إن علماءنا قد نظروا إلى الواجبات باعتبارها مرتّبة حسب مراتب ثلاث، فثَمة الضروريات ثُم الحاجيات ثم التحسينيات. وأرسوا بناء على هذا الوعي العميق دوائر للواجب يحمي بعضها بعضا وَفْقَ نسق مفهومي في غاية الدقة، فنصّوا على أن اختلال الضروري بإطلاقٍ يؤدي إلى اختلال الحاجي والتحسيني بإطلاق، وأنه لا يلزم من اختلالهما أو اختلال أحدهما اختلالُ الضروري بإطلاق، كما نصّوا على أن اختلال الحاجي بإطلاق ينجم عنه اختلال التحسيني بإطلاق، ونصوا على أن اختلال التحسيني بإطلاق يؤدي إلى اختلال الحاجي بوجه ما، وأن اختلال الحاجي بإطلاق يؤدي إلى اختلال الضروري بوجه ما. مما يلزم معه الحفاظ على الواجبات المتعلقة بالتحسيني حماية للحاجي، والحفاظ على الواجبات المتعلقة بالحاجي حماية للضروري. وبينوا أن التجرّؤ على الإخلال بالتحسيني منها معرِّض للتجرؤ على ما سواه. وعلى هذا الإدراكِ قام أصل سدّ الذرائع واعتبار المآل، وقرروا أن المندوب إليه بالجزء واجب بالكل، إذ الإخلال بالمندوب مطلقا إخلال بركن من أركان الواجب، ونصّوا على أن المندوب في كليته محميةٌ لا يجب خرمها، لأن خرمها يؤدي إلى الإخلال بالواجب وإبطاله. وقالوا في ذلك: “وكل واحدة من هذه المراتب لمّا كانت مختلفة في تأكد الاعتبار -فالضروريات آكدها ثم تليها الحاجيات ثم التحسينيات- وكان مرتبطا بعضها ببعض، كان في إبطال الأخفِّ جرأةٌ على ما هو آكد منه، ومدخل للإخلال به، فصار الأخفُّ كأنه حمى للآكد، والراعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، فالمخلّ بما هو مكمِّل كالمخل بالمكَمَّل من هذا الوجه”(1). قال الإمام الغزالي رحمه الله: “قلّما يُتصوّر الهجوم على الكبيرة بغتة، من غير سوابقَ ولواحقَ من جهةِ الصغائر”(2).

معظم الواجبات كفائية

وحيث ثبت أن جلَّ الواجبات التي تقوم عليها حياة الأمم في معاشاتها داخلة في الصنف الكفائي، ويقتضي كلٌ مِن تَبَيُّنها ومَقْدرتها وتقعيداتها وتقنيناتها اجتهاداتٍ مستأنفةً في كل حين، من أجل تنـزيلٍ متَّزِن لها على أرض الواقع تكون عاقبته يسرا… لما ثبت أن الأمر كذلك، فقد كان لعلمائنا كلام مفصل نفيس عن كيفية الاضطلاع بالواجب في سياقاته المختلفة؛ مِن نظرٍ في المآلات وتحقيقٍ للمناطات وتنقيحٍ لها وموازنة دقيقة بين المصالح والمفاسد جلبا للأُولى إن رجحت، ودفعا للثانية إن غلبت، تسديدا وتقريبا وتغليبا، مع تحديدات وضيئة لمناهجِ كل ذلك مما هو مفصل في مظانه.

فقه الموازنات واعتبار المصالح

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل [فقد يكون] مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية؛ وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغِبِّ جارٍ على مقاصد الشريعة”(3).
