التربية هي تلك العملية البنائية التي تنشئ الطفل عقائدياً وعمليا شيئًا فشيئًا إلى حد الكمال الإنساني، وهي واجب ديني على كل راع في رعيته – الآباء على الأبناء – حيث أمرنا الله عزو جل أن نقي أنفسنا وأهلنا، وهذا لا يتأتى إلى بالتربية المبكرة على مبادئ الدين عقيدة وعبادة ومعاملة وخلقا، قال الله تعالى:    ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾. وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-“قوا أهليكم نارا: علموهم وأدبوهم“، وقال الحسن:  يأمرهم وينهاهم فيعلمهم الحلال والحرام ويجنبهم المعاصي والآثام الى غير ذلك من الأحكام، وقال السمرقندي: قوا أهليكم نارا أي بتعليمهم ما ينجيهم منها، وقال البيضاوي:قوا أهليكم نارا بالنصح والتأديب“.

وإذا كان الأمر الاعتناء بالتربية قد بلغ ما بلغ من الأهمية، حيث انكب الناس كل ما له علاقة بالتربية وما جرى مجرها، في حين قد أغفلوا الوقت المناسب لبداية عملية التربية البنائية المتكاملة… فيأتي السؤال المطروح متى تبدأ التربية على الفرد على الإصلاح ؟

التربية الأولية المتمثلة في صلاح الآباء

كل منا يتمنى أن يكون أولاده صالحين ناجحين مميزين في حياتهم الدينية والدنيوية، ولما للآباء من دور هام وعظيم في تنشئة الأجيال والاهتمام المبكر بهذا الأمر وأثره العميق في نفوسهم الناشئة، كان لابد من تبصيرهم بروح رسالتهم التي ينبغي أن يسيروا عليها ويعلموها أولادهم، لأن الولد يتبع الوالد في حركاته وسكناته، فصلاح الأبناء مرتبط بصلاح الآباء.

وكما قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ إنها قاعدة ربانية عظيمة، فمن أراد أن ينجي نفسه وينقذ أبناءه من بعده من الزيغ والضلال عليه بتقوى الله ومخافته، فصلاح الأبناء وحسن تربيتهم ليس وليد تميز في التلقين والتعليم فقط أو تميز في اختيار المدارس والمحاضن التربوية المناسبة، أو بذل للجهد والمال فقط.. وإنما هناك أسباب عبادية عظيمة يقوم بها الأب نفسه، من أهمها إكثار الدعاء والخوف من الله ومراقبته سبحانه وتعالى و العمل الصالح الخفي أو بر والدين أو قيام الليل أو صدقة جارية.

وكذلك من أجمل مَن استشعر هذا المعنى سعيد بن المُسَيب فقال: “إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي” يريد بذلك أن يصل إلى مرتبة الصالحين ، فينال بصلاحه صلاح أبنائه من بعده. ويُذكر أن الإمام العابد “سهل التستري” كان يتعهد ولده وهو في صُلبه، فيباشر إلى العمل الصالح رجاء أن يرزقه الله الولد الصالح..

ويعد اختيار الزوجة الصالحة واختيار الزوج الصالح من الأعظم الأسباب الكفيلة بصلاح الأبناء دون شقاء أو عناء، فمن المعلوم أن اختيار الأم الصالحة من حقوق الأبناء على الآباء! قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: “تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم رواه ابن ماجه، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: “اختاروا لنطفكم المواضع الصالحة رواه الدارقطني

وهذا التوجيه النبوي الحكيم لم يأتي سدا، بل هوا راجع لما للأم من مكانة عظيمة سواءً في الاعتبارات الدينيّة بالدرجة الأولى ثم الاعتبارات الاجتماعية والعرفية، فقد جعل الله برّها ووصلها بالحسنى فوق جميع الروابط الإنسانيّة فهي أساس المجتمع ونواته، وملكة البيت الأسري وصاحبة الدور الأعظم في بناء جيل ذا مستقبل زاهر وزاخر يحفظ دينه ويرضي ربه، فهي تستعد لإستقبال وليدها من لحظة علمها بوجوده بالحبّ وشغف، وتحسّ نحوه بروح المسؤولية الملقاة على عاتقها منذ خروجه إلى الحياة، فيبقى ملتصقاً بها فتمنحه الدفء والحنان، وتلقنه التربية المثلى النابعة من الكتاب والسنة الهادف إلى الصلاح والإصلاح، وقد قال سيدنا على -رضي الله عنه “إياكم وتزوج الحمقاء؛ فإن صحبتها بلاء و ولدها ضياع، وقال أبو الأسود الدؤلي لبنيه: قد أحسنت إليكم صغارا وكبارا وقبل أن تولدوا، قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: اخترت لكم الأم من لا تسبون بها

التربية الرحِيمٍية

ومما شاع وذاع أن الأم بمجرد علمها بأنها حامل، لا تركز سوى على الراحة والأكل الصحي متابعة صحة الجنين ونموه الجسماني…لكن ذلك لا يكفي، حيث يمكن للجنين سماع ما حوله من أصوات ويتفاعل معها حين يبلغ عمره ثلاثة وعشرين أسبوعًا، حيث يمكن للأباء استغلال هذه الفترة  بدوام الذكر والشكر وتسميع الجنين من تلاوة القرآن، قال تعالى في كتابة العزيز(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر:21) هذا في الجماد فما بالك بالإنسان ..

وإذا اعتادت الأم على قراءة القرآن بصوت عال في بيتها فإن الجنين يعتاد هذا الصوت ويميزه عن غيره، مما يجعله ينصت كلما سمعه بعد أن يولد، فيكون محبًا للقرآن وأهله ومقبلاً على سماعه دون أدنى تردد، فيولد مرتبط بالقرآن بعاطفته ووجدانه فيزيد هذا من إقباله على حفظه بعد ذلك، كما تجدر الاشارة إلى دور الأب في تحري الرزق الحلال فلا يدخل للجنين طعام حرام، وكذلك تنأ الأم بنفسها عن التوتر والقلق وكل ما يكون سببا في إعاقة هذه العملية البنائية، فقد ثبت أن الجنين يتأثر بما تتأثر به الأم.

 التربية في السنوات الأولى

يرى الامام الغزالى في كتاب ” أيها الولد” أن تكوين العادات الحسنة في الطفل منذ الصغر، بأن نعوده التبكير في النوم والتبكير في الاستيقاظ وتشجيعه على المشي والحركة الرياضية والبدنية، كما أشار في معرض كتابه إلى “معاونة الطفل على إرساء قواعد الأخلاق الحميدة في نفسه، وتنمية الصفات الحسنة كالصدق والإخلاص وإرضاء الله في السر والعلن والتواضع والرحمة، والآداب العامة كالاعتدال بالكلام، والجواب على قدر السؤال، ومراعاة آداب الطعام واللباس، وتجاهل أخطاء الطفل في أول مرة ومعاقبته سرا في المرة الثانية، والحفاظ على كرامة الطفل ومشاعره، وتنمية إدراكه الحسي والعاطفي والعقلي، وتقبيح محبة المال في نفسه.”

كما تجدر الاشارة في ختام هذا المقال، أن للقدوة الحسنة أهمية بالغة في الحياة عامة وفي أمر التربية خاصة، فهي توفِّر الكثير من الوقت والجهد على الوالدين في تربية أبنائهم ومحاولة غرس السلوكيات الجيدة فيهم، فعندما يختار الطفل القدوة الجيدة فإنه يقلِّدها في السكنات والحركات..

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.