سلك الإسلام مسلكًا فريدًا في سبيل تثبيت ثقافة الخير والإنفاق في حياة المسلمين انطلاقًا من توظيفه الوازع الإيماني وترسيخه في النفوس واستثمار عطاءاته. ومن أجل تحقيق ذلك ركّز الإسلام على مجموعة من المفاهيم التي تشكل في مجموعها منظومة قيمية تؤسس ثقافة الخير وتؤصلها تأصيلاً شرعيًّا.

وسأحاول في هذا المقال أن أبسط بقدر المستطاع أهم تلك المفاهيم التي وردت في آي القرآن الكريم وأحاديث سيد المرسلين، قصد بيان مسلك القرآن الكريم في ترسيخ العمل الخيري في حياة المسلمين.

المفهوم الأول: اعتبار علاقة الإنسان بالمال علاقة استخلافية

من أهم المفاهيم التي وردت في كتاب الله تعالى اعتبار علاقة الإنسان بالمال علاقة استخلافية، أي أن المال مال الله والإنسان مجرد خليفة فيه. فهي علاقة كما عبّر الأستاذ مصطفى بن حمزة تناقض علاقة التملك الحر والاستئثار المطلق بالمال مما يوجه إلى الفردية والتحكم في تصريف المال بمنأى عن كل اعتبار إنساني.

ولقد عبر القرآن الكريم عن هذه العلاقة في قوله تعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)(الحديد الآية: 7) ودلالة هذا النص أن المالك الحقيقي للمال هو الله تعالى والإنسان مجرد خليفة ووكيل فيه، مما يقتضي منه أن يتصرف فيه وفق مراد مالكه الحقيقي الذي هو الله سبحانه وتعالى.

روى مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي، مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ، وَتَارِكُهُ لِلنَّاس”.

أكد النبي صلى الله عليه سلم في هذا الحديث أن التصور الحقيقي للمال هو فقط ما استهلكه الإنسان من مأكل وملبس أو صدقة ادّخرها للآخرة أما ما عدا ذلك من المال فهو يحرسه لورثته من بعده.

المفهوم الثاني: اعتبار البخل مرض وهمي منشؤه الخوف من الفقر

من المفاهيم التي ركز عليها القرآن الكريم في سياق الحث على العمل الخيري اعتباره البخل مرضا نفسيا مصدره خوف وهمي بإيعاز من الشيطان وبتسويل منه يقول الله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة: 267). ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة اعتبار البخل ظاهرة مرضية حينما قال: “وأي داء أدوأ من البخل؟”.

المفهوم الثالث: مضاعفة أعمال المنفقين وتحصيل الثواب العظيم

ومن الأساليب التي استعملها القرآن الكريم في دعوته الناس إلى الإنفاق والعمل الخيري والبذل مضاعفة الأجور للمنفقين أضعافا مضاعفة يصل أكثر مما تصله الحبة الواحدة التي تصبح سبعمائة حبة بعد البذر والسقي والحصاد، يقول الله عز وجل:  (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة: 260).

فقوله تعالى يضاعف لمن يشاء: “والله يضاعف على السبعمائة إلى ما يشاء من التضعيف، لمن يشاء من المنفقين في سبيله” وقوله: (والله واسع)، أي “أن يزيد من يشاء من خلقه المنفقين في سبيله على أضعاف السبعمائة التي وعده أن يزيده”.

من هذا الجزاء المضاعف كمجسم للعمل الخيري، كان دور الإيمان في إذكاء الرغبة في مباشرة العمل الخيري، حيث إن الصدقة باب من أبواب الإحسان، والرغبة في تحصيل الثواب والقرب من الله على المال. وفي هذا الإطار ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “في كل كبد رطب أجر”، كما ورد عنه أن باللقمة الواحدة، أو التمرة الواحدة، تصبح في حجم الجبل، أو أكثر: “ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، تربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل. كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله”.

ونخلص مما سبق للقول إن هذا الأسلوب القرآني المؤسس على الوازع الإيماني الذي يبعث في النفوس الرغبة في نيل رضا الله ترسخت فكرة بناء مجتمع إسلامي يرى في العمل الخيري والإنفاق سبيلا إلى الفوز في الدنيا والآخرة.