وعن فقه الموازنات يقول هذا الإمام: “وإنا وجدنا الشارع قاصدا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معها حيث دارت، فترى الشيء الواحد يُمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز”(4). ومفاد ذلك وجوب الموازنة بين الاحتمالات الممكنة في غير المحكم من الأحكام، ترجيحا وموازنة بين ما تحققه تنـزيلاتها في إطار الشرع الحنيف وبمقاييسه وموازينه من المصلحة في الظرف الواقعي المعين، ثم اعتماد الاحتمال الذي يرجُح أنه أكثر تحقيقا للمصلحة بضوابطها الشرعية المبينة في أماكنها، واعتبار ذلك هو الحكم الشرعي في تلك الحالة، وهذا مناط الاجتهاد فيما مردّ الأحكام فيه إلى النظر. ومن تداعيات الوعي العميق عند علمائنا بهذه الآليات في النظر كونهم درجوا على ألا يُسقطوا من اعتبارهم الآراءَ المرجوحة في تراثنا الفقهي، إذ هي ذخيرة اجتماعية قد تمس إليها الحاجة في أوضاع لاحقة مختلفة، فما لم يرجح في واقع عيني مشخص نظرا لملابسات وسياقات معينة، قد يضحى راجحا ضمن ملابسات وسياقات أخرى، وفقه إمام دار الهجرة إمامنا مالك رضي الله عنه يحضر فيه هذا الوعي العميق بشدة، لانبنائه على قواعد واقعية كعمل أهل المدينة والاستحسان والمصلحة المرسلة وسد الذرائع.
كما نبغ علماؤنا في تقعيد فقه مراتب الأعمال ومنازلها في الفضل، ومعرفة مقاديرها، والتمييز بين عاليها والأقلّ علواً، وفاضلها ومفضولها، ورئيسها ومرؤوسها، وسيدها ومسودها. يقول ابن القيم رحمه الله: “فإن في الأعمال والأقوال سيدا ومسودا، وذروة وما دونها، كما في الحديث الصحيح: “سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك…الحديث” (رواه البخاري)، وفي الحديث الآخر: “الجهاد ذروة سنام الأمر” (رواه ابن ماجه)، وفي الأثر: “إن الأعمال تفاخرت، فذكر كل عمل منها مرتبته وفضله، فكان للصدقة مزية في الفخر عليهن” ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولي العلم، السائرين على جادّة التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها وأعطوا كل ذي حق حقه”(5).
وصعوبة المورد التي أشار إليها الشاطبي آنفا في هذا الاجتهاد تصبح مضاعفة في واقعنا الراهن، نظرا لكون العالم قد تقاربت أركانه اليوم بفعل كل ما تم التوصل إليه من إمكانات. وأضحى تيار التأثير والتأثر يمرّ بين أرجائه بيسر بالغ، وينطّ فيه الجديد كلَّ عشر ثانية فما أقل، مما يفرض فرضا الاجتهاد الجماعي متعدد الاختصاصات، وفق منهجيات تكاملية تقوَّم في كل حين حتى تُضمن فاعليتُها ومواءمتُها لتطلبات الواقع. وهذا هو الدور الحيوي المنوط بمؤسسة العلماء.
مرحلة الجمود وأسبابه
ويحق للمرء بهذا الصدد أن يتساءل عن الأسباب التي تحول دون التوظيف والاستثمار الأمثلين الدائمين والممنهجين لكل هذه الجهود المشرقة في واقعنا الإسلامي خلال الفترات السابقة.
ويمكن إجمال هذه الأسباب في أربعة:
1-السبب العقيدي: أدى انتشار عقيدة إبطال الأسباب في الأمة نتيجة لسوء فهم تقريرات بعض الأئمة كالرازي والغزالي وغيرهما، إلى التواكل الذي أفضى إلى أضرب من العجز، فغيض العطاء، وانكمشت العقول، وفشت الشعوذة، واستتب التعامل مع الكون استهلاكا وتأثرا، وليس إبداعا وتأثيرا، مما جَرّ عواقب غير مرضية وأسهم بفعالية في إدخال الأمة إلى فترة من الجمود. ولم يقتصر الأمر على الجانب العملي، بل تعدّت الإصابة إلى الجانب التنظيري العلمي فأسقطت المقاصد، إذ استبعد عند طوائف من العلماء أن تكون الشريعة وضعت لعلة، وبسبب جلب المصالح العاجلة والآجلة للعباد في الدنيا والآخرة، مما جعل عطاء فقهاء الأمة ينحسر في ترداد ما كان من الفتاوى والأنظار، ويجمد دون مجال الكشف عن مقاصد الشارع في شرعه مما هو مجاف للشرع نفسه، يقول الشاطبي: “واستقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد، استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره فإن الله تعالى يقول في بعثة الرسل: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾(النساء:165)”(6). ويقول ابن القيم: “وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتيب الجزاء بالخير والشرّ، والأحكام الكونية والأمرية، على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما على الأسباب والأعمال، ومَن تفقه في هذه المسألة وتأملها حق التأمل، انتفع بها غاية النفع ولم يتّكل على القدر، جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة، فيكونَ توكّله عجزا، وعجزه توكّلا، بل الفقيه كل الفقه الذي يردّ القدر بالقدر، بل لا يمكن للإنسان أن يعيش إلا بذلك”(7). ويقول: “وقد رتب سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول الشرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال، ترتيبا للجزاء على الشرط والمعلول على العلة والسبب على المسبب، وهذا في القرآن يزيد على الألف موضع”(8).
