اللغة -بلغة جدنا ابن جني- أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وهي مجموعة أصوات أو رموز أو إشارات يعبر بها الإنسان عن أفكاره ومشارعه وتجاربه، وهي أداة التواصل والتعامل والتفاهم بين الناس، واللغة خزانة العلم والحضارة والثقافة والتراث البشري، وهي تحتل في كل أمة مكانًا أساسيًّا، إذ أنها أقوى الروابط بين أفراد الأمة.

لغة الضاد -التي نحن بصددها- لغة عرفت بتراثها العريق وسحر كلماتها ومعانيها وعذوبة ألفاظها، وحفظت تراثا إنسانيا عظيما، لقد عاشت العربية أكثر من ألف وست مائة عام، وهي تؤدي دورها، واستطاعت أن تتمشى مع الحضارة وتلبي مطالبها، وهي قادرة على النهوض بالأمانة الإنسانية، وأما ارتباطها بالقرآن فهو أحد العناصر الرئيسة التي لعبت دورًا مهما في نشر الإسلام، وأكسبها هذا الارتباط نوعًا من القداسة التي يحملها القرآن في طيه، فلقد أصبح الحفاظ عليها حفاظا على كتاب الله عز وجل.

ولقد تمكنت العربية من أن تحتفظ بفصاحتها ورونقها وجمالها ووحدتها وكيانها على الرغم من اختلاطها بلغات أجنبية، وهي أكثر اللغات تحدثا ونطقا ضمن اللغات السامية، وهذه اللغة اعترض في سبيل تطورها العديد من المحن والأزمات والحروب، لكنها وقفت صامدة وشامخة رأسها على ممر العصور، ولعلنا نذكر أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدتها لغة عمل رسمية في الثامن عشر من ديسمبر 1973 لتكون إحدى اللغات الست التي تعمل بها هذه المنظمة الدولية، وهي الإنجليزية والفرنسية والصينية والروسية والعربية والإسبانية، ومن هنا تتبلور لنا عظمة هذه اللغة وشرفها وعلو مكانتها بين اللغات الكونية.

الشيء الجدير بالذكر هنا أن العديد من المفكرين الغربيين والمستشرقين شهدوا لهذه اللغة وأثنوا عليها وأقروا بعظمتها ومكانتها وكثرة ألفاظها وتعدد معانيها، وأبرزهم المفكر الفرنسي إرنست رينان، فقال: “اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة”. ويقول المستشرق الأمريكي كرنيليوس فانديك: “اللغة العربية تفوق سائر اللغات رونقا وغنى،  ويعجز اللسان عن وصف محاسنها”.

ويوضح المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون: “كيف يستطيع الإنسان أن يقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم وسحرها الفريد، فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة”. ويقول المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير: “العربية أكثر لغات الأرض امتيازا”. واتهمت اللغة العربية بالعجز وعدم الكفاءة وهي قادرة على مواكبة عصر التقنية والاستجابة للتطور الحضاري، وأقر واعترف بكفاءتها هذه المستشرق الألماني نولدكه، وهو يقول: “استطاعت العربية أن تبرز طاقة الساميين في معالجة التعبير عن أدق خلجات الفكر سواء كان ذلك في الاكتشافات العلمية والحسابية أو وصف المشاهدات أو خيالات النفس وأسرارها، واللغة العربية هي التي أدخلت في الغرب طريقة التعبير العلمي، والعربية من أنقى اللغات”.

إن الذين فتنوا بلغة الضاد وسحروا بجمالها وقوتها وتغنوا بعشقهم لها وارتباطهم بها فهم كثيرون لا يحصيهم عد، وهنا نخص منهم بالذكر الشعراء العرب المحدثين، فهذا البحث يعالج الأشعار العربية الحديثة التي تحوي العربية وجمالها وسماتها وميزاتها.

لغة الضاد عند الشعراء المحدثين

ولقد أحب الشعراء المحدثون لغتهم الرائعة لغة الآباء والأجداد، وكتبوا لها العديد من القصائد، ولا نجد في سائر اللغات شعراء تغزلوا في جمال لغتهم مثلما فعل شعراء القصائد العربية، فلقد نظموا قصائد عبقرية في تمجيد لغتهم وبيان بلاغتها وروعتها، وقد تناولوا في قصائدهم قضايا متنوعة ظلت تعجبهم وتؤرقهم وتؤلمهم.

