لابد أن تكون مدارسنا ذات نفَس إيماني رباني، وذات بُعد إنساني كوني، ألدُّ أعدائها الكره وضيق الأفق والتصنيفات الضيقة.. لابد أن تكون مدارسنا مدارس إسلامية، بمعنى أن “الإسلام يعني أن نفهم وأن نعترف بالازدواجية المبدئية للعالم (الروح والمادة)، ثم نتغلب على هذه الازدواجية”.
أحيانًا يعوزنا التعريض فنلوذ بالتوضيح، وأحيانًا لا يُجدي التلميح فنضطر إلى التصريح، وفي جميع الأحوال، المقصد هو أن نلتقي في نقطة المعنى ونرتقي إلى علو الفهم والإدراك ثم الوعي… وبخاصة لو تأملنا بجدية حالنا ووضعنا وما نحن فيه وما نحن صائرون إليه، لا بعين الناقم ولا بعين البليد، بل بنظر المسؤول الحديد، وبمنطق “عَرْض العمل على التفتيش”. والمفتش الأول خبير بصير، عليم حكيم، ثم يليه مفتش حليم حكيم هو صاحب الفضل علينا عليه الصلاة والسلام، ثم يُعرض عملُنا على كل قلب وعقل يغرس فتيله في محبرة الإيمان ويستنير من نور اليقين.
أليس هو القائل جل من قائل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾(التوبة:105).
من المهم والأكيد أن نجتهد في فتح المدارس، ومن الاجتهاد والصبر أن نداوم على سيرها وتحسينها، ومن الجهاد والهجرة أن نسمو بها رويدًا رويدًا نحو ذروة الكمال البشري، ولذا كان المعلِّم والمدرس هما رمز البطولة وعنوان الأمل.
لكن الأهم من ذلك أن نديم المقصد والمعنى جنبًا إلى جنب مع الشكل والمبنى، فلا يضيع من بين أيدينا هدفٌ ولا رسالة ولا غاية حتى وإن لقينا حتفنا، وتجرعنا الأمرَّين، وذقنا المحنتين… “فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط” (رواه مسلم).
في هذا الشأن، ولهذا الغرض، وبهذا النفَس، أطللتُ اليوم مرة أخرى على ملف التعليم، وعلى التربة الخصبة لبناء الحضارة، راجيًا من القارئ الصدوق ومن العامل المشوق، أن يتفاعل ويفعل لا أن ينفعل ويجبُن، أو يُعرِض ثم يبرِّر. فأنا أُحسن الظن فيه، وأثق في جنابه، وأرجو النجاة من بابه.
وأبدأ مقالتي بهذه الملاحظة، مستصحبًا معلِّمًا خرِّيتًا، وهو أحد الذين جلستُ إليهم طويلاً، وتشربتُ من معينهم سلافة الحق، واعتقدتُ إمامتهم مع مَن سواهم بحق وبصدق. وأعني به العلاَّمة “علي عزت بيجوفيتش” -رحمه الله تعالى برحمته الواسعة- فهو من مصادر المنظومة الأدلاَّء إلى جوار: مالك بن نبي، وفتح الله كولن، وعبد الوهَّاب المسيري… وغيرهم من الأئمة الهداة المهديين.

الصبيانية وروح العصر
يورد “بيجوفيتش” ملاحظة ينسبها إلى “يوهان هويزنجا” (Juhan Huizinga) يسميها بـ”الصبيانية” (Puerility)، وهي “أنَّ الإنسان المعاصر يتصرف بطريقة طفولية -بالمعنى السلبي للكلمة- أي بطريقة تتفق مع المستوى العقلي للمراهقة: تسلياتٌ مبتذَلة، غيابُ روح الفكاهة الأصيلة، الحاجةُ إلى أحداث مثيرة ومشاعر قوية، الميلُ إلى الشعارات الرنَّانة والاستعراضات الجماهيرية، التعبيرُ عن الحب والكراهية بأسلوب مبالَغ فيه، اللومُ والمدح المبالغ فيه، وغير ذلك من العواطف الجماهيرية القاسية”.
