تأسس مجتمع المدينة بعد هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلّم- إليها على التعددية الدينية والثقافية، ومارس المسلمون ذلك من بعده عمليًّا على مدى تاريخهم الطويل.

ويؤكد ذلك ما يعرفه التاريخ من أن المسلمين لم يُكرهوا أحدًا على الدخول في الإسلام… فالحرية الدينية مكفولة للجميع، وتعدّ مبدأ من المبادئ الإسلامية التي أكدها القرآن الكريم في قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(البقرة:256). فالعقيدة تتصل بعلاقة الإنسان بربه، وبالتالي فهي تفترض الاقتناع الكامل بها، والتسليم المطلق من الإنسان لخالقه، وهو أمر لا يتم بالإكراه.

ولم يحفظ التاريخ أن أمة سوت رعاياها المخالفين لها في دينها برعاياها الأصليين في شأن قوانين العدالة ونوال حظوظ الحياة بقاعدة “لهم ما لنا وعليهم ما علينا” مع تخويلهم البقاء على رسومهم وعاداتهم، مثل أمة المسلمين، فحقيق هذا الذي نسميه التسامح بأن نسميه “العظمة الإسلامية”.

ولهذا، عندما حررت الجيوش الإسلامية تلك الشعوب المضطهدة تحت نير المستعمرين من الروم والفرس، حررت كذلك ضمائرهم من الاضطهاد الديني الذي عانوا منه عدة قرون، فتركوا -لأول مرة في تاريخهم- وما يدينون وأصبحوا جزءًا من رعية الدولة الإسلامية، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وظلوا أغلبية غير مسلمة في بلادهم لعدة قرون، حتى دخل منهم من دخل في الإسلام دون إكراه، بل ودون ترهيب، وفي أحيان كثيرة دون ترغيب. وبقي منهم على نصرانيته أو يهوديته أو زرادشتيته، شاهدين بذلك على هذه السماحة غير المسبوقة التي جاء بها الإسلام، والتي وضعتها دولته وحضارته في الممارسة والتطبيق.

ومن هنا لا يكون غريبًا أن نجد المستشرق الإنجليزي “سير توماس أرنولد” (1864-1930م) يعلن عن سماحة الإسلام عندما يقول وهو شديد التمسك بالنصراينة: “إنه من الحق أن نقول إن غير المسلمين قد نعموا -بوجه الإجمال- في ظل الحكم الإسلامي، بدرجة من التسامح لا نجد لها معادلاً في أوربا في الأزمنة الحديثة”(1).

ويظهر تسامح الإسلام في مواقفه الكريمة مع غير المسلمين في عهود الأمان التي أعطيت لهم؛ فكانوا يقيمون في بلادهم بناء على هذه العهود تحت مظلة الإسلام، وكان الأمان يشكل القاعدة الإسلامية الأساسية بعد دخول المسلمين البلاد المفتوحة، وبمقتضى هذا الأمان أتيح لغير المسلمين كثير من الحقوق والحريات. وكان عهد الأمان الذي عَقده الرسول الكريم لأهل نجران، هو المثال الذي عقدت على منواله عهود الأمان اللاحقة.

وفي الحقيقة يمكن التأسيس لكل هذه الوقائع التاريخية التي تحضّ على التسامح وتؤكد على ضرورة التعاون بين الإنسان وأخيه الإنسان على الرغم من اختلاف الديانات وتعدد الملل والنحل في عهد “الصحيفة” الذي أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلّم- دستورًا لليهود من ساكني المدينة، حيث وضع بالصحيفة دستورًا لم تحلم البشرية في عمرها الطويل بمثله.

وتحدد الصحيفة -فيما يرى الدكتور حسين مؤنس- واجبات أعضاء هذه الجماعة وحقوق كل منهم، العدل والبر (والبر معناه الوفاء)، ولهم الأمن على النفس والمال. والجماعة كلها هي التي تقوم بحماية الأمن في داخلها “ويد المؤمنين جميعًا على من ابتغى دسيسة فساد بينهم”. والجماعة متعاونة لمساعدة المحتاج والمدين والمريض، وهي ملزمة بمعاونته في فداء أو أسر، وكل مجموعة قبلية من أهل المدينة مسؤولة عن الأمن في مواطنها وعن حماية المدينة من ناحيتها، والأمة كتلة واحدة “يد المسلمين واحدة” ولا تعقد جماعة صلحًا إلا باتفاق الجماعة. لكل مجموعة رياستها وهم مسؤولون عن جماعتهم من كل ناحية. والقاعدة في التعامل هي البر أي الوفاء، فمن نصوصها: “والبر دون الإثم” أيْ إن الوفاء دون الحنث و”أن الله على أبر هذا” أيْ إن الله يؤيد أصفى وأصدق ما في هذه الوثيقة من الوفاء.

