إن حصار الروح داخل قبضة الجسد يعني اختزال إمكاناتها وطاقاتها المعرفية والقيمية المتميزة والخلاقة، وفقا للتصور الكلاسيكي الوسيط، الذي يعتبر الروح (النفس الناطقة العاقلة)، أي مركز الوعي والإدراك، وبذلك ينحسر الوعي فاقدا فضاءاته البرحة عقليا وخياليا وحتى حسيا، لأن أسير ظلمة الغفلة لا يعي ذاته الإنسانية كمعنى وجودي كلي الحضور، أي: لا يتحقق معرفيا بكونه فضاء جامعا للحقائق الوجودية (الإلهية بالأصالة)، أو بوصفه مختصرًا وجيزًا أو إنسانا كليا جامعًا فيما ارتأى (إخوان الصفا)، وتابعهم بصورة ما (التوحيدي)، ثم الصوفية من المتأخرين (كابن عربي) ومن تلاه.

بالطبع، إذا كان الوعي يختزل حضوره الذاتي في الفضاء المادي، فإنه لا يبتذل ذاته فحسب، بل يبتذل كل الكائنات من حوله، ومجموع العلاقات التي تربطه بها، وهنا الوعي يتمثل ذاته داخل فضاء الضرورة المقيدة ولا يستثني من هذا علاقته بالمطلق.

وهذا يعني، حصر الوعي داخل حدود الاستخدام أو في ظل علاقات عارضة متغيرة وزائلة، تنتهك حضور الذات كما تختزل حضور الأشياء والأخرين اختزالا مؤذيا، ومن ثم ففضاء الغفلة هو فضاء للاستنفاذ العدمي النفعي، حيث تنتفي إمكانات الجدل الحيوي الخلاق معرفيا وقيميا بين الذات وذاتها، ما يقود إلى امتلاء الذات بالفخاخ التي ترصد المرء فتخدعه وتغيب وعيه غيابا تاما عن إدراك الحقيقة في مختلف تجلياتها، وهو نمط من أنماط إعادة إنتاج القمع والاذلال، لذلك، الوعي المنتهك حضوره دوما تستبيحه الذات، نافية له ومدمرة لهيمنته، إذ تسعى لاقتناصه كفريسة سهلة وتضلله، وتهيمن عليه فلا تمنحه حقيقتها أو تتكشف له، بل تخايله دافعة به الى أعماق الغفلة والجهالة.

ولعل التوحيدي حين وصف الغافل بالمغيب المصروع، أراد إبراز مدى ما أصاب الذات من تدهور وانهيار، فغدت وجودا عدميا مبتذلا، فاقد الإرادة والعقل والمسؤولية، ومن ثم الحرية والكرامة، ويطلق التوحيدي على هذه الحالة تعبيرا كاشفا هو: فسولة النفس.

هذا الوعي الغافل واليائس ينطوي على نوع من أنواع القلق السلبي، قلق القدر والذي هو مركب من الضرورة والصدفة، وهو يعني سيطرة قوى عمياء بلا قانون أو نظام أو غاية، تلقي بالذات في حمأة العالم وبهرجته، لتفقد هويتها وتفر من مواجهة مصيرها، إنها حالة السقوط في اللامبالاة وأوهام الأمان في أحضان اليومي وتفاصيله المشتتة. وتستسلم هذه الذات اليائسة والقلقلة للاندراج داخل حدود القطيع، وتغدو رقمًا لا شخصية متفردة ومتميزة، وتخضع تماما لمعايير القطيع وقيمه دون مناقشة، ولعل معايشة هذا الإيقاع المتغير لعلاقات هذا الفضاء اللاإنساني هو ما يمنح الذات أمانها الزائف، إذ تواجه الياس والقلق القارين في داخلها دون أن تعيهما، أو مواجهة التهديد بالتهديد دون وعي مأساوي للمسألة، حيث إنه وعي عبثي لا يعي قدر عبثيته، والتوحيدي يعبر عن هذا بقوله: وحين يبلغ العجز أخره… ويسترق اليأس ظاهره وباطنه، أي لا رأي لمكذوب؟ إرادة مشوبة… وعلاقات متهمة… وطمأنينة زائفة.

