يُعد التجديد في الفكر الإسلامي من أهم القضايا الفكرية المطروحة على الساحة المعاصرة في ظل ما يشهده العالم من تطورات متلاحقة، وانفتاح على ثقافات متنوعة أثرت على الفكر الإسلامي ودعاته بسبب التطورات الهائلة، والمتغيرات المتلاحقة، والحداثة الغربية، مما يُحتم على العلماء والمفكرين ضرورة التجديد في الفكر الإسلامي، وذلك انطلاقًا من الدين والعقل والواقع، لمواكبة الحياة المعاصرة من ناحية، وللمساهمة في بناء ثقافة الإسلام وحضارته الخالدة من ناحية ثانية.

التجديد في الفكر الإسلامي يُعيد للأمة الإسلامية هويتها الدينية، ويربطها بماضيها الزاهر، ويعينها على مهمتها في الحاضر، ويجعلها تستشرف المستقبل القادم.

ويعني التجديد، الإحياء والبعث لما اندرس من الدين، وتنقيته من البدع والأساطير، وتنزيله على واقع الحياة ومستجداتها. والتجديد الذي نعنيه هو “إحياء لما درس من آثار الدين، وإنعاش لما طُمس من معالم الشرع، وليس التجديد زيادة ولا نقصانًا في أصول الدين وفروعه، وليس تبديلاً ولا تغييرًا عن معالمه وشعائره، ولكنه إصلاح للأوضاع الفاسدة والأحوال السيئة، والرجوع بالمسلمين إلى قواعد الدين السليمة”(1).

والتجديد ليس إهمالاً أو تركًا لأصول الدين أو فروعه، وإنما هو إحياء له، وإظهار معالمه، وعمل على تطبيقه.. فالتجديد يستمد ذاتيته من أصل الدين. والتجديد يكون للفكر وليس للدين الإلهي، فالدين الإلهي ثابت لا يتجدد، إنما الذي يتجدد هو دين الأمة.

وأما الفكر الإسلامي، فيعني اجتهادات مفكري الإسلام في مختلف المسائل بالاستناد إلى أصول الإسلام الكلية بحسب ما فرضه عليهم القرآن والسنة من التفكير والنظر، وطلب الحقيقة في أمور الدين والفكر والحياة. وبالتالي التفكير هو عمل العقل في شيء ما بهدف الوصول إلى نتيجة فيه، أما الفكر فهو نتاج التفكير.

والفكر الإسلامي، هو نتاج عقول المسلمين المنضبط والمتفق مع مبادئ الإسلام عبر العصور المتلاحقة في ميادين الثقافة الإسلامية المختلفة، وقد اتسعت ميادينه فشملت العقيدة والشريعة والأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع والفلسفة والفن ..إلخ.

وعلى هذا، نفرق بين الفكر والإسلام. فالإسلام ثابت لا يتجدد باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، والفكر الإسلامي متغير يتجدد باختلاف الزمان والمكان والأشخاص، مع المحافظة على مبادئه الثابتة التي لا تختلف ولا تتغير.

الإسلام‭ ‬قد‭ ‬تمت‭ ‬أركانه،‭ ‬وكمُل‭ ‬بنيانه‭ ‬قبل‭ ‬ملاقاة‭ ‬الرسول‭ ‬‭ ‬لربه،‭ ‬أما‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬فبنيانٌ‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬قوية،‭ ‬وهو‭ ‬قابل‭ ‬للإتمام‭ ‬حتى‭ ‬يبلغ‭ ‬عنان‭ ‬السماء،‭ ‬فتظل‭ ‬الدعوة‭ ‬لتجديد‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬متكررة‭ ‬وقائمة،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تجديد‭ ‬الدين،‭ ‬بل‭ ‬تعنى‭ ‬تجديد‭ ‬الفكر‭.‬

والتجديد في الفكر الإسلامي فريضة دينية قررتها نصوص الوحي المعصوم، وحتمية عقلية قررتها العقول السليمة، وضرورة حياتية وحقيقة واقعية، فرضتها ظروف الحياة المعاصرة، لأن مستجدات العصر الذي نعيشه، والقضايا التي تُفرض أو تُطرح علينا كثيرة ومتنوعة، وهي تتطلب منا أن نواكب -بتفكيرنا وأسلوبنا وأدواتنا وطريقة حوارنا- مسايرة العصر الذي نعيشه.

