في القرن الرابع الهجري – أي في العصر العباسي – وُلد فن “المقامة” على يد بديع الزمان الهمذاني؛ وهو الذي اختار لفظ “مقامة” لحكاياته التي كان يمليها في مسجد نيسابور، ثم ظهر الحريري في القرن الخامس الهجري وكتب مقاماته في أواخر هذا القرن فنالت شهرة عريضة، وأُعجب بها كثير من الأُدباء أكثر من مقامات الهمذاني. هذا وقد عُرف لفظ “مقامة” في العصر الجاهلي؛ وجاءت الكلمة بمعني المجلس، وبمعني الجماعة الجالسين في المجلس.. قال زهير بن أبي سلمى :

وفيهم مقاماتٌ حسانٌ وجوههم   …   وأنديةٌ ينتابها القولُ والفعلُ

وإذا ما رجعنا إلي العصر العباسي ، سنجد كلمة ” مقامة ” استعُملت في المعنى الأدبي ، ووردت بمعنى الحديث الأدبي المكتوب ، وللدلالة علي الحديث الذي يلُقي في المجلس ، وبهذا المعنى استخدمها بديع الزمان الهمذاني في المقامة الوعظية؛ إذ رأي عيسى بن هشام شخصًا يلُقي حديثًا في المجلس فقال لبعض الجالسين: من هذا؟ فقال الرجل: غريب قد طرأ لا أعرف شخصه، فاصبر عليه إلى آخر مقامته. واستعمل هذا اللفظ في حديث السائلين الذي يلُقى في جماعة في شكل قصصي يهتم بالأسلوب، ويتخذ راوية وبطلاً. ويرى البعض أن القصة الحديثة نشأت متأثرة بـ “المقامة”  وهو رأي وجيه، فكثير من المقامات تنطوي على عنصر قصصي أو مسرحي، ولا نستطيع أن نطبّق هذا على جميع المقامات.

مَنْ هو الحريري ؟

هو أبو محمد القاسم بن علي محمد بن عثمان الحريري البصري الحراميُّ، وُلد سنة 446هـ بضاحية من ضواحي البصرة تسمى المشان وعاش فيها طفلاً، فلمّا كبر وشبّ تحوّل عنها إلى البصرة ونزل بحي بني حرام، لذا سمي بـ الحرامي .. أما كلمة الحريري، فنسبة إلى عمله، أي أنه يصنع الحرير ويبيعه. عكف الحريري على العلم والأدب، وتزوج وأنجب ثلاثة أولاد، وكان يتردد على بغداد في ضيافة الخليفة المستظهر، وفي ضيافة الوزراء الذين أعجبوا به ونال عندهم حظوة كبيرة. كان الحريري متمسكًا بدينه، وكان مع علمه وفصاحته قذراً في نفسه وصورته ولبسته وهيأته، وكان قصيرًا دميمًا بخيلاً. بدأ كتابة مقاماته في سنة 495 هـ، وأتمها في سنة 504هــ، وقد كتب خمسين مقامة واتخذ له راوية وبطلاً، أما الراوية أبو زيد السروجي، فقد اختلف مؤرخو الأدب في حقيقته، فرأى بعضهم أنه شخصية خيالية من اختراعه، ورأى البعض أنه شخصية واقعية، ونسب بعضهم إلى الحريري قوله: ” أبو زيد السروجي نسبة إلى السروج، كان شيخًا شحاذًا بليغًا، ومكديًا فصيحًا (متسولاً عن طريق الأدب) “. ومعنى هذا أن أبا زيد شخصية حقيقية رآها الحريري، وقال بعضهم إنه كان بصريًا نحويًا صحب الحريري ورُوى عنه الواسطي كتاب “ملحمة الإعراب” للحريري. وتذكر الروايات أن الحريري صنع أول مقامة سمّاها “المقامة الحرامية” ثم ذهب إلى بغداد وعرضها على الكبار فأعجبوا بها وشجعوه على أن يضم إليها غيرها، فكتب أربعين مقامة، وحسده البعض عليها وأنكروا أنها من عمله وتحدوه أن يصنع مقامة مثلها فعجز عن ذلك، وعاد إلى البصرة، وأتمها خمسين.. وحينئذ اعترفوا بفضله وعرفوا أنها من صنعه.