وإذا هوجمت المدينة فلابد أن يشترك الجميع في الدفاع. أما إذا قامت جماعة بحرب خارج حدودها فلا إلزام، وليخرج من يريد، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلّم- كان إذا ندب أحدًا لمهمة سارع في التنفيذ مختارًا سعيدًا. وهذه القواعد واردة في القرآن الكريم بهديه وأخلاقه التي هي مكارم الأخلاق أو المروءة الإسلامية التي حلت محل المروءة الجاهلية(2).

وإذا كان الدكتور حسين مؤنس قد غّلب -في تحليله للصحيفة- جانب الأمة على الدولة، ورأى في الرسول الكريم نبيًّا وسراجًا منيرًا، لا قائدًا عسكريًا أو قائد دولة دبلوماسيًّا، فإن الدكتور “كامل الدقس” يرى في الصحيفة إعلانًا عن “قيام دولة قانونية في الأرض”، وقد نظم الرسول الكريم جميع شؤونها ورسم سياستها الداخلية والخارجية بصفته الرئيس الأعلى للدولة.

ويقول الدكتور كامل الدقس في ذلك: “لقد وضع الرسول دستورًا للدولة نظم فيه شعب دولته وحدد العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وبيّن فيه الحقوق والواجبات على مواطني الدولة من اليهود وقبائلهم، ومن القبائل المتفرقة من الأوس، والخزرج، والمهاجرين… وهذا الكتاب الذي يعرف بعقد “الصحيفة” يعدّ دستورًا فريدًا لم تحلم البشرية في عمرها الطويل منذ نشأتها وإلى يوم الناس هذا بمثله”(3).

ولعل ألصق القواعد بموضوعنا، تلك التي تنص “على إباحة الحريات: حرية العقيدة، والإقامة والتنقل، ومزاولة الحرف دون تقييد ما دامت هذه الحريات لا تضر مصلحة المجموع وتراعي المبادئ الأخلاقية في السلوك الفردي وفي العلاقات الإجتماعية”(4).

ومهما يكن الأمر في استخلاص دلالات هذه الصحيفة في جانبيها السياسي والتنظيمي أو في التحرير الفقهي لبنودها، فإنها حافلة بدلالات أخرى تتعلق بما وراء البنود من التوجه نحو وحدة الشعور بالجماعة الإنسانية، وحميمية العلاقات فيما بين أفرادها على اختلاف الانتماء الديني والقَبَلي. وتم في الصحيفة إشارات إلى “المعروف والقسط” اللذين اعتُبرا مدخلاً عامًّا لها، وإلى أن “ذمة الله واحدة”، و”أن سلم المؤمنين واحدة”، و”أن النصر للمظلوم”، و”أن الجار كالنفس غير مضار”، و”أن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره”، و”أن البر دون الإثم”، و”أن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة”، وأن اليهود مواليهم وأنفسهم “على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة”، و”أن الله جار لمن بر واتقى”.

إن هذه الصحيفة قد صدرت عن رؤية إيمانية شاملة ترى إلى الآخر المختلف عقديًّا أو دينيًّا على أنه توسعة للذات وميدان لفضائلها ولما تتمتع به من معروف وقسط وبر وتقوى وصدق، وحسبك ذلك كله التماسًا لوحدة الشعور الإنساني في المجتمع الواحد أو تعزيزًا لوحدة الخلق، على تنوع مللهم ونحلهم وألسنتهم، في مقابل وحدانية الخالق الذي شاء سبحانه أن يجعلهم شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، وأن يجعل منهم شرعة ومنهاجًا، وقضت حكمته أن لا يزالون مختلفين حتى يبلوهم أيهم أحسن عملاً، وأيهم أتقى له وأقوم سبيلاً.
وقد سار خلفاء الرسول -صلى الله عليه وسلّم- على منهاجه القويم في عدم الإكراه في الدين؛ جاءت امرأة إلى الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في حاجة -وكانت مشركة فدعاها إلى الإسلام فأبت- فقضى حاجتها، لكنه خشي لأن يكون في تصرفه هذا ما ينطوي على إكراهها للدخول في الإسلام، فاستغفر الله عما فعل وقال: “اللهم إني أرشدت ولم أكره”.

