أحيانًا نشعر بالحكة في ظهرنا ونطلب ممن بجانبنا أن يحك جلدنا، وقد نشعر براحة غريبة إذا عثرنا على موضع الحكة بالضبط. في بعض الأحيان نشعر فجأة بحكة شديدة في منطقة بجسدنا، وعندما ننظر إلى تلك المنطقة نرى طفحًا جلديًّا يشبه حبَّة الحمص. إنها البعوضة! لا نشعر بها أبدًا عندما تلدغنا لولا دويها الذي يقطع علينا نومنا في أحلى وقته. وبينما نهرش مكان التورم نبحث بأعيننا -في الوقت نفسه- عن هذه البعوضة، فنراها حاطَّة على الجدار تستريح وقد ملأت خزانها بالدم الذي امتصته منا. يا لها من حشرة ذات مذاق! أما الموضوع الذي سنقف عليه في هذه السطور، فهو محاولة الإجابة على السؤال الذي يشغل أذهان الكثير منا، وهو “لماذا نشعر بالحكة”؟

الحكة، إحساس غير مريح ينشأ عن تهيج خلايا الجلد والأغشية المخاطية، مما يجعل الحياة أحيانًا مزعجة لا تطاق.

في الواقع، الحكة مثل الألم، هي إحساس مُنحنا إيَّاه ليقدر الجسد على حماية نفسه. إنها الطريقة التي يتحدث بها جلدنا إلينا. الحيوانات أيضًا، حتى الأسماك تشعر بالرغبة في الحكة. ولكن ماذا يريد جسدنا عندما يخبرنا بهذا الشعور؟ يخبرنا جلدنا بلسان حاله عن طريق شعور الحكة، أن “هناك شيئًا ما يزعجني ويجب إبعاده عني”. بدون الإحساس بالحكة، لم نكن لنلاحظ العنكبوت يمشي على ذراعنا، ولن تزعجنا الطفيليات أو حتى الفطريات التي قد تستقر على بشرتنا ولن نسعى إلى حماية أنفسنا منها.

بينما يعيش على جلد مريض الجرب الطبيعي 15-20 طفيلاً من الجرب البالغ، وهو ما نسميه بالجرب النرويجي؛ يُلاحظ الآلاف من طفيليات الجرب تحت القشور السميكة، وعلى جلد المسنين والضعفاء ومن يعانون نقص المناعة، ممن لا يشعرون بالحكة أو لا يستطيعون حك أنفسهم بشكل كاف. ولعل هذه الأمور وحدها تكفي لمعرفة مدى أهمية الإحساس بالحكة، أليس كذلك؟

مع الحكة، تتسارع الدورة الدموية في تلك المنطقة، وتتأهب خلايا الدم والمواد القادمة إلى المنطقة والأنسجة، لمكافحة العدوى. ومع ذلك، هناك ملايين الأشخاص الذين يعانون من الحكة المزمنة. ما هو السبب المحتمل لذلك؟ لفهم هذا، علينا القيام برحلة تبدأ من جلدنا لتنتهي عند دماغنا.

طبقات الجلد ووظائفها

خُلق جلدنا من ثلاث طبقات: البشرة، الأدمة، تحت الجلد. أما طبقة الأدمة في المنتصف فتصنع نتوءات تشبه القفازات في البشرة. في الجزء العلوي من هذه النتوءات، توجد مستقبلات ميكانيكية ونهايات عصبية تمكن بشرتنا من اكتشاف تغيرات معينة، مثل الحرارة، البرودة، الحدَّة، الضغط، الاهتزاز، الألم، الحكة. تعمل هذه المستقبلات كنظام إنذار، وهي إحدى أعضائنا الحسية الخمسة والموجودة داخل جلدنا، والتي تشكل جدارًا فاصلاً بين العالم الخارجي وجسمنا.

كان يُعتقد في الماضي أن الألم والحكة يتم إدراكهما من خلال نفس المستقبلات العصبية، فتؤدي التنبيهات الخفيفة إلى شعور الحكة، والتنبيهات القوية إلى الإحساس بالألم، إلا أن هناك أمرًا يحتاج إلى توضيح؛ إنه عندما يتسبب الألم في رد فعل انعكاسي يتمثل في الانسحاب والابتعاد عن مصدر الألم، تتسبب الحكة في رد فعل يركز الاهتمام على حك تلك المنطقة عوضًا عن الابتعاد عنها.