ونالت المقامات شهرة واسعة وتداولها الناس وأشاد بها الحكام والأدباء، ويقول ابن خلكان: “واشتملت المقامات على شيء كثير من كلام العرب من لغاتها وأمثالها ورموز أسرارها، ومَنْ عرفها حق معرفتها استدل بها على فضل هذا الرجل وكثرة إطلاعه وغزارة مادته” .. وكان فخورًا بمقاماته معجبًا بها.. ونجده يكشف عن اعتقاده بتفوقه على بديع الزمان الهمذاني، حيث يقول على لسان بطله:

إن يكن الإسكندري قبلي  فالطل قد يبدو أمام الوبل

والفضل للوابل لا للطل

والاسكندري هو بطل مقامات بديع الزمان، وأبو زيد بطل مقامات الحريري، فهو يرى أن مقامات بديع الزمان كالطل الذي يسبق المطر، وأن مقامات الحريري كالمطر الغرير، فمقاماته أعظم وإن سبقتها مقامات الهمذاني. وللحريري مؤلفات عدة، منها: درة الغواص في أوهام الخواص، ملحة الأعراب، شرح الملحة، وله ديوان شعر، أما أشهر أعماله فهي المقامات.

ظروف نشأة المقامات الحريرية

الحريري هو أول من صنع مقامته الأولى متأثراً بشيخ من المكدين رآه في المسجد يسأل الناس ويزعم أن الروم أسروا ابنه ، فعمل المقامة الحرامية واشتهرت في الناس ، فلما طالعها الوزير أنو شروان أعجب بها وكّلف أبا محمد الحريري أن يزيد عليها غيرها وكان أنو شروان كريماً ، وقد مدحه الحريري وأورد شعراً في مدح أنو شروان .. وهكذا يتضح أن الحريري أنشأ المقامة الحرامية ، ثم شجعه بعض الرؤساء على أن يضم إلى هذه المقامة غيرها ففعل.

ولا خلاف في أن الحريري كتب خمسين مقامة ، ويبدو أنه قصد بهذا العدد أن يضاهي مقامات بديع الزمان ، فقد حفظ لنا من مقامات بديع الزمان خمسون مقامة ـ غير أنه لم يراع ترتيباً بين مقاماته.

أما الحريري فقد راعى نوعاً من الترتيب في أولى مقاماته وفي آخرها ، ولم يضع مقامته ” الحرامية ” في صدر مقاماته ، مع أنها أول مقامة أنشأها ، وإنما جعلها المقامة الثامنة والأربعين بين مقاماته .. والحقيقة أنه لا قيمة لوضعها في هذا الموضوع ، فنحن لا نلحظ ترتيباً بين مقاماته من الثانية إلي الثامنة والأربعين ، وإنما نرى الترتيب وحسن التخطيط في صدر مقاماته وفي آخرها ، وقد بدأ بالمقامة الصنعائية ، لأنه يروي أن صنعاء أول بلدة صُنعت بعد الطوفان ، وفي المقامة الأولى نرى الحارث بن همام ( راوى المقامات ) يخرج إلي صنعاء اليمن ويدخل ناديًا رحبًا، فيرى شخصًا يعظ الناس ويملك إعجابهم ويحصل علي هباتهم ثم ينصرف ويتبعه الحارث بن همام، ويدخل الرجل مغارة فيتبعه الحارث فيراه مجالسًا تلميذًا له يحتسيان الخمر، ويلومه الحارث لمخالفة ظاهرة لباطنة، ويسأل تلميذه: مَنْ هذا الرجل؟ فيقول التلميذ: هذا أبو زيد السروجي، سراج الغرباء وتاج الأدباء: ونرى في السرد أن الحارث بن همام لم يكن يعرف أبا زيد السروجي، وأن هذا أول تعرٌفٍ له به، وهذا مناسب لبداية المقامات، وفي المقامة الثانية يعرف الحارث بن همام أبا زيد حين يراه، وهكذا نراه عارفًا به في كل المقامات التالية. وتتوالي المقامات حتى الثامنة والأربعين لا رابطة بينها ولا ترتيب كما يقول الدكتور أحمد أمين مصطفى في كتابه “الحريري صاحب المقامات ” ثم يحسن الحريري خاتمة مقاماته؛ حيث نرى شيخًا ضعيفًا يُحضر ابنه وينبهه إلي قرب ارتحال أبيه، وأن ابنه ولي عهده، ويغضّ من قيمة المعايش الأربعة: الإمارة، التجارة، الزراعة، والصناعة.. ويشيد بحرفة ساسان؛ ويعني بها الكدية، ويرد الإبن مؤيدًا أباه ويدعو له بطول البقاء ويعده بالاقتداء به… وهذه المقامة مناسبة في وضعها بين المقامات، وهي تمهيد لنهاية أبي زيد السروجي.

