إبداعات فنية بتشكيلات جرثومية

سمعنا كثيرًا عن الفطريات الملونة (السوداء والصفراء والبيضاء) وغيرها من الميكروبات والجراثيم الملونة، لــذا دأبت “الجمعية الأمريكية لعلم الأحياء الدقيقة” منذ عام 2015 على تنظيم “مسابقة الآجار الفنية” سنويًّا؛ لإلقاء الضوء على هذا التقاطع بين العلم والفن، بدمج مكونات مثل الآجار ثلاثـي الأبعاد مع الأبواغ وأنواع شتى من الكائنات الحية.. فـقامـت بتنظيم هذه المسابقة للفن الجرثـومي بعد انتشار صورة لشجرة عيـد الميلاد صنعتها “روزيتسا تاشكوفا” في عام 2014، وطبع منها 2015, 85 نسخة بناء على طلب الناس.

عند النظر عن كثب إلى طبق بِتْري يُستَخدم لصناعة الجراثيم في المختبرات، تبدو البقع القرمزية كنقاط ملونة من الحبر تفصل بينها مسافات محددة بدقة لكن دون ترتيب معين، وإذا أمعنت النظر في المناطق الفاتحة والداكنة، ستتضح أمام ناظريك الصورة الشهيرة لـ”ألبرت أينشتاين” وهو يخرج لسانه.

كانت هذه واحدة من أوائل “الصور الجرثومية” التي قام “زخاري كوبفر” بصنعها -وهو عالم جراثيم تحول إلى فنان- مستخدمًا أسلوبه الذي تقدم به للحصول على براءة اختراع، والتمثل في صنع لوحات فنية “حية” بمساعدة المستعمرات البكتيرية.

إن الجراثيم تحيط بنا طوال الوقت، لكن جلّها لا يُرى بالعين المجردة إلا في فن الآجار -وهو مادة هلامية مستخلَصة من الأعشاب البحرية- الذي يكشف عن هذا العالم غير المرئي. حيث تقول الباحثة العلمية والفنانة “لونتوك”، إنه يبرز “جمال الجراثيم وتنوعها”، ولا يحظى سوى باهتمام قليل في كثير من الأحيان.

بإطلالة تاريخية؛ حدث في ثمانيـنيـات القـرن التاسـع عشـر أنْ ارتـأت “أنجيلينا هيس” -وكانت مساعدة مختبر وطاهية- أنّ بالإمكان استخدام أحد العناصر التي تدخل في صنع حلويات الهلام و”البودنج”، في زراعة البكتيريا. وقد تمكنت “هيس” من استثمار الآجار لذلك الغرض، فأحدثت ثورة في علم الأحياء المجهرية، ومهدت الطريق لشكل فني جديد.

في المختبر، يُخلط الآجار مع عناصر غذائية أخرى، ثم يُسخّن الخليط من أجل تعقيمه قبل أن يُصَب في أطباق ضحلة، وعندما يبرد يتكثف ليتحول إلى سطح أملس شبه صلب تنمو عليه البكتيريا.

وقد اشتهر العالم “ألكسندر فلمنج” الذي له الفضل في اكتشاف البنسلين، بإبداعِ وعملِ لوحات جرثومية رائعة لم تكتشف إلا فيما بعد. كما قام الباحث “ناثان شانر” بعمل فني ميكروبي في عام 2006 في مختبره، باستخدام البروتين الفلورسنتي الأخضر لمشهد شاطئ سان دييجو.

ويعود الفضل في صنع فن الجراثيم، إلى “محمد بيركمين” و”ماريا بينيل” اللذَين عملا معًا منذ عام 2011 لإنشاء الفن الجرثومي. هذا العمل الفني الذي استخدم اللون الأصفر المتمثل في جراثيم النيسترينكونيا مع اللون البرتقالي المستخدم في المكورة الغريبة والسينجوموناس، وهي جنس من البكتيريا تتبع فصيلة المكورات الغريبة.

صلة الفوتوغرافيا بالبكتيريا

بعد مرور أكثر من قرن على إنجاز “هيس”، لا يزال الآجار في صلب الزراعة البكتيرية، بل أصبح أيضًا قماشة رسم غير تقليدية لعرض الكائنات المجهرية بكل توهجها البادي للعيان.

وبالتالي تقوم بعض الجراثيم بإنشاء اللون بشكل طبيعي، فمثلاً تتخذ أنواع مختلفة من البكتيريا المتسلسلة -التي تنتج العديد من مضاداتنا الحيوية- شكلَ أصباغ تتباين درجاتها من الأحمر والأزرق إلى الأسود. واللون الطبيعي للإشريكية القولونية أو الأنتميبا كولاي، هو البيج، لكن المورّثات التي تدخل على الجسم، يمكن أن تجعلها أو تجعل الجراثيم الأخرى، تشع بدرجات فاتحة من اللون الزهري والأخضر والأزرق.