وبإمكاننا أن نضيف إلى هذه المظاهر قائمة أخرى من السلبيات منها: العجزُ عن التركيز المتواصل، تشتت الذهن والتقلب بين المواضيع بأسلوب “تقليب القنوات”، “ذهنية الفايسبوك” بتعبير أحد باحثينا، التردد المبالغ فيه في اتخاذ القرار، الاعتناء المفرِط بالجزئيات على حساب المعاني الكبرى والكليات… إلخ.
مع ملاحظة أنَّ ذلك ليس سمة “للعصر” باعتباره “هذا العصر”، ولكنه مكتسَب ونتيجة وصناعة لظروف، على رأسها الواقعُ التربوي، والإعلام الجماهيري، واهتزاز منظومة الثقافة، وضعف التدين وسوء فهمه وتمثله؛ وهو ما يمكن أن نعبِّر عنه بمصطلح “الأفكار المطبوعة”، باعتماد قاموس ابن خلدون ومالك بن نبي.
والآن، إذا لم تسهم المدرسة بصفة مباشرة ومعلنة في “ترشيد” هذا “المتصابي”، وفي “إنضاج” هذا “المهدَّد بالتشتت والتشرذم والانهيار الجوَّاني”، فما دورها إذن؟ ولماذا أنشئت أساسًا؟ ما الفائدة المرجوة من الدروس والمحفوظات التي تلقِّنها تباعًا؟

من ضغط البرنامج إلى ضغط الروح
كان محقِّقو محاكم التفتيش في الماضي، يزعمون أنهم يُحرقون الجسد لكي ينقذوا الروح، أمّا المحقِّقون المعاصرون، فإنهم يفعلون العكس؛ يحرقون الروح ويبقون الجسد.
ماذا نفعل، هذا هو البرنامج، نحن مطالبون بإتمامه، وهذا هو المنتظر منا؟
هذه عبارة، أو مكُّوك من العبارات مجَّتها الآذان، وصدِئت منها القلوب، وتبلَّدت على إثرها الأحاسيس، وتغابت جرَّاءها العقول والأفئدة؛ وهي لطالما شُهرت مثل “سيف خشبي متآكل” أمام كل محاولة للإصلاح، وكل مبادرة للتغيير، كأنَّ “الضغط، والبرنامج، والمادَّة… ومرادفاتها صارت هي الآمر الناهي، وتحولت إلى بعبع مخيف أو حتى إلى إله يعبَد”.
ولذا، سجَّل الأستاذ “علي عزت” هذه الملاحظة الجديرة وقال:
“في هذه الأيام، من الممكن جدًّا أن نتخيَّل شابًّا قد مرَّ بجميع مراحل التعليم، من المدرسة الابتدائية حتى الكلية، دون أن يكون قد ذُكر له بالضرورة أن يكون إنسانًا خيّرًا وأمينًا. فهو يتعلَّم أولاً أن يكتب ويحسب، ثم يدرس الطبيعة والكيمياء، وعلم الأعراق، والجغرافيا، والنظريات السياسية، وعلم الاجتماع… وعلومًا أخرى كثيرة. إنه يجمع عددًا هائلاً من الحقائق، وعلى أحسن الفروض يتعلَّم كيف يفكِّر، ولكنه لم يستنر ثقافيًّا أو روحيًّا”.
أي أنه عُلّم أن يكون “حيوانًا اجتماعيًّا”، وفق قاموس “داروين” عُلّم أن يكون قرْدًا متطوِّرًا متحضرًا، لا إنسانًا مسؤولاً.
وفي هذا المعنى يُبدع “المسيري” حين يفرِّق بين “الحقيقة والحقائق”، وحين يضع حدًّا فاصلاً “بين العقل الفوتوغرافي الغبي والعقل التوليدي الذكي”، ذلك أنَّ التعليم ينحو غالبًا إلى سرد الحقائق مشتتة، وعرض الجزئيات، وتحفيظ التفاصيل، مغفلاً الحقيقة والكليات والأسباب؛ أي إنه يتعامل مع “آلة تصوير”، و”مسجلة”، و”أم بي3” (MP3)… يُنتظر منها أن تعيد ما خزِّن فيها، لا مع عقلٍ له القدرة على أن يبدع ويولِّد ويأتي بالجديد.