يؤكد الشعراء المحدثون بأن اللغة العربية هي أجمل وأروع، ولا تعدلها أية لغة من اللغات الكونية ولو كانت من اللغات السامية، ولغتنا عبقرية بمفرداتها ومعانيها وبلاغتها وأساليبها وتراكيبها، يقول أمير الشعراء أحمد شوقي :

إن الذي ملأ اللغات محاسنا *** جعل الجمال وسره في الضاد

كما عبر العالم اللغوي النحوي علي الجارم عما يجول في قلبه بكلمات رائعة وألفاظ جميلة، وهو يسميها بـ(ابنة الضاد)،  ويقول :

يا ابنة السابقين من قحطان *** وتراث الأمجاد من عدنان

يا ابنة الضاد أنت سر من الحس *** ن تجلى على بني الإنسان

تتسم العربية بعدة أوصاف لا يتحلى بها سائر اللغات، ومنها أن الله قد اختارها وأعطى لها منزلة مقدسة حتى جعلها لغة أهل الجنة، وإنها لغة الفائزين في الدارين، يعبر عن هذا الشاعر عبدالرحمان العشماوي حين قال.

لغة الخلد أنا تفنى لغات وأنا ألبس تاجا سرمديا

سوف أغدو لغة الجنة لما يرفع الرحمان من كان تقيا

العربية ركن أساسي يوحد العرب ويجمع شملهم، ويتوجب على العرب التمسك بهذه اللغة العظيمة، والسعي إلى إعلاء شأنها وترسيخ دعائمها في النفوس، ولهذا يكون لزاما على العرب ألا يقبلوا أي بديل للعربية الفصحى سواء من اللهجات المحلية أو من اللغات الأعجمية الغازية، وهذا ما نستمده من قصيدة شاعرنا العربي حليم دموس، وهو ينشد:

لو لم تكن أم اللغات هي المنى *** لكسرت أقلامي وعفت مدادي

لغة إذا وقعت على أسماعنا *** كانت لنا بردا على الأكباد

ستظل رابطة تؤلف بيننا *** فهي الرجاء لناطق بالضاد

ويؤكد أحمد شوقي وسليمان العيسى هذا المعنى نفسه في قصيدتيهما، وشوقي يصف العربية بأنها خير رابط بين العرب وأنها مجمع أبناء الوطن العربي أنى ساروا كما جعل سليمان العيسى العربية صدرا حنونا يضم كل أبناء العرب، يتحدث شوقي بكل حب وأمل  :

ويجمعنا إذا اختلفت بلاد *** بيان غير مختلف ونطق

كما يتحدث سليمان العيسى على لسان العربية :

فلا تخافوا لكم صدر يضمكم  *** ستلتقون على صدري أنا العرب

وهذا شاعرنا علي سجيع بيطار يبين أهمية العربية عند العرب والمسلمين ومكانتها بين اللغات العالمية، وهو يعد العربية لغة لأهل الجنة، ويلبسها تاج السلطان، إذ جعلها مليكة وسائر اللغات رعاياها، يقول الشاعر :

لغة الجنان وأهلها عربية *** كل اللغات بفضلها تتوحد

في دقة التعبير أنت مليكة *** بين اللغات بعرشه تتفرد

أنت التي كتبت لنا أمجادنا *** نورا سما، نارا على من يحقد

مثلما وصف الشعراء العرب جمال العربية وسماتها وميزاتها ومكانتها بين اللغات الأخرى تحدثوا عن التحديات التي واجهتها العربية والأخطار المعاصرة التي تعرضت لها، وأبدوا هلعاتهم وأعربوا عن أحزانهم على ما وقع للعربية من الانحطاط اللغوي في ألسنة شعوبها، ومنهم من نظموا القصائد على لسان العربية التي تتذمر وتشكي وتطلق صرخات النجدة والاستغثة لأبنائها كي ينقذوها قبل اندثارها.

قبل ما يزيد على مائة عام نظم الشاعر المصري حافظ إبراهيم قصيدته الموسومة بـ(العربية تنعي حظها بين أهلها) بعد الحملة الجائرة ضد اللغة الفصحى، والمستشرقون والمستعمرون وأذنابهم من أبناء العربية هم الذين أثاروها ولعبوا وراءها، وقد رفعوا أصواتهم ضد استعمال اللغة الفصحى في الكتابة ونادوا باستعمال العامية لتفتيت وحدة العرب وتشتيتها وإضعاف لغتهم وتمزيقهم وتفكيكهم.

