إن الوسطية هي بحق إحدى كليات الدين الموجهة لمساره، المحققة لتواجده بالشكل المنسجم مع حقائق الإنسان والعمران. والعدل والخيار معنيان يؤديان مفهومًا متكاملاً للوسطية، كانا موجهين فعلاً للحركة العامة للصدر الأول الذي هو (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، و(أُمَّةً وَسَطًا)، (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، حيث كان مفهوم الوسطية يحكم ويقوّم الفكر والسلوك والتصور والعمل، به توزن وتعار الأقوال والأفعال، وحيث كانت البساطة في الفهم والقوة في الالتزام، مما جعل هذا الدين ينتشر ويحقق إنجازه الحضاري العظيم قبل أن تأتي عليه انحرافات هي في أصلها خروج عن حد التوسط والاعتدال، وجنوح إلى إفراط أو تفريط، وبالتالي تنكب عن مواطن الخيرية والشهادة وغيرها من أوصاف الأمة الوسط.
وكما قال الشيخ الغزالي رحمه الله: “منذ بدأت الثقافة الإسلامية والإيمان أركان ونوافل، وأصول وفروع، وأعمال قلبية وأعمال جسمية.. وإن الذي يحدث عند بعض الناس، أن جزءًا من الإسلام يمتد على حساب بقية الأجزاء كما تمتد الأورام الخبيثة على حساب بقية الخلايا فيهلك الجسم كله (…) وهذا “التورم” الذي يصيب جانبًا دينيًّا معينًا، هو السر وراء فقهاء لهم فكر ثاقب وليست لهم قلوب العابدين، ومتصوفين لهم مشاعر ملتاعة وليست لهم عقول الفقهاء. وهذا هو السر وراء محدثين يحفظون النصوص ولا يضعونها مواضعها، ولا يجيدون الاستنباط منها.. وأصحاب رأي يلمحون المصلحة ولا يحسنون مساندتها بالنص المحفوظ.. هو السر وراء حكام يعملون، رعاة للجماهير وباعهم في تقوى الله قصير، وعامة يعكفون على العبادات الفردية فإذا بلغ الأمر النصح والزجر والأمر والنهي والتعرض لغضب الحكام، لاذوا بالصمت الطويل”(1).

الغلو في الإعجاب بالذات أو الرأي إلى درجة التقديس أو التأليه، ليس من الرشد والاتزان في شيء، كما أن الغلو في امتهانها وجعلها قابلة للاستخفاف بحيث لا تستشعر أي مسؤولية ذاتية، ليس أيضًا من الرشد والاتزان في شيء

“إن الوسطية تعني أن الإنسان في الإسلام لا يعيش تناقضًا داخليًّا بين روحه وجسده، بين القيم الدينية ومتطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فعدم وجود قطيعة بين الدين والدنيا بين الدنيا والآخرة، ينتج عنه من الناحية الفلسفية، أن النمط الفكري المستخرج من الإسلام ينفر من الثنائية، ولا يمكن أن يدرج في إطار المثالية أو المادية (…) فالمفاهيم والقيم الإسلامية لا توجد مبعثرة وعفوية دون نظرية ضمنية -تتسق ضمنها- فالوسطية هي الأرضية الفكرية والمنهجية للمفاهيم الإسلامية، وهي محور المنظومة الإسلامية العامة التي لا تفصل بين الدين والدنيا”(2).
“الوسطية الإسلامية تمثل السمة والقسمة التي تعد بحق أخص ما يتميز به المنهج الإسلامي عن مناهج أخرى لمذاهب وشرائع وفلسفات.. بها انطبعت الحضارة الإسلامية في كل القيم والمثل والمعايير والأصول والمعالم والجزئيات حتى لنستطيع أن نقول إن هذه الوسطية بالنسبة للمنهج الإسلامي -وحضارته- هي عدسته اللامّة لأشعة ضوئه وزاوية رؤيته كمنهج، وزاوية الرؤية به أيضًا، وهي بنفيها الغلو الظالم والتطرف الباطل إنما تمثل الفطرة الإنسانية قبل أن تعرض لها وتعدو عليها عوارض وعاديات الآفات”(3).
وإذا ما تجاوزنا التجربة التاريخية في هذا السياق إلى الفكر المعاصر، فإننا نجد الوعي بهذه المسألة أخذ في التبلور بشكل تدريجي لاستدراك الخلل التاريخي برد الاعتبار لهذه الخصيصة التي أصبح دعاتها يمثلون “اتجاهًا” متناميًا بين اتجاهات عدة تطغى عليها آفات الجمود والتقليد للموروث أو للوافد، وآفات الفهم السلبي للنصوص. لكنه يبقى دون المنظور النسقي الكلي والوظيفي الإجرائي للمفهوم كما تعرضه الأصول الشرعية، دون التراكم والامتداد والإقناع والاستيعاب الذي يحوله إلى قناعة توجه فكر وسلوك الجمهور والعامة. ودليل ذلك شيوع الفكر المتشدد ومظاهر الغلو والتطرف، التي تبتدئ من الخلاف في الرأي وتنتهي إلى الاقتتال المسلح المنظم. لا نغفل طبعًا أن لهذا الامتداد أسبابًا أخرى تتجلى في ممارسات سياسية مستبدة وظالمة، وفي فوارق طبقية وظروف اجتماعية قاسية تغذيه وتزوده بالوقود. لكن يبقى للتأطير الفكري والتربوي، وإشاعة قيم الاختلاف والتسامح، دور حاسم في درء الشبهات والتضييق عليها، وقطع قنوات الإمداد والاستدراج لضحايا الجهل والغفلة والسذاجة.

