قرأتُ عبارة متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي تقول: “لا تأخذ بما تسمع، خذ بما ترى”. فتساءلت بيني وبيني: أحقًّا ما نراه هو الحقيقة حتى نأخذ به؟ وهل فعلاً مظاهر الأشياء هي كما تبدو لأعيننا؟

ألا تبدو لنا الأرض ثابتة من تحت أقدامنا، في حين أنها تدور بسرعة هائلة تقدَّر بألف ميل في الساعة؟ أما نرى القمر أكبر حجمًا من النجوم المتناثرة في سقف السماء، والعلم يؤكِّد لنا أنها أضخم من القمر بملايين المرات؟ ألسنا نلمس الأشياء بأيدينا فنشعر بها صلبة متماسكة، والحقيقة العلمية هي أننا نعيش في عالم يتكون من ذرات متناثرة، والمسافة ما بين ذرة وأخرى في المادة التي نلمسها تبلغ بلايين الكيلومترات؟ أحقًّا تلمس أصابعي الآن لوحة مفاتيح الحاسب الآلي للطباعة، أم أنها تلمس قوى الجذب المغناطيسي بين ذرات الجهاز؟ ألهذا الحد تخوننا حواسنا كل يوم وتعطينا صورة وهمية لما حولنا؟!

لا تستهينن بمن يذكره الناس بسوء ويرتابون منه، فمحمد عليه الصلاة والسلام قد قيل عنه ساحر ومجنون، والحقيقة الساطعة أنه كان عند الله رحمة للعالمين وخاتمًا للنبيين.

الحقيقة أننا نعيش وسط عوالم خفية غير مرئية، ونلمس مواد لا نفهم كنهها، ومعظم ما نراه من حولنا ليس إلا ظلالاً للحقائق الكبرى. لا تأخذ بما تسمع ولا حتى بما ترى، هي ذي الحكمة التي ينبغي أن لا تفوتك. لا تصدّق عينيك، فهي لا ترى من الواقع إلا جزءًا بسيطًا ممّا يعج به الكون من حقائق.

الحقيقة لها أكثر من زاوية ولا وجود لحقيقة واحدة كما يتوهّم أكثرنا. تأمَّل معي البحر الصاخب بالحياة والأحياء، وقل لي بأي العيون المتعددة تراه؟ أبعين صياد لا يُبصر بين مياهه سوى سمكًا طازجًا يتوق شغفًا لاصطياده؟ أم تُراها عين طفل صغير لا يرى في شطآنه إلا قصر رمال وألعابًا بحرية؟ لعلها أعين غواص اعتاد البحث عن اللآلئ بين أحشائه، أو هي عيون عالِم أحياءٍ لا يَرى فيه سوى الرحم العظيم الذي تحتشد في أعماقه ممالك وأمم من الكائنات التي يأكل بعضها بعضا؟ ولربما تكون حدقتي جيولوجي يُبصر في أمواجه نحّاتًا بارعًا يتفنّن دون كلل في تشكيل القارات وتعرية السواحل وتفتيت صخورها؟ لعلها أعين شاعر حسّاس يَرى في بريقِ مياهه الجميلة قصائد زرقاء تشبه عيون من يحب؟ ربّاه! في أيّ هذي العيون الجمّة تكمن حقيقة البحر وجوهره؟

وتتناهى إلى سمعي محاولة الرومي تقريب مفهوم الحقيقة لأذهاننا وهو يترنّم بشاعرية آسرة: “الحقيقة كانت مرآة بيد الله، وقعت وتشظّت، كل فرد أخذ قطعة منها.. نظر إليها، وخال أنه يملكها كاملة”. تمامًا كقصة الفيل والثلاثة الذين وُلدوا مكفوفين؛ عندما طُلب منهم أن يكتشفوا ما هو الفيل من خلال لمسه، فإذا بالذي تحسّس أقدامه يصفه بأنه أربعة أعمدة على الأرض، وإذا بمن أمسك خرطومه يشبِّهه بالثعبان، وثالثهم الذي أمسك ذيله رآه كالمكنسة المرنة، وعندما تبيَّن لهم اختلاف آرائهم تشاجروا وتجادلوا، واتَّهم كل منهم الآخر بالكذب والادعاء، جاهلين أن للحقيقة عدة أوجه وأن كلاًّ منَّا يرى جزءًا منها لا يراه الآخر.