فضاء الغفلة وسقوط الذات

إذا كان فضاء الغفلة هو فضاء التشيؤ والابتذال والياس والقلق اللاواعيين ، فإنه كذلك فضاء الوحشة المطلقة والاغتراب الحاد، حيث الهلاك والغرق في مساحات عدم التواصل وسوء الفهم المتبادلة بين الذات وذاتها، فحين تغيب الذات عن معناها الإنساني فأنها تغترب عن حقيقتها الوجودية الأصلية، وعن مراياها العاكسة والكاشفة للحقائق الكونية والإلهية بوصفها فضاء جامعا لهذه الحقائق، حيث تسقط الذات في الرؤية الجزئية المنغلقة، فتتشظى مراياها المعرفية ولا تستطيع التقاط ذلك المعنى الكلي المتجلي في الجزئيات الكونية، وهكذا تغترب الذات عن ذاتها، لأنها لا تمتلك الوعي القادر على التقاط حقيقتها الذاتية والكلية الكامنة، وبلغة الصوفية: تعجز الذات حين تسقط في الغفلة عن قراءة الموجودات من حيث هي مجال للحقائق الإلهية الخلقية، بمعنى رموز واشارات لا بد ان تخضع للتأويل، او كما يقول التوحيدي: رمز وراءه رمز، واشارة فوقها إشارة.

في هذا السياق، يلتهم العجز المعرفي والسقوط اللاواعي في عمق المحدود والجزئي إمكانات الذات المعرفية، وتنحصر علاقاتها بالحقائق الإلهية والكونية في إطار حدود الضرورة التشريعية بالمعنى السلبي لها: كعبد السوء، الذي يرجو مباهج الربوبية ونعيمها، ولكنه يضيق بأوامرها ونواهيها، ويتحايل عليها مساوما بالعبادة الزائفة، مقايضا على الاخرة، مقايضة عبيد الدرهم والدينار، كما يطلق عليهم ابن عربي.

ينطوي فضاء الغفلة على مفارقة أساسية تكمن في كونه فضاء للانتهاك، وهو دعوة لممارسة الحرية والانفلات والتمرد خارج إطار وحدود المعايير والقيم السائدة، ومن خلال وضعيتها اللاواعية والعبثية الى حد كبير، تمارس لذة الانتهاك كلذة وهمية زائفة تحول صاحبها لأضحوكة ومثارا للتهكم والسخرية ما تجعله مصدرا للتهديد الفعلي للأخر وقيمه ومعاييره المستقرة والثابتة.

يحكي لنا (اخوان الصفا) في رسالتهم ما يلي: ذكروا أنه كان رجلا من أرباب النعم متدينا، وكان له ابن متجاهر بالسكر، وكان الرجل كارهًا لذلك فيه، فقال له يوما، يا بني: انته عن السكر حتى اعطيك شطرا من مالي وعقاري، وافرد لك دارًا وأزوجك بحسناء من إحدى بنات أرباب النعم.

قال ابنه: يا أبت، وماذا يكون؟

قال الأب: تعيش فرحًا مسرورًا ملتذًا ما بقيت.

قال ابنه: إن كان الغرض هو هذا، فهو حاصل لي.

قال الأب: كيف ذلك؟

قال ابنه: لأني إذا سكرت، وجدت نفسي من الفرح واللذة والسرور، حتى أظن معه، إن ملك كسرى كله لي، وأتخيل في نفسي من العظمة والجلال حتى أرى العصفور مثلا قدر البعير.

قال الأب: ولكن إن صحوت لا ترى ذلك حقيقة.

قال ابنه: أعود فأشرب ثانية، حتى أسكر، فأرى مثل ذلك.

وهكذا تمارس الذات سقوطها وغيابها بلا توقف، مندفعة اندفاعا عبثيا نحو الهاوية المظلمة، وتحيا غفلتها متلذذة بالوهم الذي هيمن عليها، فأصبحت أسيرة في قبضته يستلبها كيفما يشاء.

إن مخلوقات الوهم المنفلت خارج إطار القوانين الواقعية والعقلية هي إمكانية مفتوحة للانهائي الحضور ولا قيود تحدها، إنها رهن إرادتنا الجموح وشططنا المستحيل، حيث تتحقق كل أحلامنا بيسر شديد داخل هذا العالم السحري اللذيذ. ان لذة الوهم هي لذة امنة وفضاءاتها مليئة بالوعود الجميلة غير المكلفة، لكن الاستغراق فيها الى درجة الاستغناء بها عن اللذة الواقعية، انما يدل على تعبير نزعة عبثية يائسة وان كانت لا تعي يأسها واحباطها.

إن فتح باب الممكنات الذاتية دون إرادة فاعلة وواقعية لتحقيق هذه الممكنات، هو نفي لحضور الذات وإعلان لعدمها، وبل يمكننا القول: إنه نفي وسلب لحضور موضوع الرغبة، اذ يدمج الموضوع في الوعي ويفقد حضوره وشرطه الخاص ككيان مستقل مفارقٍ ومغوٍ وواعدٍ ولكنه مهددٍ في آن واحد.

لذلك، لا بد لنا أن نميز بين أوهام القطيع اليائس وسيطرة الوهم المضلل الزائف من ناحية، وبين الحلم الواعد للخيال المتمرد والخلاق والكامن في عمق تجربة الانتهاك، بوصفها تجربة تمرد إيجابي ابداعي الطابع من ناحية أخرى.