“أيها الناس! أتريدون تحويل عمركم القصير الفاني إلى عمر باق طويل مديد، بل مثمر بالمغانم والمنافع؟ فما دام الجواب أن نعم، وهو مقتضى الإنسانية، فاصرفوا إذن عمركم في سبيل الباقي، لأن أيما شيء يتوجه إلى الباقي ينال تجليّا من تجلياته الباقية”.
(بديع الزمان سعيد النورسي)

“كن مثل الشيخ فريد الدين العطار في معرفته، وجلال الدين الرومي في حكمته، أو أبي حامد الغزالي في علمه وذكائه، وكن مع من شئت في العلم والحكمة، ولكنك لا ترجعُ بطائل حتى تكون لك أنّة في السحر”. (محمد إقبال)

في الندوة التي احتضنتها جامعة وجدة في المغرب عن “حوار الشرق والغرب في رسائل النور”(1) أشرت إلى العلاقة بين محمد إقبال وبديع الزمان سعيد النورسي. فالتقط الأستاذ إحسان قاسم هذه الإشارة العابرة ببصره الحصيف، ورغّب إليّ إعداد بحث مفصل في الموضوع.

“كن مثل الشيخ فريد الدين العطار في معرفته، وجلال الدين الرومي في حكمته، أو أبي حامد الغزالي في علمه وذكائه، وكن مع من شئت في العلم والحكمة، ولكنك لا ترجعُ بطائل حتى تكون لك أنّة في السحر”.

بداية الرحلة.. بين الحب والإشفاق

وقد سعدت بهذه الرغبة وأشفقت منها في الوقت ذاته، سعدت بها لأنها تمنحني فرصة أخرى لمصاحبة علَمين شامخين أحببتهما منذ سنوات الطلب الأولى واعتبرت نفسي مَدينا لهما في ميدان الفكر والأدب، وأشفقت منها لأن كل واحد من الرجلين بحر عميق يحتاج الغَوص إلى أغواره لالتقاط ما يكتنـزه من درر إلى سبّاح ماهر، وما أزعم لنفسي ذلك، فكيف إذا تعلّق الأمر بتناول الرجلين معا في أدبهما وفكرهما لاستخلاص ما يمكن أن يظهر عندهما من مظاهر الائتلاف والاختلاف؟ إنه لأمر جلل حقا.
ولكن الرغبة في مصاحبة الرجلين والاغتراف من بحرَيهما غلبت الإشفاق، على قلة الزاد وكثرة الأعباء، فاستعنت بالله تعالى وأقبلت على موضوعي طامعا في ملامسة بعض أطرافه، إذ الإحاطة به أمر قد تنقطع دونه الأعناق، وتضعف الهمم. وشجّعني على ذلك شغفي بالرجلين من قديم وحبي لهما. فأما بديع الزمان فقد عرفته من خلال بعض الرسائل الصغيرة التي وقعت إليّ في ذلك الزمان المبكر، زمن الطلب الأول، مثل “رسالة الإخلاص” و”الخطبة الشامية”، وكلِفت به، واعتبرته شيخا مربيا، قبل أن يقدّر الله تعالى لي أن أظفر بذلك الكنـز العظيم المتمثل في “كليات رسائل النور”.
أما محمد إقبال فقد جمعني به أكثر من سبب، وقد عرفته شاعرا ومفكرا، ولو من خلال ما ترجم له من فكره وأدبه إلى العربية. ولقد عهدتني قبل أن أعرف محمد إقبال معجبا بآداب الهند وفنونها. ولكنني حين اكتشفت إقبالا، عرفت فيه الشاعر المسلم العظيم المنطلق من شبه القارة الهندية ليحلق في كل قطر من أقطار العالم، وشعرت بفخر عظيم أن يكون من شعراء الإسلام شاعر بحجم إقبال. ولعلّه وطد في نفسي الاعتزاز بالانتماء إلى دوحة الأدب الإسلامي السامقة، فأضيف إلى الشعور بالإعجاب عاطفة الحب. فلقد أحببت هذا الشاعر المفكر الذي سخّر ما منحه الله تعالى من مواهب للدفاع عن الإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية، وفي غيرها من أقطار الأرض، والدفاع عن الإنسانية كلها من خلال الإسلام. وقد أحسسته قريبا إلى نفسي واعتبرته صديقا ورفيقا، وإن كان على الحقيقة أستاذا وموجها.

