غلب على خطاب المفسرين والعلماء -قديمًا وحديثًا- اعتبار القصص القرآني واردًا من أجل العظة والاعتبار، وكادوا يحصرونه في هذه الغايات التربوية، بينما يهدي التأمل في طبيعة القصص القرآني، وعلاقتها بسياقاتها القريبة والبعيدة داخل السورة وداخل المنظومة الفكرية والحضارية للقرآن الكريم، إلى أن القصص لا يقتصر في الورود القرآني على غايات العظة والاعتبار، وإنما يرد للتشريع، وتقديم أحكام تفيد في صياغة كليات القوانين والتشريعات التي تهدي حياة الناس والمجتمعات في علاقاتها الفردية والجماعية.

ولقد ساق هذا المنهج في التعامل مع القصص القرآني إلى ضمور العديد من المبادئ التشريعية. والواقع أن حل هذا الإشكال الخطير في علاقة المسلمين بالقصص القرآني، يحتاج من الوجهة المنهجية إلى إعادة النظر في مفاهيم؛ مثل استنباط الأحكام، وآيات الأحكام، وأساليب التشريع في القرآن الكريم.

فقد توهم كثيرون بأن التشريع يستمد من آيات الأحكام، وأن الأحكام التشريعية لابد أن ترد في صيغ الأمر المعهودة وأساليب التوجيه المعروفة مما أثر على حركة التدوين التشريعي، فجاء عطاء العلماء مهتمًّا بآيات الأحكام مركزًا على تفاصيل الأوامر والنواهي، ولم يتجاوز ذلك إلى استنباط كثير من الأحكام الكلية المرتبطة بأمهات القضايا السياسية والدولية من القصص القرآني. ولو فعلوا ذلك لأبانت لهم وقفاتهم مع القصص القرآني عن مصادر خصبة في فلسفة التشريع. يقول الشيخ محمد الغزالي: “ولو أننا تأملنا في القصص القرآني واستفدنا منه أحكامًا كما نستمد الأحكام من آية الوضوء أو الغسل -واستفادة الأحكام من الواقع العملي في تاريخ البشرية أهم وأجدر، لأنها عامة ولأنها تتصل بسنن حضارية لا تختلف- كانت الأمة الإسلامية لا تقبل دنية أبدًا”.(1)

وإذا كانت الأمثلة كثيرة، فيمكن الاقتصار هنا، على نموذج يمثل أهمية التعامل مع القصص القرآني باعتبارها واردة للتشريع، مثلها في ذلك مثل آيات الأحكام سواء بسواء.

معاناة موسى وهارون

تشع من خلال سرد قصة موسى عليه السلام مع قومه، معاني الصبر على الأذى وتحمل تبعات الدعوة إلى الله والصمود في وجه الافتراءات، وكلها معان تدخل في مسمى الاعتبار. لكن لم يتم الالتفات إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي أن تلك القصة تقدم مبادئ في التشريع العام للأمة، يتمثل ذلك في اعتبار التوحيد والوحدة معادلة يتعين رعايتهما وصيانتهما، ومن ثم، فإن أمر رعاية الوحدة لا يقل وجوبًا وأهمية عن مبدأ رعاية التوحيد الذي قامت عليه السموات والأرض.

يقول القرآن الكريم في هذا السياق: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾(طه:86-94).

لقد حرص موسى عليه السلام على أن يبقى التوحيد خالصًا في نفوس بني إسرائيل، وجعله مناط الولاء والبراء، ومن ثم كان تنبيهه لهارون عليه السلام على أن الواجب، وفق هذا الاعتبار، كان يقتضي منه أن يترك السواد الذين انخدعوا بعجل السامري، وأن يفارقهم هو ومن بقي فيهم من الموحدين ويلحقوا بموسى عليه السلام.

بينما اتجه تقدير هارون عليه السلام وجهة مغايرة، فهو يؤمن بأن الوحدة -وحدة بني إسرائيل- لا تقل خطورة وأهمية عن التوحيد، إذ كلاهما معتبر وواجب، ومن ثم فقد ترجح لديه أن الوضع الذي هو فيه يقتضي إيلاء اعتبار للوحدة، مع إنكار ظواهر الشرك ونقدها، ومن ثم فلم يغادر موقفه، وبقي صابرًا صامدًا هو وجماعة الموحدين إلى أن عاد موسى عليه السلام من ميقات ربه سبحانه وتعالى.

