انتهى يوم العمل وعاد ياسر سعيدًا يقفز فرحا الى بيته ، بعدما صدر قرار الشركة العظيمة التي يعمل بها بابتعاث ياسر الى إحدى الدول الأوروبية خلال – عدة أيام – في مهمة طويلة لإنجاز بعض الأعمال الهامة. كان الجو حارًا رطبًا، ولكن ياسر كان منتشيًّا ويعيش نشوة المنتصرين ويحس نسائم البحر وهى تداعب وجهه وخصلات شعره، كأنه يتريض على شاطىء بحر أزرق المياه حالم الموج عند شروق شمس يوم باسم. فقد كانت تلك المهمة تؤخذ بالانتقاء وعلى مسافات زمنية متباعدة، وتسبغ على القائم بها حلة من الكرم المادي الذي لا ينكر. فكانت مهمة واحدة من تلك المهام الحيوية تغير حالا بعد حال وتسدد ديونا وتنشىء حسابات بنكية مكتنزة البطن. فلم تكن الشركة تبخل على مسؤوليها، مراعاة لدقة أعمالها ولحساسية مهامها وما قد يترتب عليها من انسياب أعمال الشركة الكبيرة واسعة النفوذ والنطاق. فقوبل ياسر بتهنئة حارة من زوجته ليلى التي سارعت إلى اعداد العشاء والشاي، كيما يحكي لها ياسر تفاصيلا أكثر عن تلك الرحلة المنتظرة السعيدة. فلم تنتظر ليلى حتى يغير ياسر ملابسه، بل أصرت على عقد جلسة اعتراف يقر فيها زوجها بتفاصيل كثيرة تريحها وتشبع فضولها، وخاصة فيما يتعلق بما ينتوي ياسر شراؤه لها من الخارج من هدايا مختلفة من العطور المحببة اليها والملابس الأنيقة حديثة الموديل والإكسسوارات المتنوعة التي تأسر قلب ليلى وقلوب بنات كثيرات. ولم تنس ليلى أن تبعث برسالة نصية إلى والدتها السيدة عرفية لتحضر فورا  بينما هى تحاور ياسر وتحايله . فلم يحظ ياسر بمثل المهمة المنتظرة منذ سنوات بعيدة ، حتى صارت عيدا ينتظر بحق . وقبل أن يفكر ياسر في المراوغة والهروب من جلسة الاعتراف الزوجية ، كان جرس الباب يغرد ليفاجىء ياسر بدخول حماته التى لم تطق صبرا لتسمع أصل الحكاية فور تلقيها رسالة ابنتها. فأسقط في يد ياسر وعلم أنه قد أحيط به فاستسلم في الحال وجلس من فوره في مطرحه يستمع إلى وابل من الأسئلة التي أطلقتها حماته عليه، ريثما تعد ليلى الشاي والساندويتشات اللذيذة للجميع، ليحلو الحديث ويطول.

كانت ساونديتشات ليلى لذيذة متنوعة لا تقاوم من جائع أو راض ممتلئ البطن، فانهمك الجميع في تناول الوجبة اللذيذة، وياسر يجاوب على وابل الأسئلة بما يستطيع التصريح به ويهرب بالفكاهة والضحك مما لا حاجة له به إلى التصدي له من الأسئلة. وطال السمر حتى اقتربت الساعة من الثالثة صباحًا فاستأذن ياسر من حماته على استحياء ليأوى الى فراشه، لعله يتمكن من الذهاب إلى عمله بعد سويعات قليلة. في الطريق إلى عمله كان ياسر يغالب النوم، اذ لم يتمكن من النوم في ليلته سوى ساعة أو بعض ساعة. وعلى ياسر أن يخلي مكتبه ويسلم ما في عهدته من ملفات جارية وأعمال ملحة وعاجلة الى من سيخلفه في موقعه حتى عودته. وراح ياسر يرتب أوراقه ويراجع ذاكرته ويجهدها ليكي لا يفوته شىء من هام الأمور أو عاجلها. فلما كان مرهقا متعجلاً للعودة إلى بيته ليعد ما قد يلزمه في سفره وإقامته لعدة أشهر في الخارج، فقد فاته أن يراجع ملف البريد الوارد الذي تسلمه لتوه من أحد زملائه للدراسة والعرض. ولم يتذكر ياسر أمر البريد الأخير إلا وهو في الطريق إلى بيته، فانزعج ياسر وهم بالدوران والعودة إلى مكتبه ليعالج امر ذلك الملف، لولا الزحام المروري الكثيف وخوفه من غضب ليلى زوجته لو تأخر عليها وهو يستعد للسفر لأشهر طويلة. فطمأن