المقامة الخمسون

ثم تأتي المقامة الخمسون، وفيها يقصد الحارث بن همام مسجد البصرة فيرى فيه شخصًا ذا أطمار بالية فيقصد تجاهه، فإذا هو أبو زيد السروجي، ويشيد السروجي بأهل البصرة، ويعلن الندم والتوبة، وأنه لا يبغى أعطيتهم وإنما يبغي أدعيتهم، وتدعو الجماعة له وتُقدّم له الهبات، وينصرف السروجي ويتبعه الحارث بن همام، ويختليان  ويؤكد السروجي الندم والتوبة ثم يودّعه وينطلق، ويتتبّع الحارث أخباره ويخبره الركبان أن أبا زيد لبس الصوف وصار عابدًا وأظهر الكرامات، ويرحل إليه الحارث بن همام ويحضره وهو ينشد شعراً روحياً، ويصلّي الحارث خلف أبي زيد ويطلب وصيته فيوصيه ويودّعه وداع فراق. وهكذا أجاد الحريري في بداية المقامات ومهّد للخاتمة، ثم ختمه بصورة مناسبة.. وأما بديع الزمان فلم يرسم لمقاماته بداية ولا خاتمة.

العُقْدة والحل في مقامات الحريري

في كثير من مقامات الحريري تبرز العقدة المثيرة للتطلع ومعرفة النهاية وغالبًا ما يأتي الحل نابعًا من نفسية البطل وما عُرف عنه من صفات وأخلاق .. وفي بعض المقامات حكاية تثير الانتباه وتبعث التطلع ولكن النهاية تأتي ساذجة لا تُشبع  التطلع. وفي المقامة الصورية يخرج الحارث بن همام ويلقي فتية يصفهم بأنهم كمصابيح الليل ويسأل عن وجهتهم فيعرف أنهم متوجهون لحضور حفل عرس ويصحبهم إلي دار رفيعة البناء ويرون هناك شخصًا علي قطيفة فوق دكة لطيفة، ويبرز أبو زيد ليلقي خطبة الزواج، وهنا أحداث مشوّقة، ويأتي الحريري بأوصاف تزيد التطلّع، كوصفه الفتيان بأنهم كمصابيح الليل ووصف الدار والشخص الجالس علي القطيفة ولكن الحكاية تنتهي بالخطبة التي يلقيها أبو زيد ثم ينصرف. وقد تتعدد الأحداث وتتوالى في ترابط وإثارة كما في المقامة الوبرية، وغالبًا ما يأتي الحل نابعًا من نفسية البطل وما عرف عنه من صفات وأخلاق كما نرى في المقامة الواسطية، وتتعدد الحلول التي تعتمد علي ذكاء البطل وخداعه كما في المقامة الرحبية.  وقد يأتي الحل معتمدًا علي سذاجة العوام كما في المقامة الحجرية، ويأتي فجائيًا كما في المقامة البكرية، أو قدريًا لا يد لأبي زيد فيه كما في المقامة العمانية، وفي المقامة الزبيدية اعتمد الحل علي القانون الشرعي.

ملامح مسرحية في مقامات الحريري

والمدهش أن بعض مقامات الحريري تصلح أن تكون مسرحية فكاهية من فصل واحد، وتحوى الحوار الشائق، وفيها العقدة – وإن كانت ساذجة – ومنها الحل النابع من الحدث..

المقامة البرقعيدية: يتظاهر فيها أبو زيد بالعمي، ويعطي من مخلاته رقاعاً مكتوبة لألوان الأصباع لامرأته العجوز.. وفيها أشعار مؤثرة.

المقامة الإسكندرية: عن امرأة تزوجها رجل محتال باع أساس بيتها بزعم أن صناعته كسدت، واستطاع أن يقنع القاضي بفقره ونجح في أن يفرض له القاضي صدقات!

المقامة المعرية: وفيها يدخل أبو زيد إلى قاضي معرة النعمان ومعه غلام وسيم، ويدعّى الشيخ أن الغلام اغتصب مملوكة له كان قد طلب استخدامها فأخدْمه إياها بلا عوض، ولكنه اغتصبها، ويفيض في وصف المملوكة التي اتضح أنها إبرة استعارها الغلام واستعملها فكسرها!

المقامة الزبيدية: وهي تصلح أن تكون مسرحية من فصلين؛ ففي سوق العبيد يعرض أبو زيد غلامًا للبيع ويفيض في مدحه، ويعلن العبد أنه يوسف، ويشتري الحارث الغلام، ويقبض أبو زيد الثمن وينصرف ثم يعلن الغلام أنه حر ويتنازعان ويذهبان إلى القاضي، ويعلن الغلام أنه أنذر الرجل وقال له: ” أنا حر كيوسف عليه السلام “، ويحكم القاضي بحرية الغلام.

المقامة الحجرية: ويظهر أبو زيد حّجامًا، ويحضر فتى يريد الحجامة، ولكنه مفلس ويطلب إمهاله حتى اليسر، ويرفض الحّجام، ويشكو الغلام للناس، ويذم الحجّام فيعطفون عليه ويقدمون له المال، ثم يتضح أن الغلام ابنه.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.