ومن المؤكد أن هارون عليه السلام عانى كثيرًا وهو يتعامل مع هذه المعادلة الصعبة أثناء غياب موسى عليه السلام، طرفها الأول الحرص على التوحيد، وطرفها الثاني الحرص على وحدة بني إسرائيل، ومن ثم فقد كان جوابه لأخيه موسى يستبطن كل معاني الحرص واليقظة والحكمة: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾(طه:94)، فعلة صبر هارون وعدم تحريضه للموحدين على مفارقة سواد بني إسرائيل الواقعين في شرك عبادة العجل، راجع إلى أنه حريص على بقاء وحدة الأمة.

قد يبدو هذا التحليل مُوقعًا في العديد من الإشكالات، لعل أولها عدم جواز القفز على المقررات العقائدية لدى الأمة من وجوب الحفاظ على التوحيد، ورفض مختلف أشكال الشرك، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، بل قد يبدو “بدعيًّا” في معالجته، لأنه منشىء لسياق ثقافي ونفسي قد يوقع في التساهل مع أمر الشرك وانتشاره، وقد يهون من أمر التحذيرات القرآنية والنبوية تجاه الشرك والمشركين.

والحقيقة أن القضية أكبر من ذلك، إذ لا تعلق لها بقول جديد مقابل أقوال قديمة، أو وضع مصلحة التوحيد مقابل مصلحة الوحدة، وإنما يتعلق الأمر بالدعوة إلى تدبر هذا الموقف الهاروني، واستخلاص المبادئ المسعفة في تعامل العرب والمسلمين اليوم مع حلم الوحدة -إن بقي هناك حلم أصلاً- وكيفية التعامل مع واقع الفرقة والمذهبية والطائفية والحزبية والجماعية.

يقول الإمام أبو الحسن علم الدين السخاوي: “وكان موسى قد أوصى هارون فقال: إن رأيت من بني إسرائيل ما لا يسوغ، فبالغ في اللطف ليرجعوا عما هم عليه، وإلا فالحق بي، فأقبل موسى على السامري فقال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾(طه:95)، يعني: قد استقر عذر أخي ونطق بما يبرئه، فما خطبك أنت يا سامري؟”.(2) ومؤدى كلام السخاوي أن موسى عليه السلام استوعب موقف هارون وتعليله، ورضي به عذرًا لا يلزمه تبعات السكوت عن مواجهة الشرك المتفشي.

إن الموقف الهاروني يرسي مبادئ قوية، أساسها أن دعوة الرسل هي دعوة وحدة بالدرجة الأولى، وبما أنها كذلك، فيمكن الصبر على مظاهر الشرك هنا وهناك، والسعي إلى استئصالها تدريجيًّا، إذ الزمان كفيل بذلك، خاصة مع التنشئة والتوجيه والتربية والإصلاح وذلك كله رعاية لوحدة الأمة. والمقصود بالصبر هنا، المصابرة والمعالجة الحكيمة، مثل معالجة الطبيب لمرضاه، وليس المقصود به التجاوز أو التغاضي أو التساهل.

التوحيد والوحدة

أما إذا انحل عقد الوحدة، وصار آحاد الأمة أحزابًا وشيعًا، وأضحى مناط الولاء والبراء زيدًا أو عَمْرًا، بكرًا أو تميمًا، فإن مصير الأمة مهدد في استقرارها وأمنها ومعاشها وعلاقتها بغيرها.

وواقع الحال شاهد على هذا الذي تشير إليه الآية الكريمة من ملامح “الفقه الهاروني”، فمع أن التوحيد سائد في مجتماعتنا العربية والإسلامية، على الأقل في صفوف المسلمين الموحدين من أهل سنة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهديه وملته، فإن الوحدة مغيبة، وثقافة الوحدة مهددة، وسلوك الوحدة ضامر، ومناهج تحقيق الوحدة مفتقدة، وإنسان الوحدة معتقل، وخلق الوحدة مصادر.

إن الواقع المعاصر للمسلمين يؤكد أن السياق الحالي، من المفترض أن يكون سياق تركيز ثقافي وتربوي واجتماعي وسياسي وفني على قيمة الوحدة وأهميتها وضرورتها. ومن أجل تحقيق ذلك، لابد من الصبر -قليلاً أو كثيرًا- على كوارث الشرك والانحرافات العقدية، التي لا يقلل أحد من خطورتها وفسادها ومقت تعاليم القرآن والسنة النبوية لها.