ياسر نفسه بأن لا شىء سوف يحدث حتى الصباح حين يعود إلى مكتبه ويقوم باللازم. وفي اليوم التالي، فوجىء ياسر ببعض زملائه في العمل يلتفون حوله ويهنئونه بتكليفه بالمهمة المقبلة، فانشغل ياسر بزملائه وبتهنئتهم له وبالاتصالات المتتالية من ليلى زوجته استعجالا له للعودة الى المنزل في أقرب وقت. ومرة أخرى لم يتذكر ياسر أمر البريد الأخير الذي سلم إليه بالأمس إلا وهو يدخل باب بيته، فتسمر ياسر في مكانه مضطرب القلب والعقل حتى هم بالعودة الى مكتبه لولا جاءه صوت ليلى مرحبا بالعودة إلى البيت، فألقى ياسر بهواجسه وراء ظهره معللا ذلك لنفسه بأن الصبح قريب وليس أقرب من الصبح. وانهمك ياسر مع زوجته ليلى في ساعات طويلة من الأحاجي ومن الضحك وهما يكتبان قائمة المشتريات المطلوبة من ياسر للأسرة والأقارب والأصدقاء المقربين. وفي صباح اليوم استيقظ ياسر على عد كبير من الاتصالات التليفونية الفائتة والرسائل النصية التي تستدعيه الى مقر الشركة فورًا، فاندهش ياسر وتساءل عما قد يكون وراء هذه الاتصالات وهذا الاستدعاء له وهو يهم بالسفر ربما خلال يومين . في مقر الشركة وجد ياسر نفسه في مواجهة مديره الأستاذ محمود الذي بادره بالسؤال: هل في حوزتك بريد للدراسة والعرض منذ يومين؟ تعلثم ياسر وأسقط في يده وابتل جبينه عرقا وخجلاً، فعاجله المدير بالأمر بعرض البريد الذي في حوزته فوراً. واحتقن وجه المدير فور رؤية البريد وصار دما، بينما ياسر ممتقع اللون باهته وكفاه باردان كقطعة ثلج. خيرًا يا فندم ؟ سأل ياسر.

ماذا حدث يا فندم ؟ لماذا كل هذا الانزعاج؟ قال الأستاذ محمود بهدوء: كان ينبغى عليك أن تعرض هذا البريد على المدير العام منذ يومين، فأين كنت ولماذا لم تؤد عملك كالمعتاد؟ فحار ياسر جوابًا ولم يجد ما يقوله لمديره الذي انطلق مسرعا إلى مكتب المدير العام بالبريد المتأخر العرض، بينما عاد ياسر الى مكتبه يجر خوفه وقلقه وانكساره خلفه. مضت ساعة قبل أن يرن التليفون في مكتب ياسر ويستدعى إلى مكتب مديره المباشر مرة أخرى. قال المدير: لقد ورطتنا وورطت نفسك في مشكلة كبيرة أقتضتني ساعة في محاولة لاثناء المدير العام عن عقابك بلا طائل . فالرجل غاضب من تأخر معالجة وعرض ما كان بحوزتك من بريد هام . والآن أنت محال للتحقيق يا أستاذ ياسر . وبعد لأي وجهد كبيرين عرض الأستاذ محمود نتيجة التحقيق على المدير العام الذي لم يقتنع بأن ما حدث من ياسر كان تقصيرا غير مقصود وطالب بتوقيع عقوبة شديدة على ياسر، ليكون عبرة للجميع.
تقرر حرمان ياسر من القيام بمهام دولية للشركة في المستقبل القريب. ووجم الجميع في العمل حول ياسر وأسقط في أيديهم حزنا على خسارة ياسر الكبيرة بحرمانه من المهام. ولكن الأستاذ محمود أراد مساعدة ياسر فأمر بالاستمرار في ترتيبات قيام ياسر بمهمته الآنية المقرر لها أن تتم خلال يومين أو ثلاثة، على اعتبار أن العقاب ينصب على المستقبل وليس على الحاضر. وسر ياسر والجميع لهذا الرأى الجرىء، لعل ياسر ينفذ بمهمته وينجو من خسارة رهيبة وظيفيا وماديا. ولكن موظفًا ممن لا يستلطفون ياسر وبعمل بمكتب المدير العام علم بحيلة المدير المباشر محمود فأسرع الى المدير العام وأبلغه بما نما الى سمعه، فاستشاط المدير غضبا وأمر بإلغاء سفر ياسر في الحال وإدراج العقاب بملفه الوظيفي، ليقضي البريد الأخير على ياسر وعلى كثير من آماله هو وزوجته.