ونصت معاهدة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- لبلاد عانات على “أن لا يهدم لهم بيعة ولا كنيسة، وعلى أن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم”. كذلك معاهدة حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- مع أهل ماه دينار على “إعطاء الأمان على أنفسهم وأموالهم وأرواحهم ولا يغيرون عن ملة ولا يحال بينهم وبين شرائعهم ولهم المنعة”. وفي مصر استطاع عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أن يعقد مع من سلّموا له حصن بابليون، صلحًا شرط لهم فيه أن لا تباع نساؤهم وأبناؤهم ولا يسبون وأن تقر أموالهم وكنوزهم في أيديهم”.

وفي ضوء العهود السابقة وغيرها في عصر الراشدين وكذلك عصر الأمويين، فقد تأكد لنا أنه كانت تقوم على أساس المعاملة المتسامحة مع أهالي الأديان الأخرى، وإتاحة كافة الحريات والحقوق، فأعطيت لهم الحرية الدينية في ممارسة شعائرهم وطقوسهم، كذلك نالوا الحرية المدنية من خلال ما أتاحه لهم المسلمون من حماية وأمان على أرواحهم وأموالهم وأنفسهم وما إلى ذلك، مما يجعلهم يعيشون كيفما شاؤوا.

كما أنه لم يكتف المسلمون بهذه العهود التي تبرم مع غير المسلمين مكفولة بهذه الحريات السابقة، فوجدنا الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حريصًا على أن يلحق هذه العهود بوصايا من قبله موجهة إلى كافة القادة والولاة بأن يمنعوا المسلمين من ظلم أهل الذمة، وأن يوفوا لهم بعهودهم ولا يكلفوا فوق طاقاتهم.

وهذه الروح التي نصت عليها تلك العهود لم تكن مجرد إطار نظري وُضع للمعاهدين، لكنه طبِّق عمليًّا في كل البلاد المفتوحة. ولم يكن فرض الجزية على أهل الذمة عقابًا لهم لامتناعهم عن الدخول في الإسلام، ولكنها كانت مقابل الحماية لهم وتأمينهم في دار الإسلام. فإذا كان المسلم يتحمل كثيرًا من الأعباء باعتباره دافعًا للزكاة ويؤدي الخدمة العسكرية للزود عن الإسلام، فلا أقل من فرض الجزية على الذمي، لذلك فهناك ارتباط بين المنعة والجزية حتى يتعادل الفريقان في تحمل المسؤولية باعتبارهما رعاية لدولة واحدة، كما تعادلا في التمتع بالحقوق وتساويا بالتمتع بالمرافق العامة للدولة.

في ضوء المبادئ الإسلامية النبيلة وهدي الدين القيم وأهدافه السامية، وعلى أساس من إقامة ميزان العدل وإشاعة الحرية والمساواة ورفع مشعل الهداية، جاء الفتح الإسلامي لبيت المقدس مرتين، مرة في أيام عمر بن الخطاب، وأخرى في أيام صلاح الدين الأيوبي . وقد فتح عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بيت المقدس، بعد أن حاصر المدينة، ولما طال الحصار على أهلها طلبوا الصلح على شرط أن يكون المتولى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فكاتبهم عمر وكتب لهم كتابًا أمنهم فيه على أرواحهم وأموالهم وعقائدهم. وتأتي رسالة عمر -رضي الله عنه- إلى أمراء الشام نموذجًا للتسامح الديني والسلوك الحضاري الراقيين فلا تهدم كنائسهم ولا يكرهون على دينهم. وحين دخل عمر بن الخطاب بيت المقدس، وفي كنيسة القيامة، ولما حان وقت الصلاة، صلى عمر على مقربة من الكنيسة ولم يصلّ داخلها خشية أن يتخذ المسلمون صلاته في داخل الكنسية ذريعة فيضعوا أيديهم عليها.