لا تظهر الجراثيم عندما توضع في الآجار للوهلة الأولى، لكنها تتكاثر مع مرور الوقت لتكشف عن الأنماط والألوان.

كان “زخالاي كوبفر”، بعد دراسته البيولوجيا في جامعة كنتاكي الشمالية، قد حصل على وظيفة في أحد مختبرات ضمان الجودة، لكنه غير مساره الوظيفي عندما أدى العمل اليومي الشاق في مختبرات العلوم الصناعية إلى خنق فضوله العلمي.

وبعد أن قام بالتسجيل في جامعة سينسيناتي للحصول على ماجستير الفنون الجميلة عام2010، ظن “كوبفر” أنه سيستعيد حماسه من خلال التركيز على واحدة من هواياته وهي التصوير الفوتوغرافي.

بدأ “كوبفر” دراسته بنيّة أن يصبح مصورًا فوتوغرافيًّا، بل ومتخصصًا في تصوير البنى المعمارية.. كانت صوره رائعة من الناحية الفنية، لكنها فاترة نسبيًّا كما تقول المشرفة على برنامج الفنون الجميلة بجامعة سينسيناتي. بيد أن تفوقه الحقيقي لم يظهر إلا عندما أدرك أنه يمكنه الدمج بين مجالي اهتمامه معًا، أي التصوير الفوتوغرافي وعلم الجراثيم.

في أغسطس2011، وفي منتصف الطريق لإتمام برنامج الماجستير، أدرك “كوبفر” وجود صلة بين التصوير الفوتوغرافي ونمو البكتيريا؛ فعملية تحميض الفيلم ذكرته بتجربة أجراها في المختبر، حيث قام بتشعيع البكتيريا النامية على طبق من الآجار المحمل بالمغذيات.

طبق العفن قماشة رسم

بناء على نصيحة خطيبته التي كانت طالبة دراسات عليا في مجال العلوم، قام “كوبفر” بالاتصال بخبيرة البيولوجيا في جامعة سينسيناتي “تريزا كولي” التي رحبت به في مختبرها.. ولأنها تنتمي إلى عائلة فنية تثمن الإبداع لدى طلابها الذين يدرسون العلوم، رأت في “كوبفر” طالبًا في مجال الفن، يحاول أن ينظر إلى الكون من وجهة نظر فنية، وذلك باستخدام العلوم.

زودته “كولي” بمكان لإجراء تجاربه، وبعض المعدات الأساسية، ومفاتيح المختبر. وقد حصل طالب الفنون على منحة صغيرة من الجامعة، لتغطية ما تبقى من المستلزمات. وأثناء انهماك زملائه في الاستديوهات بحثًا عن مشاريع فنية يحققون فيها ذواتهم، صار “كوبفر” عضوًا منتظمًا في مختبر “كولي”، لكن رغم استعداداته، واجه التحدي المتمثل  في تطوير شكل فني جديد تمامًا باستخدام الكائنات الحية.

إن الفن الميكروبي أو فن الغراء أو فن الآجار أو فن الجرثومة، تم إنشاؤه عن طريق استنبات الكائنات الحية الدقيقة في أنماط معينة، ويمكن أن تكون الميكروبات المستخدمة، عبارة عن بكتيريا أو فطريات الخميرة أو الطلاعيات (مجموعة غير متجانسة “متغايرة” من الكائنات الحية)، ويمكن اختيار الميكروبات بألوانها الطبيعية، أو هندستها وصبغها ببروتينات الفلورسنت ومشاهدتها تحت الأشعة فوق البنفسجية، لجعلها تتألق لونيًّا.

هذا وتستخدم أطباق الآجار كقماشة رسم، بينما تمثل البكتيريا والخميرة المصطبغة أو الفلورية الطلاء، من أجل الحفاظ على قطعة من الفن الميكروبي.. وبعد حضانة كافية يتم ختم مزرعة الميكروبات بالإيبوكسي أو اختيار أنواع الميكروبات بألوانها الطبيعية، لتشكيل لوحة للأعمال الفنية.

إن أنواع البكتيريا بألوانها تشمل “العصوية الرقيقة” ولونها كريمي إلى بني، و”كروموباكتريوم فيولاسيوم” ولونها بنفسجي، و”الإشريكية القولونية” ولونها بيج أو عديمة اللون أحيانًا، و”المكورة الدقيقة الصفراء” ولونها أصفر، و”المكورة الوردية” ولونها وردي، و”الزائقة المتألقة” ولونها أزرق مخضر، و”المكورة العنقودية الذهبية” ولونها أصفر، و”البكتيريا الواوية” ولها إضاءة  حيوية.