ومما يعطي للفقه الهاروني في مسألة الوحدة بُعدها الإستراتيجي، أن حركة الأمة في خط تناقضي مع حركة تاريخ الأمم، فنحن نشهد يوميًّا، انتشارًا لثقافة الوحدة وقيمها ومصالحها بالدول الغربية، مما أوصلهم إلى تكتلات سياسية واقتصادية وحضارية قوية، بينما تزداد الأمة العربية الإسلامية تمزقًا وفرقة وخلافًا ينذر بتفريخ دويلات هنا وهناك.

ثقافة الوحدة

بل إن المتأمل في الأحوال الداخلية لكل دولة عربية أو إسلامية، يلاحظ أن ثقافة الوحدة تتراجع بشكل رهيب في صفوف من يحملون مشاريع النهضة الإسلامية، ومن يضع عليهم متنوّرو بلدانهم آمالاً كبيرة في الخروج بأمتهم من مهاوي التخلف والاستبداد والجهل. فالخطاب السائد -إلا ما ندر- هو خطاب الفرقة والخلاف وتبادل الاتهامات، وتهميش أصوات الوحدة والتآلف والتقارب، وقلما نجد من يرفع شعار ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾(طه:94).

إن الفقه الهاروني في مسألة الوحدة يهدي إلى المبادئ الآتية:
1- الوحدة واجبة ومرعية، بل إنها تدخل ضمن الكليات الأساسية في القرآن الكريم وشريعته السمحة، وذلك أن استقراء المفردات القرآنية الدالة على “الوحدة” من مثل “اعتصم” و”حبل الله”، وما يناقضها من مثل “تفرق” و”اختلف” و”تنازع”، يدعم وجوب الوحدة وتكليف الناس بها وحملهم على تحقيقها والسعي إليها عبر تقوية فرص الوحدة وإضعاف فرص الفرقة ونوازعها ومذاهبها. يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾(آل عمران:103)، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾(الأنعام:159)، ويقول سبحانه: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾(آل عمران:105)، ويقول: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾(المؤمنون:53)، ويحذر القرآن من مآلات المشركين: ﴿وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾(الروم:32).

ويصف المنافقين بأنهم يتقصدون إحداث الفرقة بين المسلمين، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(التوبة:107).

2- قد يتحمل من الشرك أو غيره، حالاً، ما يحفظ وحدة الأمة حالاً واستقبالاً. ولعل في موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الأوائل من الأصنام المنتشرة بمكة في بداية الدعوة الإسلامية، ما يمنح مجالاً خصبًا للقياس والمقارنة والاعتبار في هذا السياق، فمن أجل مقصدية الحفاظ على أرواح القلة من المسلمين، أرجأ الرسول صلى الله عليه وسلم تحطيم الأصنام بمكة. وقياسًا على ذلك يجوز القول هنا، بإمكانية الصبر على بعض مظاهر الشرك لفترة، من أجل رعاية مقصد الوحدة، والله أعلم.

3- الخشية من ضياع الوحدة لا تقل أهمية عن الخشية من ضياع التوحيد، باعتبار أن الأمة مأمورة بهما معًا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾(آل عمران:103)، ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾(النساء:36).

4- الوحدة تدخل ضمن واجبات القيادة العليا، فهي مما استحفظت عليه من قبل رعيتها، ولأنها كذلك، فالواجب أن تبث هذه القيمة في إستراتيجيتها الداخلية والخارجية، وفي برامجها التعليمية، وفي أنشطتها الفنية والاجتماعية.

5- من الخير لعلماء الأمة ومفكريها ودعاتها أن يكونوا عونًا على نشر قيم الوحدة الواجبة بمقتضى الفقه الهاروني، وأن يدعموا خطواتها ويباركوا مسيرتها، وأن لا يجعلوا انتفاء الانحرافات العقدية أو السلوكية شرطًا في انخراطهم في الدعوة إلى الوحدة وتحقيقها، فقد يكون اشتراطهم ذلك مانعًا من موانع تحقيق الوحدة أصلاً، وقد يفوت مصالح كثيرة، وإذا كانت الخلافات المذهبية والقبلية والحزبية سبيلاً إلى إراقة الدماء، في بعض الأحيان. فإن درء هذه المفاسد والكوارث لا يتم إلا بنشر ثقافة الوحدة، ومعلوم أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، مما يعني أن درء مفسدة إراقة الدماء مقدم على جلب مصلحة التوحيد، وخاصة داخل الأمة الواحدة التي ترفع شعار الإسلام. وليس في هذا تعطيل لواجب الأمر المعروف والنهي عن المنكر الذي يمثل “هوية” الأمة المسلمة بنص القرآن الكريم، ذلك الأمر والنهي الذي يتخذ أشكالاً متعددة ومستويات متضامنة يبدأ بإنكار القلب واللسان، وينتهي بإنكار اليد والجهاد وفق قواعده وضوابطه وفقهه.

