حين يكون قدَر الإنسان أن يمارس الفكرة والفكر، وحين تكون الكتابةُ هي جهادُه وهجرته، وحين يكون نبضُ اليراع موسيقاه وطعمُ الحبر سُلافته، وحين يتحوَّل الكتاب في منطقه إلى معشوقة لا يصبر عليها؛ تتبدَّى له حزمةٌ من الأسئلة التي لا تفارقه حتى ولو تنكَّر لها ألف مرَّة، منها:

لماذا أكتب؟ وماذا أكتب؟ ومتى أكتب؟ ولمن أكتب؟ وكيف أكتب؟ وهل لِمَا أكتب جدوى؟ وما السبيل لمعرفة آثار ما أكتب؟ وهل ما أكتب ملائم للعصر وللمرحلة؟

لماذا أكتب؟ وماذا أكتب؟ ومتى أكتب؟ ولمن أكتب؟ وكيف أكتب؟ وهل لِمَا أكتب جدوى؟ وما السبيل لمعرفة آثار ما أكتب؟ وهل ما أكتب ملائم للعصر وللمرحلة؟ أم أنه نشاز في سمفونية الزمان والمكان؟ وهل يَضرب قلمي بأوتاد وجذور في عالم المعنى؟ أم أنه مجتَثٌّ من أصله، عارٍ من أوَّله إلى آخره؟
وإذا تقدَّم الكاتب خطوة إلى الأمام وارتقى درجة نحو سماء الأفهام، فإنه يسَّاءل بقلب نابض وضمير حي: هل أدَّيتُ واجبي بما أكتب؟ وهل أرضيت ربِّي؟ وهل نفعت عيالَه وخلقه؟ وهل زرعتُ الكلمة الطيبة في حقول الناس، وعلى سهوب البشر؟ وهل شاركت في مهرجان الخير والبرِّ بما علَّمني ربي سبحانه؟ وهل أتقنتُ وأحسنتُ؟ وهل صدقتُ وأخلصتُ؟ وهل كانت هجرتي (أعْني كتابتي وهمَّتي) لوجه الله وحده؟ أم كانت لمآرب أخرى؟
غير أن ذات الكاتب إذا تنصَّل من لَبوس الحق، وإذا تكبَّر عن الخلق، ثم إذا هو جحد ربَّ الحقِّ والخلق، فإنه يقيء دومًا أسئلة من قبيل:
ما حدُّ الشهرة التي نِلتها بكتابتي؟ وهل سيَرضى الحاكِم عني فيُجزل لي العطاء؟ أم هل ستقف الجماهير ورائي، وتنعتني بالبطل المغوار؟ وهل يفنى اسمي من الوجود بعد موتي؟ أم أنه سيبقى محفورًا في ذاكرة العالم؟
ما بين هذا وذاك، تكون الشهرةُ دائمًا هي معيار الصواب في منطق الرِّعاع، ومن ثم تجدهم يُعلون مِن شأن “نزار” و”أحلام” و”أدونيس”، ويُخفِضون من مقام “علي عزَّت”، و”ابن نبي”، “وفتح الله”، ولقد عمِلت ذهنية “البوب” على حساب عدد المصفِّقين، وعدد الذين يفغرون فَاهُم أمام مرايا الكلمات والنغمات، ويسهرون في عدِّ التغريدات والتحبيبات، ويفرحون لفرح الجحافل المعجَبين؛ غايتهم في ذلك تعيين الأفضل في الترتيب، وتحديد الرقم الأوَّل في السباق.
البعض من الكتَّاب والمتكلِّمين حالهم مثلَ حال “شعلة الجريد”، تلتهب بسرعة وشدَّة، ثم تخبو بأسرع من ذلك وأشدّ؛ تكثُر جعجعتهم ويقلُّ طحينهم؛ بل مثلَ إناء من حديد مثقوبٍ يُنزَّل في بئر فارغ، فيقلب الدنيا ضجيجًا، ثم حين يصعد، يصعدُ ولا شيء فيه إلاَّ الصدأ والقبح.
غير أن البعض الآخر، ممن أنار الله قلوبهم، وأرشد عقولهم، وثبَّتهم على الحق المبين، ثم أنزلهم منزلة المقرَّبين المكرَّمين.. هؤلاء القلَّة، حتى ولو لم تُكتب لهم الشهرة، وحتى لو لم تردِّد “صالات الفجور” مقالهم، ولم تنقل “قنوات الجور” أسماءهم؛ فإنهم سيغدون مثل تلك الزهرة العطِرة، التي جمَّلها الجميلُ بالحُسن، وأذكاها الجليل بالعطر، وحبَّبها العزيز إلى قلوب المخلَصين، سواء في ذلك رأوها أم لم يروها، سمعوا عنها أم لم يسمعوا.. “وكفى بالخير سماعه”.

يعاودني -مع ذلك– “سؤال الكتابة” كلَّما خمَّرت فكرةً في “أحشائي”، ويظَلُّ “السؤال” يحفر في سفوح عقلي بلا هوادة، ولا ينفصل عني حتى أُنهي السطر الأخير من المكتوب

والعاقل من بني البشر إذا وعى يصرخ ويقول بملء فيه: أنا في ضعفي وحاجتي إلى المدد، حين أنظر إلى ما كتبتُ، وحين أعود بالذاكرة إلى أوَّل مقال نضدت، وإلى أوَّل بحث أعددت، وإلى أوَّل كتاب نشرت.. ثم أتابع خطَّ السير في علوِّه ودنوِّه، في تسارعه وتباطؤه، في جودته ورداءته، حين أفعل ذلك وقد فعلتُ؛ فإني لا أملك أجوبةً، بل أسئلة.. ولا أنهي الفكرة، بل أشرع فيها.. ولا أقدِر على الحكم، بل أقيس الجهد ونبضات القلب، وكفى.
ولا أقول: “أتيت بما لم تستطعه الأوائل”، لكنني أقول: “قصاراي أني حاولت، وعلى الله قصد السبيل”.
ويعاودني -مع ذلك– “سؤال الكتابة” كلَّما خمَّرت فكرةً في “أحشائي”، ويظَلُّ “السؤال” يحفر في سفوح عقلي بلا هوادة، ولا ينفصل عني حتى أُنهي السطر الأخير من المكتوب؛ ثم حين أُودِعه القدَر الحكيم ليصل به حيث يشاء، وليفعل به ما يريد.
لا أرتاح من “سؤال الكتابة” بل يشتدُّ عليَّ وقعه، ويُلهبني ضِرامه، فأظَلُّ ألهج بالدعاء لربِّ الكاتب، ولربِّ الكتاب، ولربِّ القارئ لما كُتب.. أن ينزل القبول على القلوب الوجلة، وأن يفتح بابًا عنده فيصعد منه كلمي الطيِّب، ثم يَرفع إليه -بِجُودِه سبحانه- عملي الصالح.. ثم يغفر لي زلاتي، وينزلني منزلة الأبرار، ولا يعنيني إذ ذاك رضي “القُرَّاء” أم لم يرضوا، فكلُّ الرضا في رضا المولى الجليل.
فهل -أخي الحبيب- تملَّكك يومًا عضال “سؤال الكتابة”، فتقلَّبت في فراشك مثل محموم؟ وتلوَّيت على جنبيك مثل صريع؟ وعانقت الهمَّ والتوتر المستميت مثل مجنون؟
أنتظر منك الجواب، أو بالأحرى لا أنتظر الجواب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مدير معهد المناهج، الجزائر العاصمة / الجزائر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.