إن من أجلى مظاهر التكريم الإلهي لبني البشر، أن ميزهم عن باقي المخلوقات بالعقل والتفكير وإدراك كل شي بالمنطق؛ حيث يقول الحق سبحانه ممتنًّا على بني آدم: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(الإسراء:٧٠).

ولما للتفكر والتفكير في كل جوانب الحياة من أهمية في حياة الفرد، فقد ورد ذكره والحض عليه في القرآن الكريم في مواضع كثيرة؛ فقد حث الله تعالى الإنسان على التفكير، والنظر في مظاهر الكون، وتأمل بدائع صنع الله المختلفة، يقول تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(العنكبوت:٢٠). وقد نبه الحق سبحانه وتعالى في كتابه على أهمية التفكير في حياة الفرد، وأعلى من شأن العاقل، فقال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)(الزمر:٩).

ولقد حط القرآن الكريم من شأن من لا يستخدم عقله وتفكيره، بأن جعله أدنى درجة من الحيوان، قال تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ)(الأنفال:٢٢). ويتضح لكل ناظر في آيات الذكر الحكيم، مدى الحرص الكبير الموجود في القرآن الكريم على دعوة الناس إلى التعقل والتفكير؛ فقد وردت آيات كثيرة تتضمن عبارات الحض على التعقل والتدبر وإعمال الفكر.

إنها الدعوة الصريحة لإعمال العقل بوعي، والتفكير بعمق والتدبر مع الاعتبار، لأن التعقل السليم يقود إلى فكر سليم، ومؤداه حياة راقية وسلوك قويم ومجتمع مستقر. وإن الفكر العقيم الضال، لا يقود إلا إلى الحياة المضطربة؛ إذ يعتبر القاعدة التي تؤسس عليها كل أنواع الانحرافات السلوكية في المجتمع، لذلك لا بد من العمل على موضوع الأمن الفكري، لأن الحاجة للأمن في المجتمع ضرورة حياتية في كل الميادين، وفقدانه يحدث الخلل في كل سبل الحياة، فالحاجة إلى الأمن الفكري حاجة فطرية فردية ومجتمعية.

فمن المستحيل استقرار الحياة الطبيعية إلا إذا استقر الإنسان نفسيًّا وكان آمنًا على نفسه. ولا ريب أن موضوع الأمن الفكري يجب أن ينال العناية التامة، ويبذل من أجله كل الجهد لما له من أهمية كبيرة، فحيث كان وجد الاستقرار النفسي للفرد والأمن للمجتمع، وحيث فقد حل الخطر.

ونستطيع أن نعتبر أن من أعظم الضرورات البشرية موضوع الأمن، لذلك جعله الله ثواب من صدق قلبه به، وآمن بما أمر، حيث يقول في محكم تنزيله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)(الأنعام:٨٢). إنه الأمن على النفس والدين والعرض والمال، ثم بعد ذلك الهداية التي ترفع من قدرهم، وتعلي من شأنهم.

ومفهوم الأمن الفكري، لو بحثنا عنه فيما مضى من تاريخنا الإسلامي، فسنرى أنه موجود بمعناه العام ومفهومه العام الشامل لا بهذا اللفظ، حيث إن من مقاصد التشريع الإسلامي حفظ الكليات الخمس “الدين” و”النفس” و”العقل” و”المال” و”العرض”. وبناءً على هذه المقاصد، وما يترتب من الحفاظ عليها، نجدها كلها ترتبط بالأمن بشكل عام.

وحفظُ الضروريات “الكليات الخمس” وحمايتها لا يتم بغير الأمن، ولو زال الأمن في أي مجتمع لأصبحَ حفظُ هذه الضروريات مستحيلاً. فالأمن الفكري منشؤه المعتقد السليم، ومؤداه العملي السلوك السوي والتعامل الإيجابي.

وتظهر أهمية الأمن الفكري من حيث إنه واجب المرحلة، والذي يجب اعتباره واستصحابه في كافة مؤسساتنا التربوية والتعليمية والدينية والمجتمعية، حيث يتفق الكثير من الباحثين في مجالات الأمن المتعددة، أن ظهور الإرهاب بكافة أشكاله يعود في معظمه إلى عدد من العوامل، منها ضعف الوازع الديني، وتلاشي القيم الأخلاقية، وفقدان العدالة الاجتماعية، وسيطرة اقتصاديات الدول الغربية على الأسواق الاقتصادية وغيرها.. أدت في مجملها إلى نشأة العديد من الأفكار المنحرفة، مما كان سببًا في إدراك أهمية الأمن الفكري، ودوره في تحقيق الأمن في جميع المجالات(١).