النورسي وإقبال… رجلا القرآن

وما أرى الحب الذي شدني إلى بديع الزمان النورسي ومحمد إقبال إلا لصفات مشتركة جمعت بين الرجلين، ولئن كان ذلك عندي شعورا غامضا أول الأمر أحسّه ولا أكاد أدرك أسبابه، فلقد تبيّن لي بالتأمل والتتبع أن مظاهر الائتلاف بين الرجلين متعددة، وأن الاختلاف القائم بينهما -إذ لا بد أن تظل لكل واحد منهما شخصيته المتميزة- إنما هو اختلاف توادّ لا اختلاف تضاد.
ولعل أكبر مظاهر الائتلاف بين الرجلين أننا لا نعْدو الحق قيد أنملة إن نحن أطلقنا على كل واحد منهما “الرجل القرآني”. فعلى الرغم من سعة علم الرجلين وتبحرهما في علوم الشرق والغرب، إلا أن مدار الأمر كله عندهما هو القرآن الكريم أوّلا وآخرا، وما سوى ذلك إنما كان تفريعا يدور حول القرآن الكريم.

محمد إقبال.. الشاعر المفكر

أما أجلى مظاهر الاختلاف بين الرجلين فمردّه إلى ترتيب أولوية الموهبة عند كل واحد منهما. فمحمد إقبال شاعر أولا، فالشعر هو الغالب عليه، ولكنه رجل مفكر في شعره، فليس شعره بذلك الشعر الذي يعنى ببراعة التصوير ودقّة التعبير، بمعزل عما يحمل ذلك الشعر من فكر صحيح وعقل راجح وقلب متّقد، ولعل هذا سر انتشار شعر إقبال عالميا. فالشعر حين يترجم يفقد عادة كثيرا من خصائصه. وقد أشار شيخ نقادنا القدامى “الجاحظ” إلى أن الشعر لا يترجم، لأنه إذا ترجم فقد ذلك المعجز الذي هو الوزن. ولكن شعر محمد إقبال لا يكتسب جماله من كونه كلاما موزونا مقفّى فحسب، بل هو يكتسبه من ذلك القبس الرباني الذي يسري فيه، والعمق الإيماني الذي يتلبّسه، والفكر المستنير الذي يسوقه، وقد ألبسه ثوبا قشيبا من الخيال اللمّاح. فلذلك كله نقرأ شعر إقبال وقد ترجم من لغته الفارسية أو الأوردية إلى العربية مثلا، فيهزّنا من الأعماق ونستجيب له كما لا نستجيب لكثير من الشعر العربي السيّار في منابرنا الثقافية اليوم، ونحن نقرؤه في لغته، لأنه كلام بارد غثّ فقد حرارة الإيمان وتوهج العاطفة.
لقد خلّف إقبال في مجال النثر والدراسة عددا من المحاضرات والدروس، من أشهرها محاضراته التي جُمعت في كتاب عنوانه “تجديد الفكر الديني في الإسلام”، ولكن فكر إقبال الأصيل المتفرد إنما يتجلى في شعره أولا. ولعل بعض المآخذ التي أخذت عليه كثيرا إنما كانت في تلك الدراسات النثرية، لا في شعره. فأنتَ لا تجد في شعره إلا ذلك التدفق الإيماني المبشر بالإسلام والداعي في عمق إلى يقَظة المسلمين.

بديع الزمان.. المفكر الشاعر

وإذا كان محمد إقبال شاعرا أولا، كما قررنا آنفا، فإن بديع الزمان النورسي مفكر أولا، ولئن كان يقرر في أكثر من موضع من الرسائل أنه حُرم نعمة النظم، إلا أنه رُزق روحا شعرية وأسلوبا شعريا بديعا يجعل كلامه من حاقّ الشعر. وذلك الأسلوب الشعري بما اشتمل عليه من نداوة وطلاوة، وما تضمنه من تخييل وتمثيل وضرب للأمثال صار ميسما لرسائل النور، وهو مما يهبها التفرد في التعبير مثلما وهبت التفرد في التفكير. ويقوم “المثنوي العربي النوري” مثلا ناطقا على هذا. فإقبال إذن شاعر مفكر، وبديع الزمان مفكر شاعر، ثم تأتي بعد ذلك مظاهر الائتلاف بين الرجلين تترى.