وقد حظي نصارى بيت المقدس بالرعاية الكاملة، وكفلت لهم الدولة الإسلامية الحرية المطلقة في ممارسة عقائدهم الدينية وأنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية وقد عني بهم سلاطين المماليك حتى أن رئاسة بطريرك السريان كان يصدر مرسومًا من السلطان في القاهرة، وأُعفوا من الرسوم المفروضة على زائري كنسية القيامة والتوصية عليهم بالإحسان لهم ومعاملتهم معاملة حسنة، وفي عهد السلطان “برسباي” استمرت هذه الامتيازات.

وبمثل هذه الروح الطيبة فتح المسلمون أبواب بلادهم أمام اليهود، ليدخلوا آمنين وينتقلوا بين ربوعها سالمين، وسمحوا لهم بممارسة نشاطهم الخاص والعام على أوسع نطاق، وأباحوا لهم التتلمذ على أيديهم والأخذ عنهم، وأجازوا لهم الكثير من المهام والأعمال والمناصب الرسمية وغير الرسمية، فصار منهم التجار والصيارفة والأطباء والوزراء. ولا أدل على تسامح المسلمين مع اليهود من السماح لهم بالاحتفاظ بهياكلهم ومعابدهم في بيت المقدس في الوقت الذي أمرت الكنسية في غرب أوربا بتحطيم هياكل اليهود وإهدار دمهم.

وتشير مصادر التاريخ الأيوبي إلى أن القدس في عصر صلاح الدين، قد شهدت قدرًا عظيمًا من التسامح أتاح لساكنيها من غير المسلمين الفرصة لمارسة أنشطتهم اليومية بحرية مطلقة، مما أتاح الفرصة لصلاح لدين لكي يعنى بالخدمات العامة وإنشاء البيمارستان.

إن التسامح الذي نراه هنا، فعل إيجابي ومروءة نفسية وتوجّه صادق نحو الآخر، لا موقف سلبي اضطراري، خاصة وأن الاختلاف بما هو حقيقة كونية وإنسانية لا ينبغي أن يحول دون استشعار معنى الرحم الجامعة لبني الإنسان. ولعل مقاربة أخرى من الصحيفة وأخواتها أن تظهرنا على اعتراف الإسلام بالتعددية الملية في الأرض، وعلى أن ذلك شرط موضوعي للتعارف الذي يتجاوز معرفة الآخر إلى “القسط بالمعروف” معه، وإلى أن يكون “كالنفس غير مضار” و”أن يكون البر المحض” هو ضابط العلاقة معه وميزانها.

ومن مظاهر تسامح المسلمين مع غيرهم من أصحاب الملل الأخرى، ما ألفيناه لدى الأندلسيين ليس فقط من منح المسيحيين واليهود حرية العبادة وإقامة الكنائس والأديرة والبيع، وممارسة شعائرهم الدينية، فضلًا عن استخدامهم في وظائف الدولة إلى حد اتخاذ بعض الوزراء والكتاب منهم، حتى لقد اشتهر من اليهود والنصارى عدد من أعلام الأندلس في الطب والفلسفة والأدب وسائر العلوم والفنون، بل أيضًا تجلى هذا التسامح في مشاركتهم أعيادهم التي تختص بهم.

(*) رئيس قسم الفلسفة والاجتماع، كلية التربية، جامعة عين شمس / مصر.

الهوامش

(1) الدعوة إلى الإسلام، لـسير توماس أرنولد، ص:730-792، ترجمة: الدكتور حسن إبراهيم حسن، والدكتور عبد المجيد عابدين، القاهرة 1970.

(2) الصحيفة أنموذج من التسامح في الإسلام: إبراهيم العجلوتي، ص:49-50.

(3) الدول الإسلامية، للدكتور كامل الدقس، ص:79 ، دار الأرقم، عمان 1993.

(4) بحوث في الإسلام والمجتمع، للكدتور علي عبد الواحد، ص:73، القاهرة 1977.

About The Author

أستاذ دكتور مصري متخصص في الفلسفة الإسلامية والفكر التربوي، ورئيس قسم الفلسفة جامعة عين شمس سابقًا. له مجموعة من الكتب منها: - التراث العلمي عند العرب - البيروني فيلسوفا - تأملات في فلسفة ابن رشد - فلسفة الإمام بن باديس في الاصلاح والتجديد ظاهرة العولمة رؤية نقدية - حقوق الملكية الفكرية

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.