إن الأمن الفكري يبقى اليوم وكل يوم مطلبًا شرعيًّا لكل الأفراد والمجتمعات، إذ هو صمام الأمان إزاء ما يعيشه المجتمع من عنف وإرهاب، وانتهاك لأبسط الحقوق الإنسانية. والواجب يحتم اليوم -أكثر من أي وقت مضى- العمل على تجنيب المجتمع كل محاولات الانزلاق في متاهات الفكر المنحرف(٢).

ولعل أهمية الفكر الآمن تتضح في نقاط مهمة، حيث إنه يساهم في حماية هوية الأمة الإسلامية وعقيدتها، وهو الجدار الحامي من الانحراف الفكري، ويدعم تحصين الشباب في مواجهة دعاة الغلو والتطرف؛ لذلك فإن تحقيق الأمن الفكري يؤدي إلى تحقيق أنواع الأمن الأخرى.

أسس تحقيق الأمن الفكري

إن أسس تحقيق الأمن الفكري مرتبط بجهات عدة يقع على عاتقها تعزيزه، إذ هو مسؤولية الجميع حيث لكل دور مهم في البناء الفكري للفرد، وأهم هذه الجهات المنوط بها عملية البناء الفكري، هي الأسرة والمؤسسات الدينية والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام والهيئات الاقتصادية والمجتمعية(٣).

١- الأسرة

الأسرة هي مسرح التفاعل الأول، وهي المنوط بها الدور الحيوي في تنشئة الأبناء ونقل ثقافة المجتمع إليهم، وذلك يعطيها الفرصة الكبرى لترسيخ المبادئ السليمة التي تتفق مع الشريعة الإسلامية، وتعالج الانحرافات السلوكية في مهدها، وتقوّم الاعوجاج في بواكيره، وخصوصًا أنها أول المحاضن التي تتلقف الطفل بعد ولادته ويقضي فيها أولى سنوات عمره، ويكون كصفحة بيضاء تقبل ما يدون عليها. ولا ريب أن الأسرة السوية، رباطها الرحمة والمودة اللذان ينغرسان في نفوس الأبناء، مما ينتج عنه عنصر بشري قادر على أن يخدم نفسه وأسرته ووطنه بفكر راق بعيد عن الانحراف.

٢- المؤسسات الدينية على اختلاف أنواعها

لا ينكر ما للمؤسسات الدينية عامة والمساجد خاصة، من دور كبير يساهم في تقويم سلوك الأجيال عبر تصحيح المفاهيم المغلوطة، وإعادة البناء الفكري على أسس سليمة، مما يدعم تحقيق الأمن الفكري، وهذا منوط بالعلماء الحقيقيين المؤهلين بالعلم، وبفهم للواقع ومعرفة تامة بمقاصد الشريعة.

فهم المسؤولون في الفتوى وإرشاد الشباب وتوجيههم، باعتبارهم يمثلون المؤسسات الشرعية التي تتعامل مباشرة مع أفكار المجتمع التي يمكن أن تصيب بعضًا منه بمرض الانحراف والغلو والتطرف. فالتربية الأمنية الدينية تقوم بترسيخ القيم الإسلامية والقيم الاجتماعية المتوائمة معها، وحماية النشء من التيارات السلبية الهدّامة.

٣- المؤسسات التعليمية

تعتبر المؤسسات التعليمية في كافة مراحلها، من أهم الركائز الاجتماعية في عملية بناء الفكر، حيث يجب أن يتم عبر إعداد المناهج الوسطية المتفرعة عن الكتاب والسنة، والتي تدعو إلى التفكير السليم. كما أن تأهيل المعلمين تربويًّا وفكريًّا يعالج الأفكار المنحرفة، ويحد من انتشارها، ويساهم في إعادة البناء الفكري الصحيح المؤسس على قواعد الإيمان؛ لذلك ينبغي الاهتمام التام بالمؤسسات التعليمية لمواجهة الأفكار الخطرة، وتفعيل البرامج التي تشمل محاور السياسات التعليمية العامة، والتربية الوطنية والمناهج، وإعداد المعلمين وإمدادهم بالمهارات الفنية لتوجيه الطلاب، والعمل الاجتماعي في المؤسسة والأنشطة الطلابية(٤).

