على الرغم من عدم وجود إحصاءات حول العدد الصحيح للمعاقين في الدول العربية إلا أن العدد لا شك لا تقل نسبته عن 10% من عدد السكان، خاصة وأن عددًا لا بأس به من الأسر تكاد لا تعلن عن أبنائها المعاقين وتحجبهم عن المجتمع. ويؤكد الواقع العربي أن الأوضاع الاقتصادية تقف حائلاً دون اللحاق بالدول المتقدمة في مجال تأهيل وتدريب المعاقين واستحداث تقنيات حديثة. إلا أن هذا لا يجب أن يستمر، فالإمكانات البشرية والعلمية يمكنها تغيير الصورة وربما الأخذ بنظام بناء جامعات متخصصة في مختلف الإعاقات قد يفيد في هذا المجال.

لقد شهدت بعض الدول المتقدمة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تأسيس جامعات تهتم بنوع واحد أو اثنين، مثل الصم والبكم وضعاف السمع، أو المكفوفين وضعاف البصر، أو الإعاقة الحسية أو الحركية. هذه الجامعات تمنح درجة البكالوريوس وتتيح الفرصة أمام الراغبين في إتمام الدراسات العليا . هذا إلى جانب تقديم برامج دراسية للتدريب على رأس الخدمة للعاملين في مجال الإعاقات.

ومما هو جدير بالذكر أن هذه الجامعات ترجع إلى أكثر من قرن ونصف، حيث تأسست جامعة جالوديث الأمريكية عام 1856 م، من خلال مدرسة لتأهيل الصم ثم معهدًا، وذلك تحت رعاية مؤسسة الرئاسة حيث تم اعتماد شهادات المعهد من جانب رئيس الجمهورية. مما يعني اهتمام الإدارة السياسية العليا وأصحاب القرار بهذه الفئة الجديرة بالاهتمام، ويتحول المعهد إلى جامعة للصم برئاسة خبيرة في تأهيل الصم – لا تعاني من الصمم – وذلك عام 1986م .

اتبعت الجامعة فلسفة جديرة بالذكر ألا وهي أن تكون قيادة الجامعة ومجلس أمنائها من الصم، حيث تم تعيين مدير للجامعة من الصم ، وكذلك أعضاء المجلس عام 1988م، ونجحوا في استصدار تشريعات عام 1990م بتحريم التفرقة بين أفراد المجتمع في شتى مناحي الحياة ( الإسكان – التعليم – وسائل المواصلات – الشارع – الترفيه – وسائل الإعلام – الخدمات الصحية والاجتماعية ) .

انطلقت بالجامعة في مسيرتها لتحقيق أهداف محددة تمثلت في :

-توظيف التكنولوجيا الحديثة لخدمة الصم ( الذين يعانون من الصمم منذ الميلاد) الذين يفتقدون اللغة والكلام والثقافة.

-القيام بالبرامج التجريبية من خلال مدارس نموذجية للصم تبدأ بمرحلة الحضانة حتى المرحلة الثانوية.

-تقديم مختلف الخدمات للصم بهدف تحقيق التواصل والاندماج بينهم وبين أفراد المجتمع.

-توفير فرص العمل للخريجين والتي تبدأ خلال الدراسة وتتضمن تخصيص أوقات للتدريب في المؤسسات الإنتاجية ومن ثم الالتحاق بالعمل بها فور التخرج,

-نشر نتائج دراساتها وتوصيات مؤتمراتها ومن بينها:( الصحة النفسية للأصم – إعداد معلم الأصم – التوجيه والإرشاد النفسي الفردي والجماعي – التربية الرياضية الخاصة بالأصم – تأهيل الأصم الكفيف) .

معاناة الأصم  

لا يختلف اثنان على أن الطفل الأصم الذي ولد هكذا، يفتقد إلى التواصل والتفاعل الاجتماعي، وفي هذا المقام نستعرض رأي ( هيلين كيلر ) التي كانت تعاني من كف البصر والصم والتخاطب. تقول : “إن فقد البصر يَحوُل بين الكفيف ورؤية الأشياء أو التعامل معها، بينما إعاقة الصم تَحوُل بين الأصم والتعامل مع البشر، فيصبح محرومًا من الاستمتاع بالحب والتعاطف مما يبعث في نفسه مشاعر القلق والوحدة وإحباط حاجته للشعور بالأمن والأمان، وبهذا يفتقد الكثير من الفرص المواتية التي كان من الممكن أن تثري حياته فكريًا وثقافيًا ونفسيًا “.