وهذا السبب العقيدي كان من شأن الوعي به وتجاوزه أن يوسع آفاق الأمة ومداركها ويجنبها الوقوع في نكبات كثيرة، سياسية واجتماعية واقتصادية.
2-السبب التصوري: سادت في العالم الإسلامي، خلال العصور الأخيرة تصورات سلبية حادت بالمسلمين خاصتهم وعامتهم عن المشاركة الإيجابية في حل مشاكل مجتمعاتهم، وحادت بهم عن التبني المتبادل لهموم بعضهم البعض من خلال قيام كلٍ حسبَ قدرته بالفروض الكفائية، وتفلتت من وعيهم الجماعي ومن بنائهم التصوري بعض أهم سمات هذا الدين وعلى رأسها الواقعية. فالإسلام دين واقعي، تتجلى واقعيته في تصوراته للإنسان والكون والحياة، وتتجلى في تشريعاته. فالإسلام ينصّ على أن القدرة هي حد التشريع الذي يقف عنده، فلا يتحرك إلا معها، فإذا وقفت القدرة وقف التشريع حيث هو، لا يتقدم ولا يتأخر؛ يقول تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾(البقرة:286)، ويقول سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾(التغابن:16). فليس ثمة ضيق على الإنسان في التشريع، بل هو المجال الواسع الذي يجعله يتحرك براحة وحرية، فإذا ضاق عليه حكم وَسِعه آخر. فهنالك قاعدة “نفي الحرج”: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(الحج:78)، وقاعدة “الضرر يزال” وقاعدة “لا ضرر ولا ضرار” وقاعدة “الأمر إذا ضاق اتسع”. إلا أن هذه التصورات والضوابط حين اختفت من أذهان المسلمين اختفت في تقعيدات علماء العصور المتأخرة، فاختفت من واقعهم حركية الإسلام المعهودة ونبضه المألوف.
إن استبطان هذه السمات هو الذي يقدح زند حركة المجتمع المسلم بمنحه لأفراده هذه الأسس التصورية الرافعة لكوابح الكسب النافع.
3-السبب الفقهي: إن تدبير وتنظيم الاضطلاع المبرئ للذمة بالواجبات الكفائية في كافة جوانب الحياة العامة، من وظائف مؤسسة الإمامة العظمى، فهي القائمة على تقديرها وتنسيقها وتدبيرها. وعلى “النظر الكلي في كفاية أهم الأشغال” كما قال الإمام الجويني في الغياثي بعد ذكره مهام مؤسسة الإمامة العظمى(9). فإلى الإمامة العظمى إذن يعود تقدير الفروض الكفائية وتنسيقها وتدبيرها والنظر الكلي في كفاية أهم الأشغال، ولكن هذا لا يعني بحال تبرئة ذمة المواطنين من القيام بواجباتهم في هذا الصدد. وهو ما قرره إمام الحرمين بقوله: “ومما يجب الإحاطة به أن معظم فروض الكفاية مما لا تتخصص بإقامتها الأئمة بل يجب على كافة أهل الإمكان أن لا يغفلوه ولا يغفلوا عنه. وإن ارتفع إلى الإمام أن قوما يعطلون فرضا من فروض الكفايات زجرهم وحملهم على القيام به”(10)، إلى أن يقول: “والدنيا بحذافيرها لا تعدل تضرر فقير من فقراء المسلمين في ضر، فإن انتهى نظر الإمام إليهم رمَّ ما استرمّ من أحوالهم، فإن لم يبلغهم نظر الإمام وجب على ذوي اليسار والاقتدار البدار إلى دفع الضِّرار عنهم، وإن ضاع فقير بين ظهراني موسرين حرجوا من عند آخرهم وباؤوا بأعظم المآثم وكان الله طليبهم وحسيبهم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كان يومن بالله واليوم الآخر، فلا يبيتنّ ليلةً شبعانَ وجاره طاو”(11). وإذا كان تجهيز الموتى من فروض الكفايات، فحفظ مهج الأحياء وتدارك حُشاشَة الفقراء أتم وأهم”(12).