رجل القدر في حياة أمة

عاش كل من محمد إقبال والنورسي في فترة عصيبة من حياة الأمة الإسلامية، هي فترة العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين. فقد ولد الرجلان في فترة واحدة تقريبا؛ ولد محمد إقبال عام 1877م، وولد بديع الزمان النورسي عام 1876. وشهد الرجلان وهما في فترات التكوين الأولى ما تتعرض له أمتهما من هوان على يد الاستعمار الغربي من جهة، وبعض الحكام الفاسدين من جهة أخرى. فكان الاستعمار الغربي يأتيها ينقصها من أطرافها، ويسعى إلى الإجهاز عليها حضاريا، وكانت الخلافة العثمانية على ضعفها تمثّل رمزا تتوحد تحت ظلاله أمة الإسلام، فتجد لها الدول الغربية هيبة لذلك. فلم يبق إلا أن تتآمر من أجل الإجهاز على هذا الكيان الذي بقي يمثل الخيط الرابط بين أجزاء هذه الأمة المترامية الأطراف.
وكانت تركيا، أقرب الأجزاء إلى الغرب وأكثرها تعرضا للاحتكاك به كل حين، فلا غرو أن تكون أكثر الأقطار الإسلامية بلاء. وكانت الهند -على النقيض من ذلك- أبعد تلك الأطراف، إن لم تكن أبعدها على الإطلاق، ولكنها كانت في الوقت ذاته جوهرة التاج البريطاني. ولم يكن من اليسير أبدا التفريط فيها، لأن في ذلك انفراطا لعِقد الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس. وعندما دخلت بريطانيا الهند كان للمسلمين فيها شأن عظيم، وكانت الإمارات الشمالية خاصة تحت إمرة المسلمين. ولكن الضعف الناتج عن الانصراف إلى ملذات الحياة الدنيا كان قد أخذ من ذلك الكيان مأخذه.

حياة النورسي… ملحمة إنسانية

في هذا الظرف بالذات كان كل من بديع الزمان النورسي ومحمد إقبال رجل القدر في حياة أمة. لقد كانت حياة الأستاذ بديع الزمان حافلة بالأحداث الجسام، وهي تمثل ملحمة إنسانية حقا. ولا يملك قارئ سيرته الخصبة إلا أن يسلّم أن الأستاذ كان فعلا رجل القدر في حياة أمة. وقد جعل همه الأول إنقاذ الإيمان، ولم يكن ذلك أمرا هيّنا؛ فالإيمان مناط الأمر كله، ولذلك كان متوقعا ألا يكون طريق الأستاذ لاحبا لينا، ولا أن يكون جهاده هينا. كما كان متوقعا أن يجد مقاومة عنيفة وشرسة من خصوم الأمة ومن أعدائها الداخليين والخارجيين، بالرغم من أن منهج الأستاذ كان يقوم على اللين والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
وما المحاكمات المتوالية التي تعرض لها الأستاذ والسجون التي ذاق نكالها، غير دليل ساطع على ذلك الجهاد الكبير الذي قام به. والرفق الذي اتبعه الأستاذ بديع الزمان في جهاده لم يكن يقوم على السلبية تحت شعار “اللاعنف” كما فعل غاندي في الهند مثلا، بل كان يقوم على الجهاد. وللجهاد صور شتّى، ولم يكن الجهاد العسكري نفسه خارج دائرتها، وقد حمل الأستاذ السلاح وقاتل بنفسه أعداء الأمة، ولكل مرحلة صورتها من صور الجهاد. فخلال الحرب العالمية الأولى، والجيوش الروسية تحاول الاندفاع نحو الأناضول كان سعيد النورسي يقاتل هو وطلابه الجيش الروسي بكل ما أوتوا من جهد. وفي هذه المعارك وفي خنادق القتال ألّف تفسيره القيم “إشارات الإعجاز في مظان المجاز” باللغة العربية. وهكذا كان النورسي فارس السيف والقلم.

