومنع العبث بها وتخريبها، بل إنه رفض أي محاولة لإعاقة المسيرة الحضارية للبشرية بجانبيها المادي والأخلاقي أو الروحي، لأن سلامة الجانب الأخلاقي وتنامي الجوانب الروحية في أي حضارة، هما اللذان يضمنان استمرار الحضارة وتقدمها في جوانبها المادية.

فعندما تضيع الأمانة والصدق في حضارة ما، وينعدم الإخلاص في العمل وينتشر الغش.. فإن ذلك يعد إيذانًا بانهيار تلك الحضارة، لأن الفساد الخلقي والروحي، من شأنهما حرمان الحضارة من نصف عناصر قوتها التي تضمن لها الحرية والانتشار(6).

فالقرآن صاغ أسس الحضارة البشرية على مبدأ الخيرية والصلاح الشامل الذي يعود على الفرد والجماعة.

أما إذا تحول مسار هذه الأسس وأضحى ذلك وبالاً على الفرد والمجتمع، فإن القرآن يبرأ منها ويقوم على فاعلها بالعذاب الأليم ما لم يرجع أو يعود إلى مسار الخيرية التي ينشدها في أسسه الحضارية. 

(*) كاتب وباحث مصري.

الهوامش

(1) تفسير التاريخ علم إسلامي، د. عبد الحليم عويس، ص:160-161، دار الصحوة، القاهرة.

(2) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، 1/260، دار الفكر، بيروت، لبنان.

(3) شروط النهضة، ص:68، نقلاً عن الدكتور عبد الحليم عويس، تفسير التاريخ علم إسلامي،ص:160.

(4) التفكير فريضة إسلامية، عباس محمود العقاد، نهضة مصر للطباعة.

(5) المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب، سالم أحمد محل، ص:55.

(6) المرجع السابق، ص:59-60.