وعلى هذا، فالتجديد في الفكر الإسلامي، أصبح في زماننا فرض عين على العقول المسلمة، وهو يشمل مختلف العلوم وفروع الثقافة التي انبثقت من القرآن والسنة، وأصول هذه العلوم ومناهجها.

اتجاهات التجديد وتقويمها

في إطار طرحنا لقضية تجديد الفكر الإسلامي، نعرض لاتجاهات تجديد الفكر الإسلامي وبيان الموقف الصحيح منها، واتجاهات فهم قضية التجديد في الفكر الإسلامي متعددة لكنها تعود إلى اتجاهين:

الأول: اتجاه التجديد في الفكر الإسلامي مع الالتزام بضوابط التفكير الواردة بالقرآن والسنة، ويمثله مدرسة الإحياء والتجديد، يقول الدكتور محمد عمارة رحمه الله: “ولقد كانت مدرسة الإحياء والتجديد التي صاغ مناهجها وبلور معالمها فيلسوف الإسلام وموقظ الشرق جمال الدين الأفغاني، والتي فصل معالم قسمات مشروعها التجديدي والنهضوي الأستاذ الإمام محمد عبده، وهي الإطار الفكري الذي شهد كوكبة من العلماء الذين نبغوا على امتداد بقاع العالم الإسلامي، والذين جاهدوا لتجديد الفكر الإسلامي كي تتجدد به حياة الأمة الإسلامية، من أمثال عبد الله النديم، ومحمد رشيد رضا، وعبد الرحمن الكواكبي، وعباس العقاد، ومحمد الغزالي، وعبد الحميد بن باديس، ومحمد بشير الإبراهيمي، وعلال الفاسي، ومحمد والطاهر بن عاشور، ومحمود شلتوت، ومالك بن نبي وغيرهم كثير.

وهؤلاء العلماء -بحق- قد صاغوا الحركة الفكرية صياغة جديدة، تتفق وروح الدين حتى أطلق عليهم “المجددون”، وتسميتهم بالمجددين لم يكن من فراغ، وإنما لقيامهم بكل ما من شأنه صلاح حال الإسلام والمسلمين.

وإذا كان التجديد قد مر على النحو الذي ذكرنا، وقد قام به الكثير من العلماء بعد صفوة خلق الله من الأنبياء، فإن الدعوة المعاصرة التي تدعو إلى هذا التجديد، متمثلة في المؤسسات الدينية والسياسية والاجتماعية، يجب أن تعي في التجديد الذي تريده الضوابط التي من شأنها ألا تخرج به عن المعنى الذي كانت من أجله دعوة الإسلام.

الثاني: الرغبة في تجديد الفكر الإسلامي مع عدم الالتزام بقواعد وضوابط التفكير: ومن زعماء هذا الاتجاه، المتأثرون بالفكر الغربي، وقد رد عليهم الأستاذ الدكتور محمد البهي في كتابه “الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي”(2)، ومن زعماء الاتجاه الثاني أيضًا، الجماعات المسماة بالإسلامية، وهي كثيرة في الساحة الآن.. هذه الاتجاهات أغرقت لغة الخطاب بمفردات خاصة حاولت إضفاء شيء من الغموض على المقولات المطروحة، وحاول أصحابها تحوير مبادئ الإسلام؛ لتتفق مع الفكر الغربي المعاصر.