ويضيف فتح الله كولن: “في حقيقة الأمر، فشلُك في النظر إلى المسائل من خلال نظرة كلية، سوف يؤدي حتمًا إلى الإفراط أو التفريط…”.

أيَّ تعليم نمارس؟
المنظومة المادية ذات نظام مغلَق لا يمكنها أن تنفتح على عوالم لانهائية، لأنها باختصار لا تؤمن إلا بالمحسوس والمحسوب، وبالمادي والمستدل عليه، أي إنها منظومة لو رُسمَت لكانت جسمًا على شكل رأس كبير، لا مكان للقلب فيه ولا للأحاسيس ولا للقيم.
وظلُّ المنظومة الغربية، مما يصل الشرقَ المولوع بالتقليد، هو صورةٌ مشوَّهة لأصل أعوج؛ فهنا نشاهد ما يشبه الرأسَ، وشيئًا شبيهًا بالعقل. وما من شك أن ظل الشيطان هو شيطان مشوَّه؛ فلا هو إنسان مكتمل الإنسانية، ولا هو شيطان مكتمل الشيطانية، والمقرَّر -عقلاً وواقعًا- أنَّ الظل دائمًا هو أهون وأسوء من أصله. يقول الأديب العالمي “فيكتور هيجو”: “الأسد الذي يقلِّد أسدًا آخر، هو في حقيقة الأمر قرد”.
ومن ثم جاء التعليم؛ الذي ورثناه من منظومة المستعمِر، كما ورثنا الملفّات الكبيرة الطويلة العريضة، التي نكتب عليها تقارير الدرس، بخطٍّ معيَّن، وشكلٍ معيَّن، ولغة ميتة معيَّنة مسبقًا… رغم أن الأصل اليومَ يعلن احتضاره وإفلاسه. ولقد شاهدنا ما حدث في أمريكا منذ أيام، مِن مقتل ثمانية وعشرين شخصًا، منهم تلاميذ، على يد شاب قتل والديه أولاً، ثم قضى على الباقين.
هذا الميراث يعتمد على “الشيء” و”المادة” و”التقنية” و”المعلومة”، أي هو حريص على “صناعة” الإنسان الذي سينتج ويصنع ويقول “نعم” إذا اقتضى الأمر؛ وهو يدير ظهره “لله” و”للإنسان” و”للكون” و”للقيم” و”للفن” و”للأخلاق”…
ولذا، فإن التعليم بهذا المدلول وبهذه الخلفية الكونية، لا يمكنه أن يرتقي بالناس، ولا أن يجعلهم أفضل مما هم عليه، أو أكثر حرية، أو أكثر إنسانية… “إن هذا العلم يجعل الناس أكثر قدرة، أكثر كفاءة، أكثر نفعًا للمجتمع، ولقد برهن التاريخ على أن الرجال المتعلمين والشعوب المتعلمة يمكن التلاعب بهم، بل يمكن أن يكونوا أيضًا خدامًا للشر، ربما أكثر كفاءة من الشعوب المتخلفة”.
هذا حكمٌ على الأصل، فما هو القول في الظل والفرع، الذي يعيق الكفاءة باسم العصر، ثم يقتل الإنسان باسم التطور؛ فلا هو -مثل سيده- يحقق القدرة على الإنتاج والصناعة، ولا هو مثل أجداده يحقق الذات الحضارية ويعبِّر عن الحرية والوجود الواعي.

لاإنساني!