تختلف مستويات نظرنا إلى الحقيقة فيختلف فهمنا لها تبعا لذلك. كثيرًا ما نرى الشيء ذاته ولكن بعيون مختلفة وأفهام متباينة وأذواق متفاوتة، فالحقيقة نسبية بالنسبة لنا معاشر البشر. نحن ندرك الأشياء لا كما هي بل كما نحن، ندرك الأمور بحسب رؤانا للحياة ومعتقداتنا ووفق اهتماماتنا وأولوياتنا.

ولئن صَدَق هذا الكلام على الحقائق الكونية والمادية، فإنه يَصْدق أكثر في الحقائق الإنسانية. عندما جاءت مريم العذراء قومها وهي تحمل وليدها بين ذراعيها، اتَّهم أكثرهم الطهر والنقاء بارتكاب الفاحشة، اعتمادًا على حواسِّهم الخارجية المحدودة، والتي لم تجد تفسيرًا آخر للحقيقة المخفية. كان الأجدر بهم أن يتواضعوا لله الذي يعلم السر وأخفى، ويقرّوا بجهلهم بدلاً من الخوض مع الخائضين واتهامها ظلمًا وزورًا. ينبغي ألاَّ نحكم على الأحداث والأشخاص وفق ما تُبصره أعيُننا وتلمسه أيدينا، فالعبرة ليست بالمظاهر ولا بما يبدو لتصوراتنا ورؤانا المحدودة.

في الناس مَن إن رأى بَغِيًّا أمامه، يسلقها بألسنةٍ حدادٍ متجاهلاً حكمة معلِّمنا العظيم صلى الله عليه وآله وسلم، الذي علَّمنا أن امرأة زَنا جسدها، تألمت روحها، فسقت كلبًا برحمتها وحنانها فعانقت الفضيلة. وآخرون لو أنهم شاهدوا ذاك الصحابي الذي يُؤتَى به دومًا شاربًا الخمر، لَلَعنوه أيضًا مع زمرة مَن لعنه، متناسين صرخة رسول الله فيهم محذِّرا: “لا تلعنوه، إنه يحب الله ورسوله”. ما أقسى أحكام البشر! فهم لا يقيسون خلفية الذنب وضغوطاته الوجودية والأسباب التي أدت لحدوثه، بينما النبي يرى المسألة في أعماقها وجوهرها الإنساني.

إن ما نراه في الواقع، ليس هو الحقيقة وإن رأيناه رأي العين أو لمسناه باليدين. ومقاييس الإله في الحساب ليست قاسية كمعايير أكثر البشر، وهو في حكمه على الأمور، لا يقوم بمفاضلةٍ حسابية جافة بعيدة عن القيم الجمالية والأخلاقية، بحيث يحاكم الإنسان على فعله بدون ربط الفعل بالنية، بل هو “الباطن” الذي يعلم حقيقة نوايانا ودوافعنا والأسباب التي قادتنا لاختيار السلوك الذي أبديناه مهما كان ظاهره مناقضًا لمعدن قلوبنا، لهذا قال تعالى للذين تباهوا بإيمانهم في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ممن ظاهرهم الإيمان وباطنهم خلافه: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)(الحجرات:14). وهنا نفهم حكمة نبيّه عيسى عليه السلام عندما صدع بالحقيقة الأخلاقية في وجه مجتمعه القاسي، الذي ما رحم المرأة البغي في حكمه الجاف على تصرفها والمجرّد من فضيلة الرحمة الإنسانية قائلاً لهم: “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”.