يقول الأستاذ الدكتور محمد كمال إمام رحمه الله: “إن التجديد لا يتعلق بالأصول الإسلامية، فالكتاب والسنة ليسا مجالاً للتجديد، ولا هما جزءًا من التراث، وينبغي أن يكون هذا واضحًا لمثقفينا؛ لأن افتراءً كبيرًا قد يحدث على الكتاب والسنة تحت مسمى التجديد، أو تحت مسمى أن التجديد يتعلق بالتراث، وأن هذا الأصل جزء من التراث.. وإن التجديد حتى وإن تعلق بالنظم، لا يتعلق بالنظم القطعية الإسلامية التي جاءت فيها النصوص القطعية الإسلامية، سواء كان نظام الحدود أو كان نظام المواريث أو غيره.. فالمساس بالنظم الأساسية القطعية الإسلامية لا يعد تجديدًا، وإنما هو تبديد للدين وللشريعة على السواء”(3).

وهذا التحفظ يجب أن يوضع في عين الاعتبار، فقد يدخل تحت هذا المسمى أرباب الثقافات الضحلة، فيتخذون من ذلك مأربًا لأهدافهم فيضرون الفكر من حيث لا يدرون، فعندئذ يكون التجديد وبالاً على الأمة  وليس من صالحها.

ضوابط وآليات التجديد

إذا كان التجديد في الفكر الإسلامي فريضة دينية، وحتمية عقلية، وضرورة حياتية، فإنه لا يتأتى التجديد في الفكر الإسلامي إلا في ضوء مجموعة من القواعد الهامة، والآليات التي تضبط عملية التجديد، ومن أهم هذه الضوابط:

• أن الذي يقوم بهذا التجديد إنما هم العلماء الذين يتوفر لديهم أدوات الفهم الصحيح لأصول الإسلام من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، والاجتهاد، والقياس، وما دار في فلكهما من الأصول والمصادر الأصلية للإسلام.

• وينبغي أن يُلم المجدد للفكر الإسلامي بمجموعة من الأفقاه التي تُعينه على التجديد كفقه الواقع، وفقه النوازل، وفقه المآلات، وفقه الأولويات، وفقه مقاصد الشريعة الإسلامية. وهذه الأفقاه هي مجال التطبيق العملي للإسلام تلبية لاحتياجات المجتمع المتجددة، وملاحقة لمتغيرات العصر المتوالية.

• أن يتصف المجدد بالعلم، والإخلاص، والفهم الدقيق، والرؤية الثاقبة لواقع الأمة وقضاياها، والاستفادة بما توصل إليه العلم الحديث في فهم النصوص الشرعية، وتوظيفها توظيفًا يتناسب مع العصر وحاجات الأمة.

• الاهتمام والعناية بالوقائع، والملابسات التي أحاطت بالنص الشرعي، وما يمكن أن تحدثه من متغيرات في الأحكام حسب الزمان والمكان.

• إعادة النظر في اجتهاد الفقهاء السابقين، وعدم نقلها برمتها إلى واقعنا المعاصر؛ لاختلاف الأزمنة والبيئيات والأشخاص.

• أن التجديد لا ينال  ثوابت الدين، إنما يكون في الوسائل والأساليب والآليات والفروع والجزيئات، لا الأصول والكليات؛ انطلاقًا من قاعدة مرونة الشريعة الإسلامية التي تقوم على إبراز مقاصد الشريعة الإسلامية من خلال فتح باب الاجتهاد في استنباط الأحكام بلغة تناسب العصر، وتواكبه وتراعي المستجدات والمتغيرات.

الآفاق المستقبلية لقضية التجديد

إن القضايا التي فُرضت على الساحة في عصرنا كثيرة، والواجب على علماء الأمة أن ينظروا إلى معالجة هذه القضايا ودراستها وتفنيدها والرد عليها من خلال دينهم وعقيدتهم، لا سيما وأن فكرنا الإسلامي ليس فكرًا جامدًا ولا جاحدًا لا يقبل الآخر أو يقف عند حد معين من القضايا القديمة وفقط، وإنما هو فكر يتسع لكل زمان ومكان، يقوم على التأمل والنظر في الكون وما فيه ومن فيه، ليعود بعد النظر والتفكير إلى كل ما من شأنه صلاح عقيدتنا وديننا، بل ودنيانا أيضًا.