٤- المؤسسات الإعلامية والثقافية

معلوم أن وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، باتت في عالم اليوم تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل فكر الأجيال سلبًا أو إيجابًا، لذلك عليها مسؤوليات جسام في توجيه الناشئة وتقويم الفكر؛ لأن الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، هو في متناول عامة المجتمع، ويقع دور كبير على القائمين عليه، لذلك يجب مراعاة أن يكونوا من المؤهلين فكريًّا، ليساهموا في اختصار الجهد والوقت في عملية التغيير للأفكار الشاذة وتعزيز الفكر الصحيح، من خلال إعداد برامج إعلامية فكرية تصحيحية هادفة، وتسليط الضوء على القضايا الشائكة مثار الشبهات، وتصحيح ما فيها وإظهار حقيقتها بطرق شرعية، وإعداد الخطط الإعلامية المتكاملة، وإشراك المفكرين والعلماء والأدباء والخبراء في المجال الأمني للمشاركة في تلك الجهود.

٥- المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية

ينبغي على المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية المشاركة في عملية البناء الفكري الصحيح للناشئة، والمساهمة الفعالة في تحقيق الأمن الفكري للمجتمع.. ويكون ذلك بالتعاون الجاد في القضاء على البطالة وملء فراغ الشباب، لأن البطالة والفراغ من أكبر أسباب التطرف والانجرار وراء الأفكار المنحرفة.

ولقد بات من الضروري العمل على صناعة المناعة في فكر شبابنا وجيل الأمة بشكل عام، فكما أن التيارات المنحرفة تقدم إلينا نماذج فكرية مصنعة وجاهزة ومغلفة بما يغري الشباب ويجذب أصحاب الهوى، كذلك يتحتم علينا مواجهة هذه التيارات بصناعة فكرية خاصة بنا، منسجمة مع قيمنا وحضارتنا على أن يتم تضمينها في الإعلام والمؤسسات التعليمية والتربوية وكافة المؤسسات العامة التي تدير حياتنا، لتكون بمثابة “تطعيم” لفكرنا قبل أن تغزوه فيروسات التطرف المصنعة مخبريًّا من قبل جنود الخفاء من أعداء الأمة والمتربصين بها.

فالأفكار هي التي تنتج، ومن خلال هذه الإنتاجية تبنى المناهج وتصنع المسيرة نحو المستقبل، وتنتج الاستقلالية والمناعة الأتوماتيكية، وتحفظ الهوية الأفكار التي ننتجها نحن ونأخذ بها براءة اختراع هي في الحقيقة قوة لا تهزم وحصن لا يهدم.

(*) كاتب وباحث سوري.

الهوامش

(١) الأمن الفكري المفهوم التطورات الإشكالات، إبراهيم بن محمد علي الفقي، جامعة الملك سعود، معهد الدراسات الدبلوماسية، بحث مقدم للمؤتمر الوطني الأول للأمن الفكري المفاهيم والتحديات، في الفترة من ٢٢-٢٥ جمادى الأولى، ١٤٣٠هـ، ص:٣.

(٢) دور التربية في تعزيز الأمن الفكري، أصلية سعيد السعدية، سلطنة عمان، رسالة التربية، العدد:١٩، ٢٠٠٨م، ص:١٢٤.

(٣) ينظر: – الانحراف الفكري وعلاقته بالأمن الوطني والفكري، محمد شحات الخطيب، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، ٢٠٠٦م.

– التنشئة ودور الأسرة في الوقاية من الانحراف، حسين علي الرفاعي، الشارقة، مجلة الفكر الشرطي، المجلد ٣، العدد:٤، ١٩٩٥م.

– الإعلام الأمني والأمن الإعلامي، بركة زامل الحوشان، الرياض، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، ٢٠٠٤م.

– دور المدرسة في مقاومة الإرهاب والعنف والتطرف، عبد الله بن عبد العزيز اليوسف، الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بحث مقدم في المؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب، ٢٠٠٤م.

(٣) دور المؤسسات الاجتماعية والأمنية في مكافحة الإرهاب، محمد فتحي عيد، المرجع السابق، ص:١٤٠.