ولتحقيق هذه المقاصد مضى إجماع علماء المسلمين على وجوب إقامة الإمامة العظمى حفاظا على حقوق الأمة المرتهنة بالقيام بالواجبات الكفائية على وجه الكفاية، ولولا الإمامة -وكما قال العز بن عبد السلام رحمه الله- “لفاتت المصالح الشاملة وتحققت المفاسد العامة واستولى القويّ على الضعيف”(13). وللإمام الجويني رحمه الله في الغياثي مثل هذا القول(14)، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا النجدات من الخوارج والأصم من المعتزلة كما روى ذلك الإمام القرطبي المالكي.(15)
غير أن انحرافا عن هذه المقاصد قد وقع منذ وقت مبكّر، فقد أتت على الأمة أحيان من الدهر طغى فيها على الانشغال بالاضطلاع بالفروض الكفائية وتنظيمِها، وبالمجتمع وقضاياه، اشتغال بالنـزاعات والثورات، والثورات المضادّة، وبالتمكين للدول القائمة على أنقاض دول، وتتبع بقايا وجذور الدول المسقطة، كما سُجِّل انزلاق في وهاد مشاريع وهمية، كسقوط دولة المأمون في فخ فتنة خلق القرآن، وغيرها من الفتن، وما أعقب ذلك من انفصامات عدة في جسم الدولة، وأعاق جزئيا التطور الطبيعي لكسب الأمة الفقهي، والعلمي التنـزيلي في هذه الاتجاهات. فلم يُشحذ فقه المجتمع، ويبرد بالمناظرات والحوارات والرسائل، شأن فقه الأفراد (فقه العبادات بشكل خاص)، إذ لم يكن همّ التنظير للحياة في المجتمع والاضطلاعِ بالفروض الكفائية، وهمّ استنباط الأحكام الخاصة بذلك همَّ جمهور الفقهاء، ولم يتوجه إلى ذلك إلا بعض النابهين منهم، مما يفسر ندرة ما يتداول من العناوين في هذا المضمار، حتى بين خاصة العلماء، كالأحكام السلطانية للماوردي، والسياسة الشرعية لابن تيمية، والطرق الحِكَمية في السياسة الشرعية لتلميذه ابن القيم، وسلوك المالك في تدبير الممالك، لابن أبي الربيع، وما دبّجه ابن خلدون في مقدمته. وغير ذلك قليل.
مما يقتضي اجتهادا مستأنفا تنخرط فيه بوظيفية كلُّ المؤسسات البحثية المعنية من مقترب تنظيم الواجبات الكفائية تحت قيادة مؤسسة الإمامة العظمى، وهو مقترب يمنح -كما تقدم- مدخلا نسقيا للشأن العامّ ويمكّن من القيام بهندسة اجتماعية راشدة.
4-الصدمة الحضارية: لقد نشطت المجتمعات المسلمة أفرادا ومؤسسات -عبر التاريخ- لإقامة الواجبات الكفائية وأبدعت في ذلك، تشهد بذلك أوقاف المسلمين في تنوعها وإبداعيتها، وكذا التدبيرات السلطانية والمخزنية في الموانئ والثغور، وتسبيلُ السبل وبناءُ المرافق، وحفظُ الأمن وإقامة المعاهد العلمية، وغير ذلك من الوظائف كثير، مما يؤشر على النبض الذي كان في المجتمعات المسلمة، وقد واكب هذه الأعمال جهود تقعيدية وتنظيرات علمية رائعة، لا يزال جلها -للأسف- ثاويا في بطون السجلات والدفاتر المخزنية والكنانيش الوقفية، وتحتاج إلى استخراج وترتيب ودراسة حتى لا نقسو حضاريا على أجيالنا السالفة بسبب عدم التعرف على جهودهم في هذه المجالات، وهذا يحتاج إلى تجسير معرفي -تصالحي- بين أجيال علماء الأمة، خصوصا بين أجيال ما قبل الاستعمار وما بعده من العلماء والباحثين، وهو تجسير لا يمكن أن يتم إلا بالوقوف على اجتهاداتهم وعلى شدّة الصدمة التي ما كانت تغني عنها هذه الاجتهادات في ما مهّد للاستعمار من فترات فأثمر ما أسماه مالك بن نبي رحمه الله “القابلية للاستعمار”.