وتخفيفًا على الطلاب الصم يتم تسجيل المحاضرات على أسطوانة خاصة تدخل إلى الكمبيوتر فيترجمها إلى نص كامل يظهر على الشاشة حيث يتمكن هؤلاء الطلاب من المشاركة سواء بالتعليق أو الاستفسار . وهناك أيضًا زرع جهاز إلكتروني صغير يثبت جزء منه تحت جلد الرأس وجزء آخر خارجه ؛ لتوصيل الموجات الصوتية إلى العصب السمعي ثم مراكز السمع في المخ ، هذا الجهاز يُعرف بالقوقعة الإلكترونية، وتستخدم مع الطفل الذي وُلِدَ أصم بشكل كامل ، ويخضع لمرحلة تأهيل تمكنه من سماع وتفسير وفهم الأصوات ، ومن ثم يتعلم اللغة من حيث تكوين حصيلة لغوية ، ثم مرحلة تعلم الكلام ليصبح قادرًا على التخاطب.

ويجدر الإشارة هنا إلى أن الأذن التي تستقبل الموجات الصوتية تتركب من ثلاثة أجزاء هي الأذن الخارجية ( المسماة بالصيوان والقناة السمعية) والأذن الوسطى التي تبدأ بطبلة الأذن مع 3 عظيمات صغيرة والأذن الداخلية المكونة من القوقعة والخلايا السمعية الدقيقة المسماة بالخلايا الشعرية التي تتحرك بعد وصول ذبذبات الموجات الصوتية لتتحول إلى نبضات كهربائية حيث تلتقطها أطراف العصب السمعي إلى المخيخ ثم مراكز السمع حيث تترجم إلى رموز مسموعة ذات معاني .

دعم الدول الكبرى للدول الناميـــــة

في ضوء ما تشير إليه بعض الإحصاءات أن متوسط ما تنفقه الدول النامية على الرعاية الصحية للمواطن لا تتجاوز 1٬7 دولارًا سنويًا بينما يصل الإنفاق في الدول المتقدمة حوالي 200 دولارًا سنويًا ، ونادى البعض بضرورة قيام الدول المتقدمة تقديم المعونات للدول النامية وتوفير الأجهزة التكنولوجية المتطورة بأسعار رمزية ، وكذلك  مضاعفة المنظمات الدولية كاليونسكو والصحة العالمية معوناتها في مجالات الإعاقة سواء في نقل التكنولوجيا المتطورة أو تدريب العاملين في مجال الإعاقات على تشغيل تلك الأجهزة وصيانتها وتصنيع قطع غيارها .

وما يُثار حاليًا أن الشركات والمؤسسات التي تنتج وسائل التكنولوجيا الحديثة تنفق أموالاً طائلة على البحوث والعلماء لابتكار أجهزة متطورة ، وهذا يعد سببًا في ارتفاع قيمة تلك الأجهزة ، وقد لا تجد تلك الدول مشكلة في تقديم خدمات متنوعة للمعاقين ومن أهما ما يُعرف بقانون المعونة التكنولوجية للمعاقين ، بينما الدول النامية تعاني ماليًا في سبيل تقديم تلك الخدمات . وعندما تقوم الدول الكبرى بتقديم الدعم اللازم للدول النامية في مجال الإعاقة فإن هذا من شأنه دعم أواصر السلام العالمي والمحبة بين الشعوب ، ويحقق في الوقت ذاته سوقًا رائجة لبيع منتجاتها الخاصة بالمعاقين .

تُرَى .. هل تأخذ الدول العربية بنظام الاهتمام بالمعاقين من خلال بناء جامعات متخصصة لهم خاصة وأن نسبة أعداد المعاقين تزداد من عام لآخر .

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.