والنهضة لا تتحقق إلا إذا أتقنا لغتنا فهي شرط من شروط تحقيقها، ولذلك يدعونا شعراء العربية المحدثين في قصائدهم إلى الاعتزاز والفخر بهذه اللغة وفي هذا المعنى يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته  (العربية تنعي حظها بين أهلها)

أرى لرجال الغرب عزا ومنعة *** وكم عز أقوام بعز لغات

أتوا أهلهم بالمعجزات تفننا *** فيا ليتكم تأتون بالكلمات

ويبين حافظ أن العربية اتهمت ظلما بالعقم والتحجر والجمود وعدم قدرتها على التعبير عن متطلبات العصر مع أنها تزهو بين اللغات بالفصاحة والبلاغة، وإنها لغة معطاءة منجبة تمتلك ثروة ضخمة من الألفاظ، ولكنها عندما لم تجد الكفء المناسب الذي يحفظ أسرارها ويظهر جمالها ويحسن استخدامها انطفأ بريقها، حقا ليست العربية لغة عاجزة، والدليل على ذلك أنها وسعت كتاب الله وحوت جميع أحكامه وتشريعاته ولم تعجز عن وصف بينة أو موعظة أو هدف من أهداف القرآن، فكيف تعجز عن وصف ما صنعه المخلوقون، يقول شاعر النيل.

رموني بعقم في الشباب وليتني *** عقمت فلم أجزع لقول عداتي

ولدت ولما لم أجد لعرائسي *** رجالا وأكفاء وأدت بناتي

وسعت كتاب الله لفظا وغاية *** وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة *** وتنسيق أسماء لمخترعات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن *** فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

يذكرنا الشاعر المصري حافظ بأن محنة العربية تقع في أبنائها الناطقين بها، فالعربية تشكي من أبنائها الذين لم يحسنوها وقد ضيعوها أكثر من أعدائها الذين يتآمرون عليها، واللغة العربية عند حافظ تتحدث بلسانها وتشكو هجران قومها حيث يتجهون إلى لغات ليست أصيلة ولم تتصل برواة، يقول حافظ إبراهيم :

وأسمع للكتاب في مصر ضجة فأعلم أن الصائحين نعاتي

أيهجرني قومي – عفا الله عنهم – إلى لغة لم تتصل برواة

سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى لعاب الأفاعي في مسيل فرات

ومما يؤلم شعراء العربية المحدثين تلك الأخطاء الشنيعة التي يسمعونها في وسائل الإعلام ويقرؤونها في الصحف صباح مساء، ويحكى حافظ على لسان العربية بـأن ما يحدث من مزالق وأخطاء لغوية بالجرائد والصحف يعلن بقربها من القبر واللحد، يقول حافظ :

أرى كل يوم بالجرائد مزلقا من القبر يدنيني بغير أناة

وأسمع للكتاب في مصر ضجة فأعلم أن الصائحين نعاتي

ونهج الشاعر عبدالرحمن العشماوي منهج حافظ إبراهيم، وعبر العشماوي عن نفس المعنى حين قال :

أنا لا أسمع نطقا عربيا خالص اللفظ وحسا يعربيا

أنا لا أسمع لفظا مستقيما إنما أسمع لفظا أعجميا

فالإذاعات التي تهدر فيكم كل يوم تظهر الداء الخفيا

والفضائيات تجري بكلام ساقط يجرح من كان أبيا

وأرى في صحف القوم كلاما يقتل الإعراب قتلا همجيا

العربية بعد أن حدث شعراءها عن مأساتها تبسط رجاءها بعد أن بسطت شكواها فإما حياة تبعثها بعد أن بليت وإما ممات لا قيامة بعده، وفي مماتها خسارة فادحة للأمة لا نستطيع قياسها بأية خسارة أخرى، يقول حافظ إبراهيم على لسان الضاد وقلبه ينبض بالألم والرجاء…

إلى معشر الكتاب والجمع حافل *** بسطت رجائي بعد بسط شكاتي

فإما حياة تبعث الميت في البلى  *** وتنبت في تلك الرموس رفاتي

وإما ممات لا قيامة بعده ممات *** لعمري لم يقس بممات

نصل في الأخير إلى أن العربية لغة حافلة بالمزايا ووافرة بالعطايا، نظم الشعراء الأشعار والقصائد التي تتناول جمالها وأوصافها ومكانتها بين اللغات العالمية، وبذلوا أقصى جهدهم لتمجيدها وإعلاء شأنها، وأغمهم  وأحزنهم كل ما وقف معترضا في سبيل تطور لغة كتاب الله تعالى، وكانت أشعارهم طافحة ومليئة بالقضايا التي تتعلق بالعربية الفصحى…