وهناك أنواع من الخمائر تعد فطريات، مثل “المبيضة البيضاء” لونها برتقالي إلى أبيض، وكذلك أنواع أخرى من الجراثيم الطلائعية، مثل “فيزاروم بوليسي فالوم” وهي عفن غروي لونه أصفر وأخضر.

جسر بين العلم والفن

يعترف “كوبفر” أنه مر بمرحلة طويلة من التجربة والخطأ، وبعد التخلي عن المزارع الجرثومية التي تستزرع فيها الخميرة والطحالب، تحول إلى العمود الفقري للمختبرات، أي جرثومة الإشريكية القولونية أو الإنتاميبا كولاي، إضافة إلى البكتيريا الحمراء المعروفة باسم السيراتية الذابلة.

بعد شهور من التغيير والتبديل والضبط، أتقن “كوبفر” طريقته الجديدة -وهي إنماء مزرعة من البكتيريا- ثم نشرها بالتساوي على لوحة من الآجار وتغطيتها بفيلم فوتوغرافي سالب، ثم تعريض اللوحة للأشعة فوق البنفسجية لقتل البكتيريا الموجودة في المناطق الفاتحة، مع الحفاظ على حيوية تلك الموجودة في المناطق المظلمة، والسماح للبكتيريا المتبقية للنمو، ومن تثبيت البكتيريا بطبقة محكمة من مادة الأكليريك.

كانت أول صورة بكتيرية ناجحة عبارة عن دائرة مظللة بسيطة، وعندما نجحت طريقته -أخيرًا- صار “كوبفر” يصرخ ويتقافز في جميع أنحاء المختبر، بحيث يرى الجميع صورته الناجحة. وسرعان ما انتقل إلى العمل على صورة “أينشتاين”، ثم إلى صور غيره من العباقرة المبدعين، مثل “بابلو بيكاسو”، و”تشارلز داروين” و”ليوناردو دافينشي” وغيرهم.

خلال وقت قصير، أثنى العلماء على هذه الصور الفريدة من نوعها، لكن كان على بعض الفنانين والنقاد أن يتغلبوا أولاً على الشعور بالغثيان من جراء النظر إلى لوحة كبيرة من الجراثيم. و في هذا السياق يقول “كوبفر”: “إن الناس يمتلكون هذا النوع من العلاقة ذات القطبين مع البكتيريا، فنحن نربط بينها وبين الموت، ومن ثم نتناول المضادات الحيوية بجنون، وبعد ذلك نتناول مكملات البروبيوتيك، أي نطعم أنفسنا البكتيريا طوعًا، لكنك لن تصاب بالمرض إذا نظرت إلى لوحة من جراثيم السيراتية، ورغم أن بعض الناس يخافون منها، فان البعض الآخر يندهش فحسب”.

بعد حصوله على الماجستير، سعى “كوبفر” ليصبح مدرسًا للفنون، ليعمل على صنع قطع فنية تتسم فيها البكتيريا “بصوت أعلى” على حد قوله، وليستكشف أحدث مشروعاته الفنية والعلمية، وهي المجتمعات الميكروبية على وجوه الناس، وهي لوحة مجمعة يصفها بأنها زخرفة بيولوجية مجردة، لا تبالي باختلافاتنا البشرية الضئيلة.

ويأمل أن تجتذب أعماله المستقبلية، جمهور الفن التشكيلي في المعارض التي تركز على التقنيات المرئية والعمليات الفنية الفريدة. كما يأمل أن تسلط أعماله الضوء على الجسر بين العلم والفن، فيقول “إن هناك نظرية مفادها أن الفن والعلم يستخدمان جزأين مختلفين من الدماغ، ولكن أن تكون عالمًا جيدًا وفنانًا جيدًا، عليك أن تكون مبدعًا وأن تفكر خارج الصندوق.

(*) أستاذ جراحة التجميل المتفرغ والعميد الأسبق لكلية طب الإسكندرية / مصر.

المراجع

(1) “Petri Dish Artists”, AAAS, 326 (5954): 777. 2020.

(2) Palermo, Elizabeth (2020). “Microbe Masterpieces: Scientists Create Cool Art from Bacteria”.

(3) Dunn, Rob (11 July 2019). “Painting With Penicillin: Alexander Fleming’s Germ Art.

(4) “Meet the Microbes”. Microbial Art.

(5) Mole, Beth Marie (19 October 2018). “Bacteriography”. The Scientist. LabX Media Group.

(6) Cressey, Daniel . “Roger Tsien’s legacy: The creations that lit up biology”. Nature. 2020.

(7) Tsang, Jennifer “This gorgeous art was made with a surprising substance: live bacteria”. Science National Geographic. 2020.

(8) “Announcing the 2015 ASM Agar Art Winners”. MicrobeWORLD. American Society for Microbiology.