يقول المؤرخ المنصف (Marshal Hodgson) في كتابه القيم: “التفكير المستأنف في تاريخ العالم”: “إلى حدود القرن السابع عشر من حقبتنا التاريخية هذه، كانت المجتمعات المرتبطة بالديانة الإسلامية أغنى المجتمعات في الشق الأفرو (أورو) آسيوي من العالم، وكانت الأكثر تأثيرا على المجتمعات الأخرى، وقد كان ذلك في جزء منه بسبب موقعها الجغرافي المركزي، ولكن كان ذلك أيضا بسبب أنه كانت تظهر فيها وبفعالية ضغوط ثقافية مدنية لا تقليدية نزاعة نحو المساواة. لقد أضحت ثقافة العالم الإسلامي مقياسا للتقدم العالمي لشعوب كثيرة وهي تندمج في مجاله الاقتصادي والحضاري، كما منحت هذه الثقافة إطارا سياسيا مرنا للأعداد المتصاعدة من المتحضرين الأصلاء. لقد كانت المجتمعات الإسلامية تبرهن على إبداعية مستدامة وعلى نماء، رغم أن بعض الفترات كانت أكثر إبداعية من أخرى. إلى أن بلغنا العصر الحديث، حيث انقطع هذا التطور ليس بسبب انهيار داخلي، ولكن أساسا بسبب أحداث خارجية غير مسبوقة”(16).
ويقصد بهذه “الأحداث الخارجية غير المسبوقة” الطفرات العلمية التي انطلقت في الغرب، وهي طفرات قد فَرضت على العالم -آنذاك- إيقاعا جديدا لم يكن عنده بمألوف.. إيقاعٌ لم يواكبه الكسب السياسي والاجتماعي والعلمي الممكِّن من مجاراته ومن الفعل الحضاري ضمن شروطه.
وبيْن أيدينا نص نفيس معبر التقط فيه المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي المتوفى سنة 1240هـ/1825م ببراءة وأمانة، هذه اللحظةَ الحضارية بالذات، حين كلامه عن حملة نابليون في مصر، قال ضمن أحداث سنة 1213هـ: “أحدثوا على التل المعروف بتل العقارب بالناصرية أبنية وكرانك وأبراجا، ووضعوا فيها عُدّة من آلات الحرب، وأفردوا للمدبّرين (أي العلماء القائمين على التجارب) حارة الناصرية. وإذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريدون الفرجة لا يمنعونه الدخول إلى أعز أماكنهم، ويتلقونه بالبشاشة والضحك. ومن أغرب ما رأيته في ذلك المكان أن بعضهم قد أخذ زجاجة من الزجاجات الموضوع فيها بعض المياه المستخرجة، فصب منها شيئا في كأس، ثم صبّ عليها شيئا من زجاجة أخرى فَعَلا الماء وصعد دخان ملون، حتى انقطع وجفّ ما في الكأس، وصار حجرا أصفر، فأخذناه بأيدينا ونظرناه. ثم فعل ذلك بمياه أخرى فجمد حجرا أزرق، وبأخرى فجمد حجرا ياقوتيا. وأخذ مرة شيئا قليلا من غبار أبيض ووضعه على السندال، وضربه بالمطرقة بلطف، فخرج له صوت هائل كصوت القرابانة، انزعجنا منه فضحكوا منّا. وأداروا زجاجة فتولّد من حركتها شرر يطير بملاقاة أدنى شيء كثيف، ويظهر له صوت وطقطقة، وإذا لمس شخص ولو خيطا لطيفا متصلا بها، ولمس آخرُ الزجاجة الدائرة، أو ما قرب منها بيده الأخرى، ارتج بدنه وارتعد جسمه وطقطقت عظام أكتافه وسواعده في الحال برجّة سريعة. ومن لمس هذا اللامس أو شيئا من ثيابه متصلا به حصل له ذلك، ولو كانوا ألفا أو أكثر. ولهم فيه أحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا”(17).