الوسطية منهاج وميزان

من شمولية واستيعابية مفهوم الوسطية في القرآن الكريم، أننا نجدها تؤطر مناحي حياة الإنسان المختلفة من التصورات الكونية والإنسانية، أو الوجودية الكبرى، إلى التكليفات الجزئية الفرعية. هذا علمًا بأن التشريع أصلاً قائم على التيسير ورفع الحرج والمشقة، كما في قوله تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(البقرة:185)، و(هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(الحج:78)، و(لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)(البقرة:286)، وآيات أخرى كثيرة في هذا المعنى.
وفي الحديث الشريف: “إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا ولكن بعثني معلمًا ميسرًا” (رواه مسلم)، وعنه أيضًا صلى الله عليه وسلم: “إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة” (رواه البخاري)، وإنه صلى الله عليه وسلم ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما. كما توعد المتنطعين بالهلاك في قوله: “هلك المتنطعون (ثلاثًا)” (رواه مسلم)، وهم ليسوا إلا الغلاة المتشددون المتعمقون المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم، والذين لا يهنأ لهم بال حتى يلزموا الناس بأفهامهم الجزئية الضيقة التي هي من مباحات الدين على حساب أصوله وكلياته الرحبة الفسيحة التي تسع الناس كلهم وليس طوائف منهم فحسب.
فالقرآن يحوط الإنسان بحقيقتين أساسيتين لإدراك فلسفة ذاته في الوجود.. حقيقتان تقيمان فيه حالة التوازن والاعتدال، فلا يطغى ويتكبر ويفسد في الأرض من جهة، ولا يذل وينكسر ويهان من جهة أخرى. فهو خليفة في الأرض، مكرّم مفضّل فيها، سُخرت له المخلوقات، حامل لأمانة عظمى، سجدت له الملائكة تكريمًا، مخلوق في أحسن تقويم كما تبين ذلك الآيات الكريمات: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(الإسراء:70)، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)(البقرة:30)، (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(التين:4).

الوسطية الإسلامية تمثل السمة والقسمة التي تعد بحق أخص ما يتميز به المنهج الإسلامي عن مناهج أخرى لمذاهب وشرائع وفلسفات..

ثم إن الإنسان كذلك -وهذا ما لا ينبغي أن يغيب عنه- كائن تافه الأصل والخلقة؛ أصله الأول من تراب وسلالته من ماء مهين، والشأن فيه -إن طالت به الحياة- أن يعود إلى أرذل العمر فلا يعلم بعد علم شيئًا. فهذا وازع يردع الطغيان في الإنسان ويكبح جماح عناصر الشر فيه. ولنقرأ في ذلك قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)(الحج:5). وانظر إلى النموذج الفرعوني -وكل نموذج فرعوني مماثل- كيف انتهى إلى أصله الضعيف بعد اغترارٍ بسلطة وملكٍ غير راشد ولا سوي أو معتدل، إذ لم يتمثل الأصل الثاني المبرر لوجوده والمعدل لمنظوره عن نفسه وغيره إلا بعد فوات الأوان: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)(يونس:90-92).
وانظر إلى نموذج سحرته في المقابل، الذين عاشوا ظلم الاستخفاف والذل والعبودية الزائفة، إذ لما تحرروا بالإيمان انتهوا إلى عزة وكرامة النفس، فقالوا من غير تردد إجابة على توعد فرعون: (لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)(طه:72-73). فالغلو في الإعجاب بالذات أو الرأي إلى درجة التقديس أو التأليه، ليس من الرشد والاتزان في شيء، كما أن الغلو في امتهانها وجعلها قابلة للاستخفاف بحيث لا تستشعر أي مسؤولية ذاتية، ليس أيضًا من الرشد والاتزان في شيء، وإدراك الإنسان لهذا البعد في ذاته وتحققه به، لا شك أنه يفتح أمامه أبوابًا أخرى، وييسر له التعامل والتفاعل الإيجابي مع الغير، وإدراك أشكال أخرى من التوازن والاعتدال.
القرآن يعرض -كذلك- الحياة الدنيا تارة في معرض المدح والتزيين، ويعرضها تارة أخرى في معرض الذم والتقبيح. العرض الأول؛ للمعرض المنقطع والراغب عنها، والعرض الثاني؛ للمقبل المنهمك والراغب فيها، بما يؤسس فلسفة لمعنى الحياة، تجعل الإنسان قادرًا على التمييز بين ما خلق هو لأجله، وما خلق مسخرًا بين يديه. وعلى إدراك العلاقة الجدلية التكاملية بين الإثنين، فلا ينشغل بالثاني عن الأول، لأنه إلغاء أصلاً لفلسفة الحياة ومبرر الوجود وسر الخلق والتكليف، ولا ينقطع مكتفيًا بالأول عن الثاني، لأنه جزء لا يتجزأ من تلك الفلسفة الوجودية ومن ذلك السر في الخلق، بل لا يتحقق إلا به، إذ هو مجال الابتلاء والتمحيص، فلا مادية كلية في الإسلام ولا رهبانية كلية في الإسلام، لكن نسق بنائي جديد قائم الذات والتصور لهما معًا، وليس قطعًا توليفًا أو توفيقًا بينهما.
وهذا ما تؤسسه آيات من مثل قوله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(القصص:77)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(النحل:97)، (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(البقرة:200-201).
ثم نجد إلى جانب ذلك آيات أخرى تحدّث الإنسان عن تفاهة الدنيا وتحذره من الاغترار والانخداع بها كما في قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)(الحديد:20)، وآيات أخرى كثيرة لها نفس المعنى والدلالة.
نجد هذا التوازن والاعتدال والوسطية في كل الآيات التكليفية، ونعتبر أن كل آيات القرآن تكليف وأحكام، بالإيمان والاعتقاد، أو بالنظر والاعتبار، أو بالعلم والعمل والضرب في الأرض، أو بالدعوة والتبليغ، أو غير ذلك.