ومن الأفاق المستقلة لقضية التجديد في الفكر الإسلامي:

ضرورة التركيز على الدراسات الواقعية، والحد من الدراسات الغيبية، والتركيز على قضايا غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية، وقضية حوار الحضارات، وثقافة السلام، وثقافة قبول الآخر.

التجديد فى قضية الأقليات المسلمة التي تجاوز عدد المسلمين فيها الملايين، وما يتعلق بهم من قضايا الإقامة، وممارسة الشرائع والشعائر، وفتاواهم.

قضية الاستنساخ والتي لم تظهر إلا في العصر الحديث إبان ثورة العلم، وما يتعلق بها من قضايا شائكة تحتاج لاجتهاد متكرر من العلماء والمفكرين .

قضايا نقل الأعضاء البشرية، واستئجار الأرحام، وما يتعلق بها من قضايا أخلاقية، ودينية، وعقدية.

قضايا الجهاد في سبيل الله وما يتعلق بها من ناحية المفهوم والتطبيق، والأعمال الفدائية، وعمليات التفجير، والاستشهاد وغيرها من القضايا التي تحتاج لبحث دقيق يواكب المستجدات الحديثة.

قضايا ومشكلات الأمية، والفقر، والجهل، والمرض، والتخلف، والهزيمة النفسية ومعالجتها، والتركيز عليها بالبحث والدراسة، وطرح الحلول القابلة للتنفيذ فيها.

قضايا علم الكلام ومناقشة الحرية في الإسلام كدين وعقيدة، ودراسة ظاهرة الغلو في الدين، وظاهرة العولمة وأثرها على العقيدة، وقضية الحداثة، كما يناقش قضية تاريخية الدين وقداسة النص الديني، والتجديد في الفكر السياسي، ومكانة الدفاع عن الأرض في درس العقيدة.

والحقيقة أن مناقشة هذه القضايا في ضوء الفكر الإسلامي، أمر هام. فقد أصبحت هذه الأفكار أمرًا واقعيًّا، فهي قضايا معروضة أمامنا، وتتطلب من علماء المسلمين مناقشتها والرد عليها. وأن مناقشتها في ضوء فكرنا الإسلامي الذي يتسم بالاتزان والإحكام والانضباط ونبل الهدف، والدعوة إلى كل ما من شأنه صلاح الأمة في معاشها ومعادها، يجعل الأمة بحق “خير أمة أخرجت للناس”.

وأخيرًا

إن الإسلام قد تمت أركانه، وكمُل بنيانه قبل ملاقاة الرسول  لربه، أما الفكر الإسلامي فبنيانٌ قائم على أسس قوية، وهو قابل للإتمام حتى يبلغ عنان السماء، فتظل الدعوة لتجديد الفكر الإسلامي متكررة وقائمة، وهي لا تعني تجديد الدين، بل تعنى تجديد الفكر.

ونؤكد بعد هذا البيان لقضية تجديد الفكر الإسلامي وأهميته وآفاقه وضوابطه، أنه لم يبق إلا أن تتعاون الجهود المخلصة من المفكرين ورجال الدعوة والإعلام والفكر، للتركيز على قضية التجديد قولاً وعملاً وتطبيقًا في واقع الحياة المعاصرة.

(*) أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر / مصر.

الهوامش

(1) انظر: تاريخ الدعوة إلى الله بين الأمس واليوم، آدم عبد الله الآلوري، ص:233، ط ثالثة، مكتبة وهبة 1408هـ/1988م.

(2) الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، الدكتور محمد البهي، طبعة مكتبة وهبة.

(3) تجديد الخطاب الديني لماذا وكيف، سلسلة قضايا إسلامية، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، العدد:84، مقال الدكتور محمد كمال إمام، ص:81-82 بتصرف.