من مصطلحات العصر النمطية، التي تلاك مثل العلك أو حتى مثل مطاط قذِر على الألسن غير الذواقة، مصطلح “إنساني”، فهذا إنساني، وهذا ليس إنسانيًّا، ومن ثم كانت العفة “لاإنسانية” لأنها تكبِّل الحرية، وكان الفجور “إنسانيًّا” لأنه يعبِّر عن الحرية… والحق أن هذه المرجعية الإنسانية يجب أن تُضبط بمعيار، وإلا اعتبر إبادة شعب كامل “إنسانيًّا”، وقتْل ظالم مستبدّ متسلط “لاإنسانيًّا” كما هو الحال اليوم في “قاموس الإعلام الببغائي”.
ومن الصواب القول: “إن تدريب البشر على أن يكونوا مجرَّد منتجين، وتنظيمهم في صفوف المواطنين الصالحين (المصفِّقين)، هو أيضًا لاإنساني”. ومن التحقيق اعتبار التعليم “لاإنسانيًّا”:
• إذا كان قائمًا على تلقين تعاليم حزبية.
• إذا لم يكن يعلِّم الفرد كيف يفكِّر بطريقة مستقلة.
• إذا كان يقدِّم إجابات جاهزة، ويقتل روح السؤال والشك وحيرة الذات.
• إذا كان يعِدُّ الناس فقط للوظائف المختلفة بدلا من توسيع أفقهم.
• إذا كان يستعير الصاع من عدوِّه ليكيل دقيقه.
• إذا كان يفصِم الإنسان عن ذاته، ثم يُلبسه ذواتًا مشوَّهة، ويعرِضه في سوق النخاسة أو على مسرح عرائس القراقوز.
• إذا كان مجرَّد بوق لنظريات وأطروحات جاءته من الغرب ومن الشرق، بلا روية ولا مشاركة حسب المفهوم الخلدوني: “ولع المغلوب بالغالب”.
• إذا كان يزرع إلى جوار المعلومة حزمةً من اليأس والقنوط، ويقنع التلميذ ظلمًا أنه حقير ودنيء وسيء الحظ، وأنه لا يصلح لشيء ولا حتى ليُرمى في الزبالة مثل القشّ…
فلينظر كلٌّ منّا كم هو تعليمنا “إنساني”، وكم هو غير إنساني؟ وكم نحن جادون أو غير جادين في “أنسنة التعليم”، بروح ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾(الإسراء:70).

إحراق الروح بديلاً عن الجسد
من منطلق الفهم الواعي، ومن نافذة المنظومة التوحيدية الرشيدة، يتقرر لدينا أنَّ كل شيء يحطّ من كرامة الإنسان ومن شخصيته، أي يشيِّئه (يحيله إلى شيء) بتعبير مالك بن نبي، أو يحوسله (يحوِّله إلى وسيلة) بتعبير المسيري، كلُّ ما كان سببًا في ذلك، هو “لاإنساني” بامتياز.
مثلاً، من الإنسانية أن نعتبر الإنسان مسؤولاً عن أفعاله ونحاسبه عليها، وليس من الإنسانية أن نفرض عليه إرادتنا ونعتبر أنفسنا وكلاء عليه… والحق أن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه، نُفِيَ عنه أن يكون وكيلاً على أحد: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾(الزمر:41)، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾(يونس:108)، ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾(الأنعام:66).
وليس إنسانيًّا أن نجبر أيّ إنسان على أن يتذلل حتى يُصفح عنه، باسم القانون، أو المصلحة العامة، أو حتى الأجر والمثوبة، لأن الذلّ ذاته حرام في عرف الشرع الحكيم.
ثم إنه من الإنسانية أن يعاقَب إنسان بسبب أخطائه، وليس من الإنسانية أن يجبر على التخلي عن معتقداته أو التبرؤ منها… ولذا “فهناك عقوبات إنسانية، وعفو هو أكثر شيء لاإنسانية”.
والقاعدة الكلية التي نستنبطها من هذا السياق ونسقطها على سياقات أخرى، منها سياق التربية والتعليم، والمدرسة والجامعة، والمسجد والمنبر، والمتجر والسوق… تأتي من الملاحظة الآتية: “كان محقِّقو محاكم التفتيش في الماضي، يزعمون أنهم يُحرقون الجسد لكي ينقذوا الروح، أمّا المحقِّقون المعاصرون، فإنهم يفعلون العكس؛ يحرقون الروح ويبقون الجسد”.