من شمولية واستيعابية مفهوم الوسطية في القرآن الكريم، أننا نجدها تؤطر مناحي حياة الإنسان المختلفة من التصورات الكونية والإنسانية، أو الوجودية الكبرى، إلى التكليفات الجزئية الفرعية.

• ففي الاستقامة والتزام الحدود نقرأ: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(هود:112)، (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون)(البقرة:229).
• وفي الإنفاق نقرأ: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)(الإسراء:29)، (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)(الفرقان:67).
• وفي معاملة الناس نقرأ: (وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)(لقمان:18)، وهكذا معظم آي الكتاب المجيد.
وتبقى السنة والسيرة النبوية كلها نماذج تطبيقية، ووحدة قياسية نموذجية ومعيارية لكل المعاني السالفة، ولذلك قالت أمنا عائشة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “كان خلُقه القرآن” (رواه مسلم)، أو “كان قرآنًا يمشي بين الناس”، حيث ينبغي أن تُقرَأ مع مسيس الحاجة إلى تَمثُّل بيانها وإرشادها لما يُصلِح أحوالَ الأمة والناس.
الوسطية منهج بنائي لا توفيقي
هذه إذن أهم معالم “اتجاه” الوسطية في الفكر الإسلامي، وقد حرصنا على وضع كلمة “اتجاه” بين قوسين، لأننا نستعملها تجاوزًا، ذلك أن الوسطية قبل أن تكون “اتجاهًا”، هي صلب المنهج الإسلامي ذاته في أحكامه وشرائعه ومعتقداته كما تقدم. وحدّه، الفهم الوسطي المعتدل الجامع بين مصادر المعرفة في تكاملها، وبين عالم الغيب والشهادة، وبين العلم والعمل، قادر على تحقيق المعادلات الصعبة الفكرية أولًا قبل السياسية، والتي تتجلى في التقابل والتقاطب المفهومي بين تيارات الأمة المختلفة -قديمًا وحديثًا- تحت مسميات: الرأي والأثر، والحكمة والشريعة، والعقل والنقل، والعلم والدين، والأصالة والمعاصرة، والقديم والحديث، والتراث والتجديد، والإسلام والغرب، والدين والدولة، والأنا والآخر ..إلخ.
فهذا الواقع الفكري المأزوم، يحتاج إلى مركز ثقل جامع تلتقي عنده جل الأطراف المؤمنة به. وذلك هو المنهاج الوسطي البنائي للفكر والمعرفة، المستوعب من خلال أصوله الجامعة للثنائيات المتقدمة تكاملاً لا تقابلاً، والذي بإمكانه معالجة جذور الغلو والتطرف الديني واللاديني على حد سواء، يعمم في مقررات التعليم والإعلام حتى تنشأ عليه أجيال في الأمة لا ترى تناقضًا بين دينها ودنياها.

(*) جامعة السلطان مولاي سليمان، بني ملال / المغرب.
الهوامش
(1) الدعوة الإسلامية، للغزالي.
(2) محمد عبد اللاوي: (تعقيب): محمد عمارة: في المنهج الإسلامي، ص:204.
(3) في المنهج الإسلامي، لمحمد عمارة، ص:51.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.