محمد إقبال.. المؤرَّق بهموم الأمة

وهنا أيضا يلتقي العلامة محمد إقبال مع الأستاذ بديع الزمان النورسي، فقد كان إقبال مناهضا للاستعمار الغربي بجميع مظاهره وأشكاله، وكان في الوقت نفسه شديدا على أمراء الولايات الإسلامية الذين ألْهتْهم الحياة الدنيا عن الجهاد والدفاع عن المستضعفين. وبمناسبة مستقبل المسلمين في الهند قال: “أشرتُ على بعض أمراء المسلمين أصحاب الولايات بالعناية بنشر الإسلام في غير المسلمين، ونشر الثقافة والآداب الإسلامية في المسلمين، وإحياء اللغة العربية وأدبها في هذه البلاد، والانتفاع بثروتهم بتأسيس بنك عالمي، وإنشاء صحيفة إنجليزية عالمية تدافع عن قضايا المسلمين، حتى يحسب لهم حساب ويرهب جانبهم، وتكون لهم مكانة عالمية تخشى وترجى، وإن في ذلك صيانة لدولتهم وضمانا لكيانهم. ولكن الأمراء المسلمين لم يعرفوا أهمية هذه المسألة، ودقة موقفهم والأخطار التي تحدق بهم”. وكان يشكو قصر نظرهم، وضعف تفكيرهم، واشتغالهم بنفسهم.

“أيها الناس! أتريدون تحويل عمركم القصير الفاني إلى عمر باق طويل مديد، بل مثمر بالمغانم والمنافع؟ فما دام الجواب أن نعم، وهو مقتضى الإنسانية، فاصرفوا إذن عمركم في سبيل الباقي، لأن أيما شيء يتوجه إلى الباقي ينال تجليّا من تجلياته الباقية”.

التبحر في علوم الشرق والغرب

يرى قارئ سيرة محمد إقبال وبديع الزمان النورسي مشابه واضحة بين الرجلين. فقد نهل كل منهما من الثقافتين الشرقية والغربية وتضلع فيها تضلعا جعله مؤهلا للرسالة الشامخة التي أنيطت به. فلقد درس إقبال في مدرسة إنجليزية في بلده، ثم التحق بالكلية في ذلك البلد، وهناك درس العربية والفارسية. وحين انضم إلى كلية الحكومة في لاهور، عاصمة البنجاب، حضّر شهادة في الفلسفة، وبرز في العربية والإنجليزية، ونال وسامين، وأخذ شهادة (B.A) بامتياز، ثم نال شهادة (M.A) في الفلسفة أيضا. ومنذ عام 1905م بدأت رحلة إقبال في عالم الغرب للنهل من ثقافته. وقد بدأ هذه الرحلة بالالتحاق بجامعة “كامبرج” في لندن حيث بقي هناك ثلاث سنوات، قبل أن يلتحق بجامعة ميونيخ بألمانيا لينال من هناك الدكتوراه في الفلسفة، ويعود إلى لندن مرة أخرى، ليرجع إلى الهند وقد نال من علوم الغرب، في دياره، ما مكّنه من معرفة أسرار الحضارة الغربية، حتى إذا قام لانتقادها قام بذلك على بصيرة. وقد قام أثناء إقامته في بريطانيا بتدريس الآداب باللغة العربية في جامعة لندن، مدة غياب أستاذه توماس أرنولد.
أما بديع الزمان النورسي فقد تبحّر هو كذلك في الثقافة الغربية، فاطّلع على فلسفتها ومذاهبها الفكرية، وبرزت مواهبه في تفنيد المذاهب الفكرية والفلسفية المنحرفة. ومما يذكر هنا أن كلا الرجلين أدرك تلك المكانة الرفيعة في وقت مبكر من السن. وقد آنس بديع الزمان ذلك من نفسه، إذ لما رحل إلى إسطنبول عام 1896م، وهو دون العشرين من العمر، علق لوحة على بابه كتب فيها: “هنا تحل كل معضلة ويجاب عن كل سؤال من دون توجيه سؤال لأحد”.