والتعليم اليوم، هل هو من النمط الأول، أم هو من النمط الثاني، أم أنه يحيي الروح لأنها هي حقيقة الإنسان، ويربي الجسد لأنه هو الحامل للروح، ويخاطب التلميذ من جميع منافذه على حدّ تعبير المجدد محمد فتح الله كولن: من قلبه، ومن عقله، ومن جوارحه، ومن إلهاماته، ووجدانه، وذوقه… إلخ.
وإذا ما علمنا أنه في “هوليوود توجد أكبر نسبة من الأطباء النفسانيين في العالم”، وأنه “في صفوف الجامعات” في أمريكا يوجد أكبر نسبة من المنتحِرين، تيقنّا أن الجسد الرشيق والعقل الجبَّار، لن يُغنيا شيئًا إذا ما فُصلا عن الروح، وإذا ما أعدَّا “للذة والمتعة” الآنية المتناهية.
فهل نعدُّ تلاميذنا ليكونوا مثل هؤلاء؟
لنصدُق أنفسنا، وقبل ذلك لنكُن صادقين مع الله سبحانه.

لماذا هذه الوقفة؟
لا شك أن هذا النقد لا يُقصد منه تعميمُ الحكم، فنسبة الغلوّ في المادة والانفصال عن الروح، تتفاوت من بلد لبلد، ومن مدرسة لمدرسة، بل من قسم لقسم، ومن معلِّم لمعلِّم، ولا تنكَر المبادرات الكثيرة التي تبذل هنا وهنالك، في الشرق وفي الغرب على السواء، لكنَّ نقدَنا للحضارة، أو لما يُعرف بالتقدُّم المادي كما يقول بيجوفيتش: “ليس دعوةً لرفضها، فالحضارة لا يمكن رفضها حتى لو رغبنا في ذلك. إنما الشيء الوحيد الضروريُّ والممكن هو أن نحطِّم الأسطورة التي تحيط بها. فإنَّ تحطيم هذه الأسطورة سيؤدي إلى مزيد من أنسنة هذا العالم، وهي مهمة تنتمي بطبيعتها إلى الثقافة”.
وأقول: لو قدِّر لي يومًا أن أعود إلى مجال “التنظير والتفعيل التربوي”، لحمدت الله أولاً على ما تم ويتم من فعل إيجابي هنا وهنالك، ولكن كذلك، سأعمل على أن أؤسِّس مدرسة أو مدارس تتجاوز “البرنامج” و”المقرَّر” و”الشهادة”… مدركًا أنّ ثمة قناعة من المحيط العام ترفض هذا المنحى، ولكن سأحاول، وسأجمع فيها بين “التعلُّم والتأمل والتفكر”، وسأخاطب القلب إلى جوار العقل، وسأجعل الحرية هي مدار الرحى.
وما من شك أنّ الوصول إلى هذا المطلب، لا يمرُّ إلا عبر التغيير التدريجي، والمرحلية الواعية، ولذا أعيد وأكرّر: ليس هذا نفيًا لما مضى، ولكنه التذكير بأنَّ الوقوف في أيّ محطة والانتهاء إليها، هو بداية السقوط، وهي نقطة العودة والانتكاس. وما من شك أنني سأفتح مدرسة -لو قدِّر لي ذلك- تخرِّج الناس على كتاب الله علمًا وعملاً، وعلى منهج السنة الطاهرة موضوعًا ومنهجًا، ثم على أساس الفهم الصحيح للأعلام الأدلاَّء اعتبارًا وتمثُّلاً.