“لا يسعها عقول أمثالنا” إنها عبارة قصيرة، ولكنها مشحونة بالدلالات، تعبّر عن شدّة الصدمة وعن التسليم النفسي الذي تلاها، وعند علية القوم. فعبد الرحمن الجبرتي في تلك اللحظة التاريخية كان من خاصة العلماء، بمعنى أن التوتر الحضاري قد فقد بسبب هذه الصدمة قبل أن يعقُبه التماسك في الأمة وفي علمائها، إلا ما استثني من بعض الأفراد الذين كانوا يعيشون غربة، وقد كانت هذه حالة عامة في المشرق والمغرب، وذلك بفقد العزم على فهم الظواهر المحيطة “وهذا ما لا تدركه عقول أمثالنا”، وإذا فقد هذا العزم على فهم الظواهر المحيطة فقد تم الوقوع في البكم الحضاري، وقد مرّ مَعَنا معنى البكم عند الكلام عن قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(النحل:76)، فهو العجز عن الفهم والتفهيم، والبكَم مقدمة الكلالة أي الثقل وفقدان الإرادة ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ﴾. والكلالة مقترنة بالبكم تؤدي لا محالة إلى العجز ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ فلا غرو أن لا يستفاد ضمن شروط نفسية كهذه من الثروات المعرفية التي تمتلكها الأمة في بلورة مناهج التفهم وتحقيقات المناطات وتنقيحاتها توصلا إلى مناهج الصياغة التنـزيلية لتناول هذه المستجدات وتبيّن ما يجب إزاءها من واجبات، وهذه الحالة الثانية هي المقصودة في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. غير أن هذه الصدمة الحضارية بفضل الله كانت صدمة أعقبها تماسك فنهوضٌ فغذٌّ للسير، وها هم أبناء الأمة وبناتها اليوم بعد قرنين ونيف (209 سنة) من هذه الظرفية التي اجتازتها الأمة وعبّر عنها ببراءة ووضوح وأمانة الشيخُ الجبرتي رحمه الله -وما قرنان ونيف في الزمن الحضاري؟!- وها هم منغمرون بدافع من الشعور بالواجب أشدّ ما يكون الانغمار في أحدث العلوم، داخل الأوطان وخارجها، لا يرددون عبارات الصدمة وإنما يرددون -بحمد الله- عبارات التنافسية البناءة، ولم يكن خلال هذه الرحلة كلّها كالشعور بالواجب زادٌ يحمل المكلفين على البذل والمثابرة.
فهذه جملة أسباب نرى أنها كانت خلال هذا الزمن الوجيز حضاريا وراء ما كان من ارتخاء حضاري وقلة في الفاعلية. وإننا لنرقب بارتياح كبير مؤشرات الوعي العام بها في الأمة، مما يبشر بغد أحسن عاقبة وأيسر مآلا. والله المستعان.
_______________
الهوامش
(1) الموافقات، للشاطبي، 2/31.
(2) إحياء علوم الدين، للغزالي، 4/32.
(3) الموافقات، للشاطبي، 4/194-195.
(4) الموافقات، للشاطبي، 2/225.
(5) مدارج السالكين، لابن القيم، 1/225.
(6) الموافقات، للشاطبي، 2/6-7.
(7) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص 10.
(8) الجواب الكافي، لابن القيم، ص 188.
(9) الغياثي، للجويني، ص 149.
(10) الغياثي، للجويني، ص 155-156.
(11) الأدب المفرد، للبخاري، ص 46.
(12) الغياثي، للجويني، ص 173-174.
(13) قواعد الإمام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام، ص 58.
(14) غياث الأمم في التياث الظلم، للجويني، ص 24.
(15) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 1/265.
(16) Marshal Hodgson, Rethinking World History, pp. 97.
(17) عجائب الآثار، لعبد الرحمن الجبرتي، حوادث سنة 1213هـ.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.