التشبع بحب العربية

كان كل من بديع الزمان النورسي ومحمد إقبال رجلا أعجميا غير عربي، ولكن لما كان كل واحد منهما يجعل القرآن الكريم زاده، ومبتداه ومنتهاه، لا يصدر إلا عنه، ولا يستظل إلا بظله، تشرّبا حب العربية ودافعا عنها ورأَياها من تمام الدين.
فأما بديع الزمان فكان إتقانه للعربية عظيما، وحبه لها كثيرا، وقد بدأ التأليف بها قبل أن يؤلف بالتركية، إذ كان أول ما نشر له بالعربية كتابه القيـم: “إشارات الإعجاز”، ثم في سنة 1921 “قزل إيجاز في المنطق”. وفي أنقرة ألف “ذيل الذيل” و”الحباب” وأجزاء أخرى من “المثنوي العربي النـوري”.
أما محمد إقبال فقد كتب دواوينه الأولى بالأوردية أولا، ثم كتب بعد ذلك سائر دواوينه بالفارسية، لأنها في رأيه أكثر انتشارا. أما العربية فلم يؤثر عنه أنه كتب بها، إلا أنه كان لها محبّا، وفي علومها متبحرا، وإلى تعليمها وتلقينها كافة المسلمين داعيا، إذ لا سبيل إلى النهوض الحضاري إلا بالقرآن الكريم وتدبّره، ولن يكون ذلك أبدا إلا عن طريق العربية.

مدرسة القلب والوجدان

وقد تتبع أبو الحسن الندوي رحمه الله العوامل التي كونت شخصية محمد إقبال، فذكر أنه تخرج من مدرستين: المدرسة الأولى هي مدرسة الثقافة العصرية والدراسات الغربية، وهي مدرسة -على أهميتها- أمرها هين. وأما المدرسة الثانية التي كان لها أعظم الأثر في شخصيته فهي مدرسة متميزة، لأنها مدرسة داخلية تولد مع الإنسان، ويحملها الإنسان معه في كل مكان، وهي مدرسة القلب والوجدان، وهي مدرسة تشرف عليها المدرسة الإلهية وتمدها القوة الروحية. أما العوامل الخمسة التي نبعت من هذه المدرسة المتفردة وكونت شخصية إقبال فهي:
1-الإيمان، 2-القرآن الكريم، 3- معرفة النفس، 4- الاتصال بالله تعالى، ومناجاة ربه ساعة السحر حيث يقول في قصيدة: “اللهم ارزق الشباب أنّتي في السحر”، 5- المثنوي الفارسي الذي نظمه جلال الدين الرومي في ثورة وجدانية ونفسية جديدة ضد الموجة الإغريقية العصرية التي اجتاحت العالم الإسلامي في عصره.
ولما تدبّرت هذه العوامل جميعا، وعرضتها على سيرة بديع الزمان النورسي وجدتها تستجيب لها أيّما استجابة، ووجدت سببا آخر من أسباب ائتلاف الرجلين، حتى لكأن أبا الحسن الندوي كان يتحدث عن النورسي لا عن إقبال.
فأما الإيمان فيكفي أن الأستاذ بديع الزمان وقف رسالته على شيء واحد هو إنقاذ الإيمان، وقد ضحى في سبيل ذلك بكل غال ونفيس. أليس هو القائل في هذا الصدد: “نعم، إن أجلّ مسألة في هذا الكون وأعظم سر خلق العالم هو سر الإيمان. فليس في الوجود مسألة أعظم منه كي يسخر في سبيلها ويستخدم لأجلها؟”.
وأما معرفة النفس، فقد جعلها النورسي طريقا لا بد منه لسلوك الطريق القويم. وأما القرآن الكريم فيكفي أن أعظم ما كان يحب النورسي أن يوصف به هو أنه خادم القرآن الكريم، وهو القائل: “لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها”.
وأما جلال الدين الرومي وديوانه “المثنوي” فحسبنا أن نعلم أن إعجاب النورسي به بلغ حد وضع كتاب على منواله هو “المثنوي العربي النوري”. وهذا أمر يدعو إلى الدهشة، إذ كيف حدث أن يكون جلال الدين الرومي وكتابه المثنوي أقرب الكتب إلى روح الرجلين على كثرة العلماء والأدباء والعارفين الذين تم الاستشهاد بهم؟!
_______________
الهوامش
(1) عقدت الندوة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة وجدة بالمغرب في شهر أبريل سنة 2000.

About The Author

كاتب وأديب، ورئيس تحرير مجلة “المشكاة”. المملكة المغربية

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.