لابد أن تكون مدارسنا ذات نفَس إيماني رباني، وذات بُعد إنساني كوني، ألدُّ أعدائها الكره وضيق الأفق والتصنيفات الضيقة، فلا هي بالمدارس الإسلامية في روحية باهتة، ولا هي مدارس على نمط مادي أرضي، لكنها مدارس إسلامية، بمعنى أنّ “الإسلام يعني أن نفهم وأن نعترف بالازدواجية المبدئية للعالم (الروح والمادة)، ثم نتغلب على هذه الازدواجية”.
وبحقيقة “أنَّ الإسلام لم يأخذ اسمه من قوانينه ولا نظامه ولا محرَّماته ولا من جهود النفس والبدن التي يطالب الإنسان بها، وإنما من شيء يشمل هذا كله ويسمو عليه من لحظة فارقة تنقدح فيها شرارةُ وعي باطني… من قوّة النفس في مواجهة محن الزمان… من التهيؤ لاحتمال كل ما يأتي به الوجود… من حقيقة التسليم لله… والاسم إسلام”.
ولعل المدارس الأولى سيكون أسماؤها، حسب منطلقات مناهجها، لا مجرَّد شكل وعمارة، بل روح وعمارة، مستقاة من هذه الأسماء الخالدة: مدرسة علي عزت بيجوفيتش، مدرسة مالك بن نبي، مدرسة فتح الله كولن، مدرسة عبد الوهاب المسيري… ثم…

استدراك
مهلا، لعل الموجود بحول الله تعالى -وهو في الطريق الصحيح- سيحقِّق هذه المطالب، ولسوف يرتقي هذا الأفق، بل أكيدٌ أنه سيفعل، والله تعالى معه… وهو -فيما نحسب- لا يفرِّط في شيء، ويصل الليل بالنهار لبلوغ المقصد، وتحقيق المراد.
هنالك فقط، لا حاجة للتفكير في الجديد، ولكن الواجب يملي التركيز على التجديد.
والتجديد والتغيير… مفهومان ديناميكيان… لا يتوقفان؛ وإن كانا يرتكزان على محور ثابت، وعلى مرجعية صلبة.
ولقد -والله- ضربت “مدارسنا” أروع مثال، من يوم نشأتها، على يد رجال خلَّص مهاجرين؛ رغم قلَّة ذات اليد، وبعد الشقَّة، ووهن الوعاء، وهشاشة النسيج… ولذا أخصُّ هؤلاء بالتحية مع شيء من “الوزَع القوي” وأقول: “نعم… ولكن”.
نعم لما تحقّق… ولكن، ما بقي هو أكثر وأكبر… حتى نبسط الخير على العالم أجمع!
ثم إني أشير بالإصبع إلى مشروع “الخدمة”، في جبهته التربوية العالمية، بعبارة واضحة، وبخاصة بعد زياراتي العديدة عبر العالم، كان آخرها “أستراليا” وأقول:
إن جميع ولائنا لكِ، ولقد تعلَّمنا بحقٍّ أن نكون خدَّامًا في صفوف “الخدمة”، فهي منارةٌ لنا وللعالم أجمع… ولذا نؤمن بأن ما أنجزته وما أبدعته هو “من صلب ذاتنا الحضارية”، وبالتالي، كما نقول عن المدارس الرسمية في وطننا، وعن المدارس العلمية، والحرَّة، والصديقة… وغيرها: “هذه مدارسنا”… نقول بصراحة، عن مؤسَّسات “الخدمة”، وعن فكر “الخدمة”:
هذا فكرنا، وهذه مؤسَّساتنا، وهذه أمَّتنا… فالحمد لله أن أرانا اليومَ الذي اكتحلت فيه أعينُنا بمثل هذه الصروح الحضارية، ﴿فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(الحجرات:8)، ﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(الدخان:57).
سلامي إلى الإخوة القائمين على مؤسسات التعليم… في جميع أصقاع العالم…
ولا أقول لهم اليومَ: “يا عمَّال العالم اتِّحدوا…”، فلقد مضى أوانها واهترأ بنيانها، ولكن أقول:
“يا معلِّمي العالم أرشُدوا…
يا معلِّمي العالم ارشدوا…”.

Leave a Reply

Your email address will not be published.