صدق من قال: لا تستهينن بمن يذكره الناس بسوء ويرتابون منه، فمحمد عليه الصلاة والسلام قد قيل عنه ساحر ومجنون، والحقيقة الساطعة أنه كان عند الله رحمة للعالمين وخاتمًا للنبيين. لا تهزأ بمن أفلس بعد أن كان ثريًّا وتصفه بالخاسر، فأيوب عليه السلام تعرض لنفس الأزمة وكان عند الله نبيًّا. لا تغتب مسجونًا وتُنصِّب نفسك قاضيًا في أحداث جريمته، فيوسف عليه السلام سُجن ظلمًا لكنه كان عند الله صِدّيقًا. لا تسخر ممن ابتلاه الله بزوجة سوء فتصفه بضعيف الشخصية لصبره على أذاها، قد كان لنوح عليه السلام زوجة عاصية صبر عليها وكان عند الله صفيًّا. احذر من تنصيب نفسك جلاّدًا للآخرين بناء على ما ترى، واجعل من حسن الظن في الآخرين خُلُقًا جميلاً تتحلّى به، ودع الخَلْق للخالق، فشتّان ما بين بصر العين وبصيرة القلب.

الفروق كثيرة بين البصر والبصيرة؛ أبسطها أن المرء حين ينظر بقلبه يرى الانسجام وراء الفوضى، يرى الأمل يولد من اليأس، ويرى الجمال مهما بدت عباءة القبح..

ثمّة حسناء لم تبصر النور يومًا خلّدت لنا حكمة عميقة تقول: “الأشياء الأجمل في العالم لا تُرى ولا يُمكن لمْسها، بل يجب أن يشعر بها قلبك فحسب”. وإني كمثلها هذي الهيلين كيلر رغم نعمة البصر، أؤمن بأن أعظم الأشياء وأعلاها مكانة واقعة في الغياب. يؤيِّدني في قناعتي فيلسوف فرنسي كتب عبارة حكيمة تقول: “أغمض عينيك تُبصر”.

وقبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، أشار القرآن العظيم إلى حقيقة الإبصار الداخلي في قوله تعالى: (فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)(الحج:46).

والفروق كثيرة بين البصر والبصيرة؛ أبسطها أن المرء حين ينظر بقلبه يرى الانسجام وراء الفوضى، يرى الأمل يولد من اليأس، ويرى الجمال مهما بدت عباءة القبح.. فإذا كان “البصر” هو أن نرى ظاهر الأشياء من وراء نظارة، فإن “البصيرة” أن نرى باطنها ودوافعها الحقيقية وجوهرها بالمجهر المكبّر. البصيرة أن نعتمد على حاسة الإبصار الداخلي الذي يفتح أبواب الرحمة والحب في وجداننا تجاه الآخرين مهما بدى لنا من خطاياهم، أن نلتقي بالله، بالجمال، بالحقيقة.. بقلوبنا لا بأعيننا.

ما هذا الوجود الذي نعيشه سوى حلم. نعم، نحن الآن في حلم. حياتنا مجرد حلم وسكرات غفلة. وعند الموت نذهب إلى الحقيقة، نستيقظ، ننتبه فعلاً.. فلحظة الموت وحدها هي لحظة الاستيقاظ الحقيقية.

إلهي ارزقنا نور البصيرة في حياتنا، ولا تجعلنا ممن سيتفاجأ بعد مماته بالحقيقة المُرّة عندما يُقال له: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)(ق:22). اجعل بصر قلوبنا حديدًا اليوم قبل الغد، وأخرجنا من ظلمات أنفسنا إلى نورك. أنت الحق والنور الذي ليس كمثله شيء، وأنت ما نرى من جمال حيثما تطلعت عين، لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنتُ من الظالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) أديبة إماراتية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.