توصلت الدراسات الحديثة إلى أن المستقبلات التي تدرك الإحساس بالحكة على الجلد، هي نهايات عصبية حرة تنتمي إلى ألياف “سي” (C) اللاميالينية ذات سرعة توصيل بطيئة، وتمتد على شكل فروع شجرة باتجاه الطبقة العليا من الجلد، كما أُثبت أن خلايا الجلد نفسها تعمل كمستقبل للحكة. عندما يواجه الجلد أي منبه مسبب للحكة؛ مثلاً عندما تلدغنا بعوضة، فإنها تطلق مواد مضادة للتخثر (تمنع تخثر الدم) على الجلد. ولأن هذه المادة غريبة بالنسبة لجسدنا، فإنها تقوم بتحفيز الخلايا الدفاعية في بشرتنا، والتي نسميها بالخلايا الصارية. تطلق هذه الخلايا الوسائط الكيميائية التي هي رسل الجهاز الدفاعي للجسم والتي تنتجها وتخزنها للحالات الضرورية. وتعتبر مادة الهيستامين أشهر هذه الوسائط التي تلعب الدور الأهم في الحكة. يرتبط الهيستامين بالمستقبلات الخاصة به في ألياف سي (C) اللاميالينية المسؤولة عن استشعار الحكة في الجلد. إذا تخيلنا الهيستامين كمفتاح، فإن القفل الذي يناسبه يكمن في العصب الذي يستشعر الإحساس بالحكة، وبالتالي يتم تحفيز عصب الحكة بواسطة الهيستامين. تدخل الأعصاب التي تتلقى هذا التحفيز إلى النخاع الشوكي على مستواها الخاص وتنتقل الرسالة إلى عصب آخر. في كل من عمليات النقل هذه، تتلقى المواد الوسيطة التي نسميها الناقلات العصبية، المهمة المنوطة بها. وأخيرًا، يتم بواسطة الدماغ، تقييم الرسالة المرسلة عبر هذه الأعصاب إلى الدماغ، ويُنظر إليها على أنها “حكة”. يحدد الدماغ إحداثيات منطقة الحكة ويأمر الجهاز العضلي المعني بحكها، في ذلك الوقت، تبدأ رحلة جديدة، تأخذ المعلومات من الدماغ إلى عضلات الذراع، ونتيجة لكل هذه العمليات الربانية تحدث حركة الخدش.

عند الشعور بنملة تمشي على وجهنا، نقوم تلقائيًّا بإبعادها عن جلدنا، لندرك حينها مدى سرعة عمل دماغنا، ونظام اتصاله الخارق بالأعضاء الأخرى. والغريب في الأمر أن الحكة شعور غير مريح، إلا أن حك الجلد يشعرنا بالراحة والاسترخاء. فما السبب يا ترى؟ في الواقع هناك عدة أسباب؛ فالحكة تشعرنا بألم منخفض الشدة في الجلد، كما يقع الألم والحكة كل منهما في موقع مضاد لبعضهما البعض على الجلد، فعند إعطاء الأولوية لنقل الإحساس بالألم، يُمنع انتقال الإحساس بالحكة. وهكذا يشعر دماغنا بالألم، واستجابة لذلك فإنه يفرز الهرمون الذي نسميه السيروتونين لإرخاء الجسم مرة أخرى. وعلى الرغم من أن هذا يشعرنا بالسعادة لفترة قصيرة، إلا أن وجود مستقبلات السيروتونين في الشبكة العصبية التي تنقل الحكة في النخاع الشوكي، يجعلها ترتبط أيضًا بالسيروتونين المنتج، وتنقل الإحساس بالحكة إلى الدماغ. لهذا تحدث حلقة مفرغة من الحكة وخدش الجلد التي تحبط المرضى. إذا واصلنا على حك نفس المنطقة من جلدنا، فتكون قد تسببنا في إنتاج وسطاء جدد، مما يؤدي إلى حساسية أعصاب الحكة، وللأسف اضطرابات الحكة المزمنة.

تحدث الحكة في الغالب نتيجة مرض جلدي، مثل الجرب، القمل، الأكزيما، الأمراض الفطرية، الحساسية للأدوية.. وأحيانًا نتيجة مرض جهازي، مثل الفشل الكلوي المزمن، وأمراض الكبد الصفراوية، ومشاكل الغدة الدرقية، وفقر الدم الناجم عن نقص الحديد، أمراض الدم، ونادرًا السرطانات. قد ينتقل شعور الحكة في الأمراض الجهازية عن طريق الوسطاء أو الناقلات العصبية في الجلد. ولا يمكن السيطرة على هذا النوع من الحكة بمضادات الهيستامين التي تسد مسار الهيستامين، والتي نستخدمها في مرحلة ما في حياتنا. ففي بعض الأحيان، يحدث شعور “الحكة الكاذبة” بسبب تلف الأعصاب الناجم عن مشاكل في الفقرات، أيْ يتم نقل الأخبار غير الحقيقية إلى عقولنا.. وفي مثل هذه الحكة، من الضروري منع الاتصال بالعصب. في بعض الأحيان لا يمكن العثور على سبب للحكة، إلى أن نواجه في النهاية هوس نفسي بشعور الحكة. تظهر الأبحاث أن مركز المكافأة في دماغنا، يتم تنشيطه في أثناء عملية الحك، لذا يشعر بعض المرضى بالمتعة أثناء حكهم.

(*) كاتبة وأكاديمية وباحثة تركية. الترجمة عن التركية: خالد جمال عبد الناصر زغلول.