إن هذا الفقه الهاروني، هو الذي يعطي للأمة مفهومًا آخر غير مفهوم التكتل أو التجمهر الظاهر حول أوهام وطنية أو دينية أو قومية، بمعنى أن قيمة التكتل الجمعي تكمن في التنادي من أجل دعم مبادئ الوحدة المتجاوزة لكل نزوع سلبي، وأن أي ميل نحو التنازع والتدابر والتناحر، إنما هو ضرب في قيمة ذلك التكتل وإضعاف لمكانته. يقول الأستاذ فتح الله كولن: “لذا لا يمكن القول إن كل تجمهر هو جماعة، بل إن بعض الكتل التي تسري العداوة بينها ليست بعيدة فقط عن ماهية الجماعة، وإن زيادة الأفراد فيها تؤدي إلى زيادة الضعف… فأصحاب الأنبياء الذين تميزوا بروح الجماعة، شكلوا جماعات قوية مع قلة أعدادهم، وأدوا المطلوب منهم (توحيدًا ووحدة)… والحقيقة أن كل فئة قليلة من هذا الصنف ومن هذا المستوى، عدت في التاريخ أقوى من العديد من الكتل الجماعية المتنافرة وأكثر بركة”.(3)

6- من بركات الوحدة أن يتحقق التواصل بين مكونات الأمة وينتشر الحوار، وهذا يفضي إلى التناصح والتعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا مجال خصب لبيان أخطاء الانحرافات العقدية والسلوكية وأخطارها بالحكمة والمنهج السليم. وقد تقرر في ميزان العقل، أنه يستحيل على المرء أن يبقى متمسكًا بأخطائه وانحرافاته وهو يرى الحق أبلج، إلا إذا كان صاحب هوى متبع أو شخصًا مأجورًا لنشر الشرك. أما في ظل الفرقة والتمزق وتغذية ثقافة الكراهية والانقسام، فإن العقل يتراجع عن حكمته، ويسود التعصب الذي يتلبس لبوس الدين والهوية والتاريخ، وتطغى الأحكام التي تدعي استنادها إلى نصوص الوحي والحديث الشريف، بل قد تجد الاغتيالات والتصفيات مسوغها الفقهي. ولا مخرج ولا منجى من هذا الوضع إلا باعتماد أبجديات الفقه الهاروني التي تجعل الوحدة مطلبًا شرعيًّا وضرورة حضارية، والتي تبرز كيف أن ثقافة الإسلام هي ثقافة توحيد ووحدة سواء بسواء.

وإذا اتضح هذا، فإن الكاتب يدعو إلى تأصيل هذا الفقه الهاروني من خلال الخطوات الآتية:

• تتبع أقوال المفسرين في تناولهم للآيات المذكورة من سورة “طه”.

• قراءة تلك الآيات في ضوء مقاصد القرآن في العمران الإنساني.

• جمع الأحاديث الواردة في النهي عن الشرك، وقراءتها على ضوء تلك الآيات القرآنية.

• استحضار القواعد الأصولية في الفهم والترجيح، من مثل: “درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة” وغيرها كثير.

• قراءة تاريخ الأمة في ضوء ملامح الفقه الهاروني للوقوف على حجم الكوارث الناتجة عن تغييب “واجبية” الوحدة وأهميتها في صلاح معاش الأمة ومعادها.

• قراءة الواقع المعاصر لمشاريع الصحوة الإسلامية واتجاهاتها ومدارسها (أدبياتها، قوانينها الداخلية، برامجها ومشاريعها، إنجازاتها…) للوقوف على حدود حضور ثقافة الوحدة وثقافة الفرقة، ومدى وعي تلك المشاريع بوجوب الوحدة وجوبَ التوحيد.

ـــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) الشيخ محمد الغزالي:” كيف نتعامل مع القرآن”، في مدارسة أنجزها الأستاذ عمر عبيد حسنة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط:1، 1991م، ص:230.

(2) تفسير القرآن العظيم، للإمام أبو الحسن علم الدين السخاوي، تحقيق: الدكتور موسى علي موسى مسعود، والدكتور أشرف محمد عبد الله القصاص،ط:1، 2009م، ج:1، ص:408، دار النشر للجامعات، القاهرة.

(3) فتح الله كولن.. جذوره الفكرية واستشرافاته الحضارية، لمحمد أنس أركنة، ط:1، 2010م، ص:317، دا رالنيل، مصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.